تفاسير

أهناك عدل على الأرض؟ -1

القسم: عظات على سفر أيوب.

النص الكتابي: أيوب 5

يحاول كل بشري بأن يفهم معنى الحياة ولا سيما حياته الخاصة. وإذا تمعّنّا في دراستنا لحياتنا المعاصرة وتأملنا في المصاعب العديدة التي أحاطت بنا ولا سيما في السنين الأخيرة من القرن العشرين قد نتساءل: أهناك عدل على الأرض؟ نتفوّه بهذه الكلمات لأننا كثيراً ما نلاحظ بأن الأشرار والعتاة لا يعاقبون بينما يتعذب الأبرياء والمساكين وهم لا يدرون سبب شقائهم.

وكما ذكرنا في مناسبات عديدة نقترب من هكذا تساؤلات إما من وجهة نظر لا دينية الحادية منكرة لله ولسيطرته على التاريخ البشري أو من منظور إيماني بالله القدير. يجابه الملحد المعاصر معضلة فكرية ذات أبعاد هائلة لأن نقطة انطلاق تفكيره تبدأ من فلسفة مؤلّهة لأحد أبعاد الوجود. وهي على الغالب فلسفة مادية لا تحتوي في طياتها إلا على أفكار تشاؤمية مهما طلت نفسها بآراء طوباوية / يوتوبية. فعالم الملحد عالم مظلم ينعدم فيه الرجاء ولا يبقى للإنسان  المعذّب إلا وأن يندب حظه ويستمر في البكاء والعويل.

أما المؤمن المعذّب الذي يبدأ تفكيره بما أوحى به الله من تعاليم تخصّ الحياة الدنيا فإنه يقترب من معضلات الحياة مسلّماً أمره ليدي الباري الشفوق والمحب. وهو في نفس الوقت يتوق من قرارة قلبه بأن يفهم سبب ما حلّ به. وهنا تكمن إشكالية تفكيره الإيماني إذ يعمل جهده ليصل إلى تفسير مقنع لسبب نوائب الحياة التي انهمرت عليه. ولسان حاله هو: أنا مؤمن بربي وإلهي وأنه على كل شيء قدير. ولكني لا أفهم لماذا صار ما صار وتمّ ما تمّ لي ولغيري من بني البشر المؤمنين؟ ! كيف أوفّق بين سلطنة وهيمنة الله على التاريخ بما في ذلك مسيرة حياتي والكوارث التي انهالت عليّ من كل حدب وصوب.

وهنا نحمد الله على إعطائه إيانا كتاباً من كتب الوحي وهو سفر أيوب الصديق حيث تعالج فيه هذه المعضلة التي يجابهها المؤمن المعذب. ونظراً لأن بعض المستمعين الكرام لم يسمعوا العظات السابقة المبنية على سفر أيوب نعيد ذكر بعض الأمور الأساسية التي تساعدنا على فهم الفصل الخامس من هذا الكتاب. عاش أيوب في القسم الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية في أيام ما قبل الميلاد. وكان رجلاً ثرياً أنعم عليه الله بسبع صبيان وثلاث بنات. وفي أحد الأيام انصبت عليه المصائب فخسر أولاً ثروته ثم بنيه وبناته وأخيراً خسر صحته الجسدية إذ ألم به داء يشبه مرض البرص. ولم يدر أيوب بأن الشيطان كان واقفاً له بالمرصاد وأنّ الله أذن له بضرب أيوب بكل هذه المصائب.

جاء ثلاثة من أصحاب أيوب لتعزيته ولكنهم انقلبوا عليه مدّعين بأنه كان قد اقترف ذنباً معيّناً وإلا لم كان إلهه قد سمح لكل هذه المصائب بأن تنهال عليه. وكنا قد وقفنا في الفصل الرابع على كلمات أليماز التيماني اللامعزّية. تابع هذا الصديق المشتكي واعظاً أيوب المعذّب وقائلاً:

1[اُدْعُ الآنَ. فَهَلْ لَكَ مِنْ مُجِيبٍ! وَإِلَى أَيِّ الْقِدِّيسِينَ تَلْتَفِتُ؟ 2لأَنَّ الْغَيْظَ يَقْتُلُ الْغَبِيَّ وَالْغَيْرَةَ تُمِيتُ الأَحْمَقَ. 3إِنِّي رَأَيْتُ الْغَبِيَّ يَتَأَصَّلُ وَبَغْتَةً لَعَنْتُ مَرْبِضَهُ. 4بَنُوهُ بَعِيدُونَ عَنِ الأَمْنِ وَقَدْ تَحَطَّمُوا فِي الْبَابِ وَلاَ مُنْقِذَ. 5الَّذِينَ يَأْكُلُ الْجَوْعَانُ حَصِيدَهُمْ وَيَأْخُذُهُ حَتَّى مِنَ الشَّوْكِ وَيَشْتَفُّ الظَّمْآنُ ثَرْوَتَهُمْ. 6إِنَّ الْبَلِيَّةَ لاَ تَخْرُجُ مِنَ التُّرَابِ وَالشَّقَاوَةَ لاَ تَنْبُتُ مِنَ الأَرْضِ 7وَلَكِنَّ الإنسان  مَوْلُودٌ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا أَنَّ الْجَوَارِحَ لاِرْتِفَاعِ الْجَنَاحِ.

ليست المشكلة في كلمات صاحب أيوب أنها لم تكن مبنية على الواقع المعاش أو أنها لم تأخذ التجارب الحياتية بعين الاعتبار. تكلّم أليفاز بجزء من الحقيقة لا الحقيقة بكاملها. من ينكر أنّ الغيرة تميت الأحمق؟ هذا صحيح لا جدل فيه. ولكنّ هذه الكلمات لم تنطبق على أيوب. عاش أيوب حياة متجانسة مع الوصية الإلهية ولم يشعر في قرارة نفسه بأنه ارتكب ذنباً معيّناً لتنهمر عليه كل تلك النوائب. لماذا كانت نقطة انطلاق أليفاز اعتقاده بأن أيوب كان مجرماً ولماذا قال لصاحبه المتألّم: ادع الآن، فهل لك من مجيب؟ لماذا وصف أيوب وكأنه كان بدون معين أو مجيب؟ وماذا عنى بكلماته هذه:الإنسان  مولود للمشقّة كما أن الجوارح لارتفاع الجناح؟ هل أراد بأن يقول أن غاية الله في خلقه للإنسان  إنما كانت شقاء الإنسان ؟ أم هل كان يعني أنه في عالم ساقط في حمأة الخطية والشر، يتحتّم على حياة الإنسان  بأن تكون شقية ومليئة بالعذابات؟ !

احتاج أيوب إلى تعزية ولكنه لم ينل من صاحبه سوى اللوم !

وتابع أليفاز كلامه مجدداً ممجداً عظمة الله القدير ومنتقداً ضمنياً صاحبه لأيوب قائلاً:

[لَكِنْ كُنْتُ أَطْلُبُ إِلَى اللهِ وَعَلَى اللهِ أَجْعَلُ أَمْرِي. 9الْفَاعِلِ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. 10الْمُنْزِلِ مَطَراً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَالْمُرْسِلِ الْمِيَاهَ عَلَى الْبَرَارِيِّ. 11الْجَاعِلِ الْمُتَوَاضِعِينَ فِي الْعُلَى فَيَرْتَفِعُ الْمَحْزُونُونَ إِلَى أَمْنٍ. 12الْمُبْطِلِ أَفْكَارَ الْمُحْتَالِينَ فَلاَ تُجْرِي أَيْدِيهِمْ قَصْداً. 13الآخِذِ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ. 14فِي النَّهَارِ يَصْدِمُونَ ظَلاَماً وَيَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّهِيرَةِ كَمَا فِي اللَّيْلِ. 15الْمُنَجِّيَ الْبَائِسَ مِنَ السَّيْفِ مِنْ فَمِهِمْ وَمِنْ يَدِ الْقَوِيِّ. 16فَيَكُونُ لِلذَّلِيلِ رَجَاءٌ وَتَسُدُّ الْخَطِيَّةُ فَاهَا.

مشكلتنا مع أليفاز، كما ألمحنا سابقاً، لا تكمن في الكثير من عباراته فيما إذا جرّدناها عن الإطار الذي كان يحيط بها أي أن لم تكن موجّهة إلى أيوب. فمن البديهي أن الله عادل وقدير ومهيمن على دنياه. الله يدافع عن المتواضعين والمساكين ويبطل أفكار المحتالين والماكرين. لم يحتاج أيوب إلى ترداد هذه البديهيات. انحصرت مشكلته في عدم مقدرته على تفهّم ما حدث له وهو الذي كان يعبد الله عبادة صادقة ويسير على طريقه المستقيم. لماذا أساء أليفاز الظن في صاحبه أيوب؟ وعندما يتعذّب الأبرياء وهم لا يدرون سبب عذاباتهم وهم يعيشون في عالم الله، تزجّ حياتهم في خضمّ محيط الشكوك والتساؤلات. يحتاج المعذبون إلى تعزية شاملة مبنية علة وحي الله بأسره، لا على كلمات اللوم والتجريح.

كان أليفاز كغيره من معاصريه وكالعديدين من معاصرينا نحن أيضاً، كان يخال بأن الذي تنهمر عليه مشكلات الحياة إنما كان يستحقّها. لم يخل صديق أيوب بأنه كثيراً ما يتعذّب الأبرياء بدون سبب يفهمونه وأن آلامهم تصبح لا تطاق، فيتوجّهون إلى الله باريهم قائلين: لماذا يا ألله؟ لم تكن كلمات أليفاز شاملة بل اكتظّت بأنصاف الحقيقة فقال واعظاً:

17[هُوَذَا طُوبَى لِرَجُلٍ يُؤَدِّبُهُ اللهُ. فَلاَ تَرْفُضْ تَأْدِيبَ الْقَدِيرِ. 18لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ. يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ. 19فِي سِتِّ شَدَائِدَ يُنَجِّيكَ وَفِي سَبْعٍ لاَ يَمَسُّكَ سُوءٌ. 20فِي الْجُوعِ يَفْدِيكَ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْحَرْبِ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ. 21مِنْ سَوْطِ اللِّسَانِ تُخْتَبَأُ فَلاَ تَخَافُ مِنَ الْخَرَابِ إِذَا جَاءَ. 22تَضْحَكُ عَلَى الْخَرَابِ وَالْمَجَاعَةِ وَلاَ تَخْشَى وُحُوشَ الأَرْضِ. 23لأَنَّهُ مَعَ حِجَارَةِ الْحَقْلِ عَهْدُكَ وَوُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ تُسَالِمُكَ. 24فَتَعْلَمُ أَنَّ خَيْمَتَكَ آمِنَةٌ وَتَتَعَهَّدُ مَرْبِضَكَ وَلاَ تَفْقِدُ شَيْئاً. 25وَتَعْلَمُ أَنَّ زَرْعَكَ كَثِيرٌ وَذُرِّيَّتَكَ كَعُشْبِ الأَرْضِ. 26تَدْخُلُ الْمَدْفَنَ فِي شَيْخُوخَةٍ كَرَفْعِ الْكُدْسِ فِي أَوَانِهِ. 27هَا إِنَّ ذَا قَدْ بَحَثْنَا عَنْهُ. كَذَا هُوَ. فَاسْمَعْهُ وَاعْلَمْ أَنْتَ لِنَفْسِكَ].

لخّص ألفاز اجتهاده في تفسير سرّ الآلام مناشداً أيوب بألا يرفض تأديب القدير. هذا أمر حسن على كل بشري أن يتذكّره. الله يجرح ويعصب، يسحق ويداه تشفيان. بمعنى أن الله يأخذ عالمه هذا بكل ما فيه من أمور حميدة وغير حميدة، ويجعلها تعمل لمصلحة خائفيه وفائدتهم. ولكن الأمر الذي لم يساعد أيوب في كلمات صاحبه هو أن أليفاز كان يعتقد كل الاعتقاد بأن الإنسان  يتألّم ويتعذّب بالنسبة إلى الشرور والمعاصي التي يرتكبها في هذه الدنيا. ولذلك أنهى خطابه بهذه الكلمات التي أظهرته وكأنه كان يتمتّع بسلطة فوقية بالنسبة إلى أيوب: ها إن ذا قد بحثنا عنه، كذا هو. فاسمعه واعلم أنت لنفسك.

وسنرى ونحن نتابع سيرة أيوب الصديق أن كلمات معزّيه كانت عبارة عن سلسلة اتهامات له ولذلك رفضها وتابع رفع قضيته العادلة إلى ربه وباريه. وكما ذكرنا في كل عظة مبنية على كتب الوحي في أيام العهد القديم أي أيام ما قبل الميلاد، يتوجّب علينا نحن الذين نعيش نحو ألفي سنة بعد مجيء المسيح إلى العالم واكتمال الوحي الإلهي، يجر بنا أن نأخذ تعاليم الإنجيل بعين الاعتبار لكي نفهم بصورة أكثر جلاء موضوع الآلام والنوائب التي تحدث لبني البشر بشكل عام وللمؤمنين والمؤمنات بشكل خاص.

نتعلّم من الكتاب المقدّس بأسره أي من كتب العهد القديم والعهد الجديد، نتعلّم بأن المسيح يسوع جاء إلى عالمنا هذا للقضاء على الخطية والشر والشيطان. ولقد أتمّ له المجد برنامج الله الخلاصي والفدائي بموته على الصليب وبقيامته من بين الأموات. وصار كل من يلتجئ إليه مؤمناً ينال الخلاص مجاناً بما في ذلك الحياة الأبدية. لكن هذا لا يعني أن مشاكل الحياة تزول بالنسبة للمؤمنين بالمسيح. على العكس كثيراً ما يضطهد أتباع المسيح لا لسبب إلا لالتجائهم إليه والشهادة بعمله الخلاصي الذي تمّ في صميم حياتهم. لكن المؤمن يعلم كل العلم أن جميع صعوبات ومشقات الحياة الدنيا تؤول في النهاية لخيره ولنموه في إيمانه القويم.

لا يمكن النظر إلى مشاكل الحياة من منظور ضيّق بل من وجهة نظر كتابية شاملة. فيقول كل مؤمن مع الرسول بولس:

"إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا! 32اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟ 33مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ! 34مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ الْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضاً الَّذِي هُوَ أَيْضاً عَنْ يَمِينِ اللهِ الَّذِي أَيْضاً يَشْفَعُ فِينَا! 35مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضَِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ 36كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ». 37وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا. 38فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً 39وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا."

أضف تعليق


قرأت لك

دعوة للرجوع الى المكتوب

تكاد الكنيسة اليوم تكون مختلفة تماما ولا تشبه الكنيسة الكتابية بشيء. فالكنيسة المثالية النموذجية في سفر الاعمال، لا نجد لها اثر اليوم وقد اختفت معالمها كليا.. الامر الذي اضعف العالم المسيحي اليوم.. فاصبحت الكنيسة اليوم كرجل مسن هرم عاجز، لا يحترمه احد.... مع ان الكنيسة هي جسد المسيح رب الكل وروح الله القدير فيها وكلمة الله الحية الفعالة تقودها، فلا ينبغي ان تكون هزيلة تتأرجح، مرتعبة من العالم او متهادنة معه، كشجرة كبيرة تتآوى فيها كل طيور السماء اي كل التعاليم الغريبة...

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة