الإحتِفالُ بالفُرُوقات

القسم: الزواج والعائلة الجزء الثاني.

أفَضَلُ مكانٍ للبدءِ بتفهُّمِ زوجتِكَ أو زوجَكِ هُو الإدراك أنَّ هُناكَ فرقٌ بينَ الرجُل والمرأة. فهُناكَ اختلافات بِيولوجيَّة طبيعيَّة، جسديَّة، عقليَّة، عاطِفيَّة، وروحيَّة بينَ الرجُلِ والمرأة. يُوجدُ فرقٌ بينَ طريقَةِ تفكيرِ الرجال والنِّساء، وكذلكَ في طريقَةِ تصرُّفِهم وشُعورِهم وتجاوُبِهم معَ الواقِع، وحتى في طريقَةِ العِبادة هُناكَ فرقٌ بينَ الرجالِ والنِّساء.

كانَ لديَّ إيضاحٌ أستعمِلُهُ منذُ عدةِ سنوات، ولن أنساهُ أبداً. جاءتني مرَّةً زوجةُ طبيبٍ. كانت امرأةً طيِّبةً وتقيَّة جدَّاً، ونشيطة في كنيستِها، ولا سيَّما في اجتماعات الصلاة وخدمات أُخرَى. ولقد تحادثتُ معها حولَ بعضِ الخدمات الكَنَسِيَّة. ولقد كانَ زوجُها طبيباً جرَّاحاً مشهوراً وناجِحاً، ورُغمَ ذلكَ كلَّمتنِي باكِيةً، "أنا مُضطربةٌ لأنَّ زوجي غيرُ روحي، إنَّهُ غيرُ روحي أبداً." فقُلتُ لها، "دعينا نتكلَّمُ عن هذا، لأن وحدَهُ اللهُ يستَطيعُ أن يجعَلَ منهُ رُوحيَّاً."

وبعد حوالي ثلاثة أشهُرٍ كانت هُناكَ امرأةُ أُخرى في الكنيسة التي أرعاها، وكانت لديها مُشكِلة كبيرة في المَرارَة وفي القلب. وكانَ على الأطبَّاء أن يستأصِلوا هذه المرارة، ولكن العمليَّة كانت خطِرة بسبب قلبِها المُتعَب، وإن لم يستأصِلوا المرارة فسوفَ تنفَجِر. فذهبتُ إلى المُستشفَى لأقفَ بِجانِبِ زوجِ هذه المرأة المريضة. وبعدَ أن تحادثنا حولَ السرير لمُدَّة، سألني الطبيبُ الجرَّاح "غير الروحِيّ" الذي تكلَّمنا عنهُ سابِقاً، إن كانَ بإمكانِهِ رُؤيتِي في الخارِج. فأخذني جانِباً وقالَ، "أنا أحتاجُ أن أستأصِلَ هذه المرارة، ولكن العمليَّة خطِرَة. هُناكَ قاعَةُ صلاة صغيرةٌ في أسفلِ المُستشفَى. فهل تسمَح أيَّها القسِّيس بأن تنـزلَ وتُصلِّيَ لنا هُناك حتَّى أُرسِلَ لكَ مُمَرِّضَةً تُخبِرُكَ بأننا اجتزنا المرحلة الصعبة؟" فقُلتُ، "إنَّ هذا من دواعِي سُرورِي."

وهكذا نـزلتُ إلى قاعةِ الصلاةِ وصلَّيتُ بِحرارة. وفي الساعَةِ الحادِيَةِ عشر من ذلكَ الصباح، إِختبرتُ روحيَّاً خِلالَ الصلاة أنَّ اللهَ عمِلَ شيئاً. وبعدَ حوالي الرُّبع ساعة، نـزلت المُمرِّضة ووقفت على بابِ قاعةِ الصلاة وقالت، "يقولُ الطبيبُ أنَّ كُلَّ شيءٍ على ما يُرام الآن. لقد اجتزنا المرحلة الصعبة."

بعدَ العمليَّة، وقبلَ أن يقولَ الطبيبُ كَلِمةً لزوجِ المرأة، توجَّهُ هذا الطبيبُ نحوي وصافَحني وقال، "شُكراً جزيلاً على صلاتِك. لقد اجتزنا هذه الصُّعُوبَة بمُعجِزة إلهيَّة."

هذا هو الرجُل الذي قالتَ عنهُ زوجتُهُ أنّهُ غيرُ روحي. فعاودتُ الاتصالَ بها، ورتَّبتُ لها موعِداً، وعندما جاءت قُلتُ لها أنَّ ما تظنُّهُ عن زوجِها بأنَّهُ غيرُ روحِي هو غيرُ صحيحٍ بتاتاً. وأخبرتُها بأنَّ زوجها هو طبيبٌ روحيٌّ جداً، وقُلتُ لها ما حدثَ في المُستشفَى. فصارت تبكِي. لقد كانَ زوجُها روحيَّاً ولكنَّهُ لم يكُنْ يُعبِّرُ عن رُوحانِيَّتِهِ كما كانت تُعبِّرُ زوجَتُه، مما جعلها تُقرِّرُ أنَّهُ غيرُ روحِيّ، لأنَّهُ لا يُعبِّرُ كما تُعبِّرُ المرأة. لقد أظهَرَ هذا أيضاً أنَّها لم تعرِف أو تفهَم زوجَها جيِّداً.

إذا أردنا أن نتفهَّمَ الشريكَ الآخر الذي نعيشُ معهُ، علينا بتفهُّمِ الاختلافات بين الجِنسين، لأنَّهما مُختلفانِ تماماً. لقد خطَّطَ لهُما اللهُ ليكُونا مُختَلِفَين، لأنَّ هذه الاختلافات هي التي تجذِبُ الجنسَ الآخر لكَ وتجذِبُكَ للآخر. وأنا أعتقِدُ أنَّ المرأة تُجذَبُ نحوَ الرجُل بسبب رُجُولتِه. والرجُل يُجذَبُ نحوَ المرأة بسبب أُنوثَتِها. هذه الاختلافات ينبَغي أن نحتفِلَ ونفرحَ بها. فمِنَ المأساوِيّ أن يُقالَ للمرأةِ بأنَّهُ عليها أن تعملَ ما يعملُهُ الرجُل لكي تُحافِظَ على قِيمتِها وتُبرهِنَ جدارتَها. فليسَ هذا ما يمنحُ المرأةَ قيمتها، بل عكس ذلكَ تماماً. فدورُ وعملُ المرأةِ كمَرأة، يمنحُها قيمتها التي تستحقُّها في عيني الرجُل. وهذا يصحُّ بالمعنَى المُعاكِس أيضاً. فالرجالُ يجدونَ قيمتَهم الحقيقيَّة التي يستَحِقُّونَها في إتمامِ أدوارِهم ومُهمَّاتِهم كرِجال.

إن كانَ إثنانِ منَّا مُتطابِقَينِ تماماً، واحِدٌ منَّا سيُصبِحُ غيرَ ضَروري. لقد صنعنا اللهُ مُختَلِفين، كما تعلَّمنا من حادِثَةِ الخلقِ في سفرِ التكوين، لأنَّ إختِلافاتِنا تُكمِّلُ وتُوفِّقُ بينَّنا نحنُ الإثنين، لتجَعلَ منا آدم أو إنساناً واحِداً كامِلاً. (لقد دعاهم الله آدم بِصِيغةِ المُفرَد، وليسَ آدَميِّين بِصيغَةِ الجمع. تكوين 5: 1). إنَّ خُطَّة الله كانت ولا تزال، ليسَ إمَّا الرجُل أو المرأة، بل كِلاهُما معاً ليجعَلَ منهُما اللهُ جسداً واحِداً.


أهمِّيَّة الماضِي

تُصاغُ شخصِيَّاتُنا جميعاً من خِلالِ إختِباراتِنا في الحياة. فقبلَ أن تلتَقِيَ أنتَ وزوجتُك بسنين طويلة، كُنتَ أنتَ وزوجتُكَ تُشكَّلانِ بِواسِطَةِ الظروف والتأثيرات العائِليَّة لتُصبِحَا الشخصَين اللذَينِ سيلتَقِيانِ يوماً ما. لهذا إذا أردتُما أن تفهمَا بعضُكُما بعضاً، عليكُما أن تفهَما أهمِّيَّةَ التأثِيرات الماضِيَة التي شكَّلت شخصيَّاتِكما. دعونِي أُقدِّمُ لكُم إيضاحاً شخصيَّاً واحِداً

في أواخِر الستِّينات كانت زَوجَتي جيني مريضةً جداً. وبالحقيقة، الناسُ الذين كانوا يعرِفُونَني أنا وزوجَتي، والذين يأتُونَ لِزيارَتِنا اليوم، بعدَ ثلاثين سنةً، يتوقَّعُونَ أن تكونَ زوجَتِي هي المُقعَدَة في الكُرسِي. فعندما عدتُ إلى المنـزل ذاتَ يومٍ، كانت حرارةُ جيني مُرتفِعة، وكانت مفاصِلُها أيضاً مُتورِّمة. فأصبحتُ أنا غاضِباً ومُكتَئباً. وسرتُ أرفُسُ السرير، ولم أكُن بتاتاً ذلكَ الزوج المُشجِّع لها. ولكنَّ هذا ساعدنا في النهاية، خاصَّةً لنَرجِعَ إلى الماضِي لنَرَى سبب تصرُّفِي وتجاوُبي بهذه الطريقة معَ مرضِها.

لأنَّنِي عندما كُنتُ طِفلاً مَرِضَت أُمِّي مرضاً شديداً. وكُنا نحنُ أولادها أحد عشرَ ولداً، وعندما كانت حُبلَى بالولدِ الحادِي عشر، قضت فترةَ حمَلِها في السرير، وبعدَ أن وُلِدَ الطفلُ الحادي عشر بوقتٍ قصير، أصبحت مريضةً للغاية. وكانَ مرضُها تورُّماً سرطانِيَّاً خبيثاً في القُولون. وبعدَ عمليَّةٍ جِراحيَّةٍ كبيرة وسنتين إضافيَّتَين، أخذها الربُّ إلى حضرتِه. وكطفلٍ صغير، كُنتُ أُراقِبُ والِدِي الذي كانَ لديهِ منـزلٌ ملآنٌ بالأولاد وزوجتهُ مريضة تحتاجُ للعِنايَة، وكان يعمَلُ في وظيفتين. فطوالَ النهارِ كانَ يعمَلُ ساعي بريد، وطِوالَ الليل كانَ سائقَ تاكسي، لكي يستطيعَ أن يُوفِّرَ احتياجات العائلة.

وهكذا طوَّرتُ في عقلي اللاواعي تلكَ الفِكرة التي كانت تتخمَّرُ: "إنَّ النِّساء يمرَضنَ ويمُتنَ ويترُكنَ أزاوجهُنَّ معَ فرقةٍ من الأولاد." فعندما مرِضت زوجَتي كانَ لدينا خمسةُ أولاد، إثنان منهم كانا لا يزالانِ رضيعَين، وثلاثة يُدبدِبُونَ. فعندما رجعتُ إلى المنـزل ذاتَ يومٍ لأجدَ زوجتي مريضةً لدرجَةِ المُنازَعَة، جعلَتني تِلكَ الساعات الطِّوال التي راقبتُ خِلالَها أُمِّي وهي تموت ووالِدي يُصارِعُ، جعلتني أتجاوَبُ معَ مرضِ زوجَتي بالطريقةِ التي وصفتُها لكم. وعندما تدبَّرنا أُمورَنا قليلاً، لم يكُن صعباً أن نعرِفَ لماذا أصبحتُ أنا غاضِباً ومُكتَئباً.

لقد كان من المُهِم جداً بالنسبةِ لِزوجَتي أن تفهمَ ماضِيَّ. فلو لم تُفكِّر بِماضِيَّ، كان يُمكِن أن تطلُبَ الطلاق. ولكنَّها بدلَ ذلكَ، أخذَت وقتَها لتفهمَ من أينَ كانَ يأتي غضبي وإكتِئابي. وفي النِّهايَة عليَّ أن أقولَ لنَفسِي، "قِفْ على رِجلَيكَ يا رجُل. فهذه ليست والدتُكَ، بل زوجتُك، وهي تحتاجُ لمُساعدتِك." لقد مرَّت أوقاتٌ عديدة ساعدني فيها فهمي للتأثيرات الماضِية التي شكَّلت شخصيَّةَ زَوجَتي كما هي الآن. فإذا أردتَ أن تفهمَ شريكَ حياتِكَ الذي تعيشُ معهُ، عليكَ أن تُدرِكَ أهمِّيَّةَ الماضي.


قُدسِيَّةُ الفردِيَّة

قصدُ اللهِ لكُلِّ واحِدٍ منَّا هو أن نكونَ مُختَلفِين فريدين. فهو يخلُقُ كُلَّ واحِدٍ منا، ويكسِرُ القالِب. فكلمة "ذات" موصوفةٌ في القامُوس "فرادة أو فردانيَّة شخصٍ مُعيَّن التي تجعلُهُ مُمَيَّزاً عن كُلِّ شخصٍ آخر." لقد لاحظتُ عبرَ السنين التي قضيتُها كَراعي كنيسة، أنَّ أحد أهم التفسيرات لإنعدام ِالسعادة يكُمنُ في حقيقَةِ عدم كون الأشخاص غير السُّعداء من وماذا وأينَ خطَّطَ اللهُ لهُم أن يكُونوا. يُفتَرَضُ بالزوجِ والزوجَةِ أن يُساعِدَا بعضَهما بعضاً على اكتشافِ الفرادَة المُعطَاة لهما من قِبَلِ الله. (رومية 12: 1، 2).

إن هذا هو عامِلٌ مِفتاحِيٌّ عندما ننظُرُ إلى أهمِّيَّةِ التفاهُمِ في الزواج. عرَّفَ أحدُهم التفاهمَ بكَونِهِ: "الاتفاقات المُتبادَلة على حلِّ الاختلافات." أليسَ هذا التعريفُ للتفاهُمِ جميلاً؟ يقولُ تعريفٌ آخر للتفاهُم أنَّهُ، "تفهُّمٌ مُتبادَل للأفكارِ والنَّوايا التي تقودُ إلى التمييزِ والتعاطُف." فلِكَي تفهمَ شَريكَةَ حياتِكَ، عليكَ أن تفهَمَ الفَرق بينَ الأجناس. عليكَ أن تفهَمَ أهمِّيَّةَ الماضِي.

لكي تفهمَ زَوجَتَكَ، عليك أن تتحلَّى بالرغبةِ بفهمِها. هُناكَ الكثيرونَ من المُتزوِّجين الذي لا يُريدونَ أن يصِرفُوا الوقتَ والطاقَةَ العاطِفيَّة المَطلُوبة لِيفهموا بعضهم بعضاً. ماذا عنك؟ هل ترغبُ بفهمِ شريكَةِ حياتِكَ؟ إن كنُتَ ترغبُ بفهمِ زوجَتِكَ أو زوجَكِ، فإليكَ بعض النصائح.

أوَّلاً، لكَي تفهَمَ شريكَةَ حياتِكَ، عليكَ بتطبيقِ القاعدة الذهبِيَّة. قالَ يسوع، "فكُلُّ ما تُريدُونَ أن يفعَلَ الناسُ بكُم إفعَلوا هكذا أنتُم أيضاً بِهِم، لأنَّ هذا هُوَ النَّامُوسُ والأنبِياء" (متى 7: 12). هذا أهمُّ عددٍ في الكتاب المقدَّس حولَ العلاقات الإنسانيَّة. ولتطبيقِ هذا التعليم، على الزوجات أن يسألنَ أنفُسَهُنَّ، "لو كُنتُ أنا الزوج، ماذا كُنتُ أَودُّ أن تفعلَ زوجَتي؟" وعلى الأزواج أن يسألُوا أنفُسَهُم، "لو كُنتُ أنا الزوجة، ماذا كُنتُ أودُّ أن يفعلَ زوجِي؟" قد يبدو هذا مُناقِضاً لطبيعتِنا البشريَّة التي تُحِبُّ خدمَةَ نفسِها، ولكن إذا طلبنا مُساعدةَ اللهِ، فسوفَ يُعطينا نعمةً لنضعَ شريكَ الحياة في مركزِ إهتِماماتِنا، ولنُطبِّقَ القاعِدة الذهبيَّة التي علَّمنا إيَّاها يسوع، ونُحاوِل أن نفهَمَ بعضُنا بعضاً.

ثانِياً، استَمِع للشريكِ الآخر. فالاستماعُ هو فنٌّ، وهُناكَ الكثيرُ يُمكِنُ تعلُّمُهُ عن الاستماع، مُعظمُنا لم نتعلَّمه. يكونُ من الواضِح أحياناً أنَّ زوجَين لا يستَمِعانِ لِبَعضِهما البعض. فعندما يظنَّانِ أنَّهما يستمعانِ لِبعضِهما البعض، ما يعنيهِ هذا هو، "أنا أُفكِّرُ بما سأقولَهُ عندما تُقفِلِينَ فمَكِ." قالَ يسوع، "من لهُ أُذنانِ للسمعِ فليسمَع." (متى 11: 15). فهل تستمِع لِزوجَتِك وهل تستمِعِينَ لِزوجِكِ عندما تُحاوِلانِ أن تتحدَّثا؟

في لوقا 7: 44، كانَ يسوعُ يزورُ منـزلَ فرِّيسيّ، وإذا بإمرأة تدخُلُ وتبكِي، لأنَّ الفرِّيسِيّ لم يغسِل قدَمَي يسوع. ممَّا يعني أنَّ هذا الفرِّيسي لم يُرحِّب بيسوع بِشكلٍ لائق. وهكذا جعلت المرأةُ دُموعَها تنهمِرُ على قدمي يسوع، ثم مسحتهُما بِشعرِها. وإذا بالفرِّيسِيّ يقولُ في نفسِهِ، لو كانَ يعلمُ أي نوعٍ من النساء هي هذه المرأة، لما قبِلَ أن تغسِلَ قدميهِ بِشعرِها."

ولكن، بينما كانَ الفرِّيسيُّ يُفكِّرُ بهذه الأفكار، سألهُ يسوعُ سُؤالاً مُهِمَّاً. فقال، "يا سِمعان، هل ترى هذه المرأة؟" هُناكَ الكثيرُ من  الكلمات اليونانية التي تُشيرُ إلى فعل "رأى" وهُنا كان المقصود، "هل فِعلاً ترى هذه المرأة؟ وماذا ترى عندما تنظُرُ إلى هذه المرأة؟ أعتقدُ أنَّ هذا سؤالٌ عظيمٌ يُطرَحُ على الأزواج. هل ترى هذه المرأة التي تزوَّجتَ منها؟ وهل تستَمِع فِعلاً إلى زوجَتِكَ عندما تُحاوِلُ أن تتحادَثَ معَك؟

إنَّ فرنسيس الأسيزِي هو أحد الشخصيَّات البُطُوليَّة لديَّ. عندما ذهبَ فرنسيس إلى كُلِّيَّةِ اللاهوت، كانَ هذا حدثاً عظيماً لأنَّهُ كانَ شخصيَّةً فذَّة ومن عائِلةٍ عريقَة. وبعدَ أن أكملَ تدريبَهُ في كُلِّيَّةِ اللاهوت، الذي كانَ في تلكَ الأيَّام التسوُّل بكيسٍ من الخَيش لمُدَّةِ سنتين لكي تُبرهِنَ أنَّكَ فِعلاً تخلَّيتَ عنِ العالم والجسد والشيطان؛ فعندما حانَ وقتُ الرسامةَ، كانت العادة أن يقومَ المُرشَّحُ للرسامةِ بالوَعظ. وعندما حانَ الوقتُ ليَعظَ فرنسيس الأسيزي، كانت الكاتدرائيَّةُ تعجُّ بالحُضور، لأنَّهُ كانَ شخصاً مشهوراً قبلَ أن ينضمَّ إلى تلكَ الرهبَنَة. وعندما وقفَ لِيَعِظ ما ظنَّهُ الناسُ سيكونُ أعظمَ عِظةٍ تُلقَى على الإطلاق، قال، "اللهُ لم يدعُنِي للوعظِ بل للعَمَل. فدعونا نُصلِّي." ثُمَّ صلَّى هذه الصلاة.

"يا ربّ، اجعلني أداةً لِسلامِكَ. وحيثُ يسودُ البُغضُ، دعني أُظهِرُ الحُب؛ وحيث الأذَى، دعني أُظهِرُ المُسامَحَة؛ وحيثُ الشك، الإيمان؛ وحيثُ اليأس، الرجاء؛ وحيث الظُلمَة، النور؛ وحيثُ الحُزن، الفرح. أيُّها المُعلِّمُ الإلهي، أعطِنِي أن لا أطلُبَ أن أتعزَّى بقدرِ ما أطلُبُ أن أُعزِّي، ولا أن أُفهمَ بقدرِ ما أتفهَّم، ولا أن أُحَبَّ بقدرِ ما أُحِبّ، لأنَّنا بالعطاءِ نأخُذُ، وبالمُسامحةِ يُغفَرُ لنا، وبالموتِ نُولَدُ للحياةِ الأبديَّة."

إنَّ هذه لصلاةٌ مُدهِشَة ومَوقِفٌ رائِع نحتاجُ أن نُطبِّقَهُ كأزواج نُحاوِلُ فهمَ شُركائنا في الزواج. "ساعِدنِي أن لا أطلُبُ أن أُفهَمَ بقدر ما أتفهَّمُ." إن مِفتاحَ تفهُّمَ الشريك الآخر الذي تعيشُ معُه هو أن تجعلَ منهُ مركَز اهتماماتِك. فَلِكَي تفهَمَ زوجَتَك، عليكَ أن "تقرأَ بينَ السطُور،" وأن "تسمَعَ ما بينَ الكَلمات،" لتَعرِفَ ما هي حاجاتُ زوجَتك.

تماماً كما كانَ تعليمُ يسوع، فإنَّ صلاةَ الأسيزي تُشيرُ إلى مفهومٍ بسيطٍ نِسبيَّاً. ولكنَّ هذا المفهوم البسيط قد يُحدِثُ ثورةً عندما تُطبِّقُ هذه الحقيقة على زواجِك. هذه الحقيقَةُ هي، ضع الشريكَ الآخر في المركز، ولا تقلق عمَّا إذا تفهَّمَكَ الشريكُ الآخرُ أم لا. فالقضيَّةُ التي ينبَغي أن تهُمَّكَ ليسَت إذا كانت زوجَتُكَ تفهَمُكَ، بل إن كُنتَ أنتَ تفهمُها. وليست القضيَّة كم من الحُبِّ تحصلُ عليهِ منها، بل هل تمنَحُها أنتَ الحُب؟


العُمقُ في الإتِّصال

لكي تفهمَ زوجَتَكَ، عليكَ أن تتَّصِلَ معها بِعُمق. فهُناكَ مُستويات مُختَلِفَة من الاتصال في الزواج. أوَّلاً، هُناكَ مُستوى عدم الاتِّصال، أي المُستَوى السطحِيّ الذي لا يتكلُّمُ فيهِ الزوجَان عن أيِّ أمرٍ لهُ أهمَّيَّتُه. ثُمَّ يأتي المُستَوى التالي من الإتِّصال، حيثُ تتَشارَكُ أنتَ وزوجتُكَ بما تعرِفانِه. ثُمَّ نَصِلُ إلى المُستَوى الأعمَق، عندما تبدأُ بمُشاركة ما تُفكِّرُ بهِ، وما تشعُرُ بهِ. وأعمَقُ مُستَوى للاتِّصال هو عندما تتكلَّمُ عن من أنتَ وما أنتَ، وأينَ أنتَ في حياتِكَ، بالمُقارنةِ معَ من وماذا وأينَ تظُنُّ أنُّكَ ينبَغي أن تكون.

أن تتَّصِل على مُستَوىً عميق، فهذا لا يعنِي مُجرَّد قولِكَ لشريكةِ حياتِكَ، "من فضلكِ أعطِني المملحة،" مثلاً، أو "يبدو أنَّها ستُمطِرُ اليوم." عندما تتَّصِلُ على مُستَوىً عميق، تضعُ قلبَكَ في يدِ الشريكِ الآخر ليُصبِحَ بإمكانِهِ أن يفعلَ بهِ ما يشاء. أن يعصِرَهُ، أو يُلقِيهِ أرضاً ويدوسَ عليه، ولربَّما قد يفعَلُ الأسوأ بأن يتجاهلَهُ.

أعتقدُ أن أسوأَ ما سمِعتُهُ عما يُمكِنُ أن يقولَهُ شخصٌ لِشريكِ حياتِه، سمعتُهُ في جلسةِ إرشاد منذُ ثلاثينَ سنةً. كانَ الرجُل ضخماً وخَشِناً. فاستمرَّت زوجتُهُ تسألُهُ طِوالَ حلقة الإرشاد عمَّا يُفكِّرُ عنها، قائِلةً، "ماذا تظنُّ عنِّي؟" وفي النهاية، نظرَ إليها وقال، "أنتِ تتملَّقِينَ نفسَكَ أيَّتُها المرأة. فأنا لا أُفكِّرُ بكِ مُطلَقاً." فكما ترى، إنَّ نقيضَ الحُبِّ هو ليسَ البُغض، بل اللامُبالاة. هذا الزوج كانَ يُعامِلُ زوجَتَهُ بِنَقيضِ الحُبّ أي اللامُبالاة.

فإذا وضعتَ قلبَكَ في يدِ الشريكِ الآخر، قد تتعرَّضُ للأذَى. ولكنَّكَ لن تُحرِزُ أيَّ تفاهُمٍ بينَكَ وبينَ زوجتِكَ بدونِ أن تُعرِّضَ نفسَكَ لهذا الخَطَر. فالإتِّصالُ على مُستَوىً أعمَق يَعنِي أن تتعلَّمَ كيفَ تتعامَلُ معَ الصِّراع. لأنَّكَ عندما تصلُ إلى مُستوى الاتِّصال العميق، لن يقولَ الطرفُ الآخرُ ما تُريدُ سماعُهُ دائماً. فإن كانَ الشريكُ الآخرُ زوجةً صالِحةً ومُهتمَّةً بنُموِّكَ وازدهارِك، فسوفَ تقولُ ما تظنُّكَ تحتاجُ أن تسمَعَهُ، ولكن قد لا ترغبُ أنتَ بِسماعِه. هذا ما تكلَّمَ عنهُ الدكتُور  Paul Tournier في فصلٍ في كِتابَهِ، بعُنوان "الشجاعَةُ للإتِّصال." عندها، سوفَ تنسَحِبُ مثل السُلحُفاةِ إلى داخِلِ حُجرتِكَ العظمِيَّة، إلا إذا تعلَّمتَ كيفَ تتعاملُ معَ النـزاعات الناتِجَة عن الإتِّصالِ العميق.


التعامُلُ معَ الغَضَب

إذا كانَ زوجانِ يتعامَلانِ على مُستَوىً عميق منَ الإتِّصال، عليهما أيضاً أن يتعلَّما كيفَ يتعامَلانِ مع الغضب. فالأشخاصُ الذين نُحبُّهُم بالأكثر، لديهم أكبَر قُدرَة على إثارَةِ غضَبِنا. والغضبُ هو انفعالٌ مُثيرٌ للاهتمام. أتساءَلُ ماذا تُفكِّرُ عن الغضب في حَياةِ مُؤمِنٍ بالمسيح؟ فهل تُؤمِنُ أنَّ اللهَ يسمحُ في كلمتِهِ للمُؤمِن المملوء بالروح أن يغضَب؟ وهل الغضب هو شعورٌ جَيِّدٌ مقبُول لشخصٍ مُؤمِنٍ بالمسيح؟ أصغِ إلى هذه الكلمات التي كتبَها بُولُس عن الغضَب في حياةِ المُؤمِنين:

"إغضَبوا ولا تُخطِئوا. لا تغرُب الشمسُ على غيظِكُم. ولا تُعطُوا إبليسَ مكاناً… ولا تُحزِنوا روحَ الله القُدُّوس الذي بهِ خُتِمتُم لِيومِ الفِداء. لِيُرفَعْ من بينِكُم كُلَّ مرارةٍ وسخط وغضبٍ وصِياح وتجديف معَ كُلِّ خُبث." (أفسُس 4: 26-27، و30-31). ويُعطينا يعقُوب مُلاحظةً وَديعَةً عندما قالَ، "لأن غضبَ الإنسان لا يصنَعُ برَّ الله." (يعقوب 1: 20).


وُجهَة نَظَر شخصيَّة

لقد كُنتُ مُؤمِناً عندما تزوَّجنا أنا وزوجَتي، ولكنِّي كُنتُ حينئذٍ شابَّاً مملوءاً بالغَضبِ والغيظ أيضاً. ولكن كانَ عليَّ أن أتعلَّمَ ما تقولُهُ كلمةُ اللهِ عن الغَضَب. وذاتَ مرَّةٍ سحقتُ جهازَ رادِيو صغير بقبضَتِي، فأحدثتُ فجوةً كبيرةً في جهاز الراديو وكأنَّ قُنبُلةً أصابته. وعندما انتقلنا بعدَ أن حدثَ هذا بسنتين إلى وِلايةٍ فلوريدا، أخذت زوجَتي هذا الراديو معنا. ولقد وضعتهُ فوقَ سريرِنا الذي كان يحتوى على مكتبةٍ صغيرةٍ من جهةِ أريكةِ الرأس، لكي تُذكِّرَني. ولقد حاولتُ أن أشرحَ لها عندما كُنَّا نُحاوِلُ أن نتفهَّمَ بعضُنا بعضاً، أنَّني لم أكُن غاضِباً منها شخصيَّاً. بل كُنتُ غاضِباً من ذلكَ المُوظَّف في المصرِف الذي أجبَرني على الاعتراف بسوءِ إدارَتِي للمال، لأنَّني كُنتُ أتقدَّمُ بِطَلَبٍ لقرضٍ مصرِفي. ولقد غَضِبتُ كثيراً حِيالَ سوءِ إدارَتي للمال، فسحقتُ الراديو بقبضَتِي.

هناكَ أسئلة ينبغي عليكَ طرحها دائماً بخُصُوصِ غَضَبِك. لماذا أنتَ غاضِبٌ؟ وممَّن أنتَ غاضِبٌ؟ وما هو مصدَرُ غضبِك؟ وما هو موضُوعُ غضبِكَ الحقيقي؟ سوفَ تُلاحِظُ أنَّه نادراً ما سيكونُ هو الشخصُ الذي تصبُّ جامَ غضبِكَ عليه. فأنتَ عادةً غاضِبٌ من نفسِك، كما كانت الحالُ معِي. فقد تكونُ مثلاً غاضِباً من رئيسِكَ في العمل، ولا تستطيعُ أن تضرِبهُ بقبضَتِك على وجهِه، فَتضربُ قبضَتَكَ على شيءٍ آخر عندما تصلُ إلى المنـزل. فحتَّى ولو بدا وكأنَّكَ غاضِبٌ من زوجَتِك، ولكنَّكَ لن تكونَ غاضِباً منها. وقد لا تكونُ غاضِباً ولا حتَّى من رئيسِكَ في العمل. بل ستكونُ غاضِباً من نفسِكَ. من المُهمِّ جداً لكَ ولِشريكَةِ حياتِكَ أن تفهَمَ مصدَرَ غضَبِك.

أعتقِدُ أنَّهُ من الواضِح تماماً في المقطع الذي إقتَبسناهُ أعلاه عن الغَضَب أنَّ اللهَ لا يسمحُ للمؤمِن بالمسيح والمملوء بالروحِ أن يغضَب. بعضُ ترجماتِ الكِتابِ المقدَّس تقول، "إغضَبُوا ولا تُخطِئوا" (أفسُس 4: 26). كثيرونَ يتَّخِذُونَ من الكَلِمَةِ الأولى ذريعةً وشعاراً لِحياتِهم. "إغضبوا." ولكن ترجماتٌ أفضَل للكتابِ المُقدَّس تقول، "عندما تغضَبُوا، لا تُخطِئوا." فاللهُ واقِعِيٌّ بما فيهِ الكِفاية لكي يعرِفَ أنّنا سنغضَبُ. ولكن لا تدع الغضب يقودُكَ للخطيَّة، ولا تدَعْ الشمس تغرُب على غيظِكَ. والمُهِمُّ هو ما يقولُهُ النص، "ليُرفَع من بينِكُم كُلَّ مرارةٍ وسخطٍ وغضب…" (أفسُس 4: 26- 27).

عندما أدرَكتُ أنَّ اللهَ يُخبِرُني في كَلمتِهِ أنَّهَ ينبَغي عليَّ أن لا أغضَبَ، بل أن أطرَحَ الغضبَ جانِباً، تساءَلتُ، "ولكن كيفَ ذلكَ؟" فقادَني سُؤالي إلى إصحاحٍ في سفرِ التكوين، الذي ليسَ فقط منحَني أجوبَةً على سُؤالي، بل وحرَّرَني من الغَضَبِ أيضاً. وأنا أنصَحُكَ بهذا الإصحاح عندما تتعامَلُ معَ الغضَب.  إنَّهُ من أعظم قصص الكتاب المقدَّس:

"وحدثَ من بعدِ أيَّامٍ أنَّ قايين قدَّمَ من أثمارِ الأرضِ قُرباناً للربِّ. وقدَّمَ هابيلُ أيضاً من أبكارِ غنمِهِ ومِن سِمانِها. فنظرَ الربُّ إلى هابيل وقُربانِهِ. ولكن إلى قايين وقُربانِهِ لم ينظُرْ. فاغتاظَ قايينُ جِدَّاً وسقطَ وجهُهُ. (وهذا يعنِي أنَّهُ أُصِيبَ بالاكتئاب." فقالَ الربُّ لِقايين لِماذا اغتظتَ ولماذا سقطَ وجهُكَ. إن أحسنتَ أفلا رفعٌ. وإن لم تُحسِن فعندَ البابِ خطيَّةٌ رابِضةٌ وإليكَ اشتياقُها وانتَ تسودُ عليها. وكلَّمَ قايينُ هابيلَ أخاه. وحدثَ إذا كانا في الحقلِ أنَّ قايين قامَ على هابيل أخيهِ وقتله. فقالَ الربُّ لِقايين أينَ هابيل أخوك. فقالَ لا أعلم. أحارِسٌ أنا لأخي. فقالَ [اللهُ] ماذا فعلتَ؟" (تكوين 4: 3-10).

في هذه الدراما الصغيرة، يُوجدُ تعليمٌ عظيمٌ عن الغضب. لديكَ رجُلان، السيد مقبُول والسيِّد مرفوض. كِلاهُما قدَّما تقدماتٍ لله. لقد كانت الفِكرةُ فكرةَ قايين. والآن، اللهُ سُرَّ بهابيل وتقدِمتِهِ، أما بقايين وتقدِمَتِهِ فلم يُسَرّ. بصراحة أنا لا أعتقِدُ أنَّنا نعلَمُ ما هو الشيء الذي لم يقبلهُ اللهُ في تقدِمةِ قايين. لقد كانَ مُزارِعاً، ولا بُدَّ أنَّهُ قدَّمَ من ثِمارِ الأرض. والقصَّةُ لا تقولُ أنَّهُ لم يأتِ بأفضَلِ نِتاجِه.

أمَّا هابيلُ فكانَ راعِي غنم، فقدَّمَ ذبيحةً حيوانِيَّة. كثيرونَ قالوا أنَّ القضِيَّة كانت أن أحدِ التقدِمتين كانت ذبيحةً دمويَّة أما الأُخرى فلا. ولكن لم يكُن هُناكَ حتَّى هذه المرحلة أيُّ تعليمٍ بعد في الكتابِ المقدَّس عن الذبائح الدمويَّة. أعتقدُ أنَّ التشديد هو على الرجُلَين، أكثر ممَّا هو على الذبيحَتَين. فواحِدٌ منهُما مقبُولٌ، لهذا قبِلَ اللهُ تقدِمَتَهُ. والآخر غيرُ مقبُول، فلم يقبَل اللهُ تقدِمَتَه.

وتستمِرُّ الدراما. فالسيِّد مقبُول إجتازَ مُقابِلَ السيِّد غير مقبُول، وإذا بالسيِّد غير مقبُول يقتُله. لقد ضربَهُ حتَّى الموت. ثم جاءَ اللهُ إلى قايين وسألَهُ، "لماذا اغتظتَ؟ ولماذا سقطَ وجهُكَ؟ إذا أحسنتَ التصرُّفَ، ألن تُصبِحَ مقبُولاً؟ ولكن إن لم تُحِسن التصرُّف، فإنَّ سوءَ تصرُّفِكَ سوفَ يُدمِّرُك ويقضِي عليك."

لقد كانَ هذا درساً عظيماً عنِ الغضَب. ففي قصَّةِ تحطيمِ جِهازِ الراديو، لم أكُن غاضِباً من زوجَتي. بل كُنتُ غاضِباً من نفسِي لأنِّي كُنتُ غيرَ مقبُول بسببِ سوءِ إدارَتي للمال. كانَ ينبَغي أن يسألني اللهُ، "لماذا أنتَ غاضِبٌ؟ ولماذا سحقتَ جِهازَ الرادِيو؟" ثمَّ الدرس الرئيسيّ بالنسبةِ لي كان، "صحِّحْ أُمُورَكَ معَ الله. تعلَّمْ أن تُديرَ أموالَكَ وهكذا لن تكونَ غيرَ مقبُولٍ عندَ نفسِكَ ولا عندَ الله ولا عندَ الآخرين. ولكن إن لم تعمَلْ على تقويمِ مسارِكَ، فسوف تستَمِرُّ في حياتِكَ بسحقِ أجهزة راديو في موجاتِ غضبِك، أو في ضربِ هابيل، وهذا سوفَ يُدمِّرُكَ."

سوفَ نجدُ مقطَعاً آخر في الكتابِ المقدَّس يتكلَّمُ عنِ الغضب، هو في أفسُس، حيثُ يقولُ الرسولُ بُولُس، "الذي يُحِبُّ زوجَتَهُ يُحِبُّ نفسَه." (أفسُس 5: 28). فلو أنَّني أحبَبتُ نفسِي في تلكَ المرحلة العابِرة التي حطَّمتُ فيها جهازَ الراديو، لكانَت لديَّ القُدرَة أن أُحِبَّ زوجَتي. ولكن كونِي لم أُحِب نفسي، أصبحتُ ناقِداً لِنَفسِي، وهكذا أصبحتُ أُعبِّرُ عن السخطِ والغضب تِجاهَها.

ولكنَّني فكَّرتُ وأنا أُحاوِلُ السيطَرة على مُشكِلةِ غضبِي، أنَّنِي أُحِبُّ زوجَتي وأولادِي. ولكنَّني لم أُعبِّر دائماً عن حُبِّي لزوجَتي ولأولادي، خاصَّةً عندما لم أكُن أُحِبُّ نفسِي. فعندما كُنتُ أُصبِحُ إنتقادِيَّاً ضدَّ نفسِي، لأيِّ سببٍ كان، إختفَت قُدرَتي على التعبيرِ عن حُبِّي لهم. فما كُنتُ أحتاجُ أن أفعلَهُ هو أن أسترجِعَ إحترامِي لِنفسي وأن أرى نفسِي كما يَراني اللهُ.

في إنجيلِ متى ، سألَ مُحامٍ يسوعَ سُؤالاً، "يا مُعلِّم، أيَّةُ وصِيَّةٍ هي العُظمَى في النامُوس؟" (متَّى 22: 36). فقالَ يسوع، "تُحِبُّ الربَّ إلهكَ من كُلِّ قلبِكَ ومن كُلِّ نفسِكَ ومن كُلِّ فكرِكَ. هذهِ هي الوصيَّةُ الأولى والعُظمَى. والثانية مثلُها. تُحِبُّ قريبَكَ كنَفسِك. بهاتَينِ الوصيَّتين يتعلَّقُ النامُوسُ كُلُّهُ والأنبياء." (متى 22: 37-40).

في هذا المقطَع، ما كانَ يسوعُ يقولُهُ هو أنَّهُ علينا أن ننظُرَ بثلاثةَ اتِّجاهات مُختَلِفَة إذا أردنَا أن نكونَ سُعَداء ومُستَقرِّي الشخصية. علينا أن ننظُرَ إلى فوق وأن نُصحَّحَ علاقَتنا معَ الله؛ وعلينا أن ننظُرَ إلى داخِلِنا وأن نُصحِّحَ علاقتِنا معَ أنفُسِنا، وعلينا أن ننظُرَ إلى ما حولنا وأن نُصحِّحَ علاقتنا معَ الآخرين. يُلخِّصُ يسوعُ هذه الوُجهات النظر الثلاث بِتَعليمِنا التالي: أنظُر إلى فَوق وأَحِبَّ الله تماماً. أنظُرْ إلى داخِلكَ وأحبَّ نفسَك بِشكلٍ سَليم. وأنظُرَ إلى حولِكَ وأحِبَّ قريبَكَ والآخرينَ بدونِ شُروط.

فمحبَّةُ النفس لا تعنِي أنَّكَ كُلَّما مرَرتَ أمامَ مِرآة، تقِفُ لِبُرهَة وتقومُ بفترةٍ تأمُّلٍ وعِبادَةٍ لِذاتِك. يظنُّ الكثيرونَ من الناس أن هذا هو المقصُود بمحبَّةِ النفس. لديَّ صديقٌ كانَ مُدمِناً على المشروباتِ الروحيَّة لعدَّةِ سنوات ولكنَّهُ إنتَصَرَ على إدمانِهِ، وهوَ يُلخِّصُ هذا كالتالي. "على الإنسان أن يُحِبَّ اللهَ بالتمام، وأن يُحِبَّ نفسَهُ بطريقةٍ سليمة، وأن يُحِبَّ الآخرين بِدونِ شُروط." عندما استطاعَ صديقي أن ينجَحَ على هذه الصُّعُد الثلاثة، عندها تغلَّبَ على الإدمانِ على الكُحُول وامتنعَ عنها منذُ عشرةِ سنوات، وأصبَحَ رئيسَ لجنة الشُّيوخ في كَنيستِنا.

عندما يقول بُولُس، "الذي يُحِبُّ زوجَتَهُ يُحِبُّ نفسَهُ،" يفتحُ لنا الباب على سِرٍّ داخِليّ. فإن كنتَ لا تُحِبُّ عندما تنظُرُ إلى الداخِل، فأنتَ إذاً تكرَهُ نفسَك، وإن كانَت لديكَ مُشكِلة احتقار الذات لدرجةِ الغضب على نفسِكَ، إلى درجةِ التدمير الذاتي، فهذا يعني أنَّكَ لن تنجحَ في تدبُّرِ أُمورِك معَ الآخرين، خاصَّةً معَ زوجَتِك.

إذا كُنتَ ستُشارِكُ حياتَكَ معَ شَريكٍ آخَر، عليكَ أن تفهَمَهُ. ومن المُستَحِيل فصل تفهُّمِنا لِبَعضِنا البعض عن تواصُلِنا معَ بعضِنا البعض ومعَ الله.


كيفَ يُمِكنُنا أن نفهَمَ بعضُنا بعضاً؟

لانَّ الحقيقةَ هي أنَّني إن كُنتُ لا أفهَمُ ذاتِي، فكيفَ سأفهَمُ زوجَتي. قالَ إرميا، "القلبُ أخدَعُ من كُلِّ شيءٍ، وهو نجسٌ من يعرِفه؟" (إرميا 17: 9). ثُمَّ يُجيبُ اللهُ على سُؤالِهِ في العددِ التالي، "أنا الربُّ فاحِصُ القَلبِ مُختَبِرُ الكُلَى..." (عدد 10). بما أنَّ هذا صحيح، علينا أن ننظُرَ إلى فوق مثل داوُد ونقول، "اختَبِرني يا الله واعرِفْ قلبي. امتَحِنِّي واعرِفْ أفكارِي." (مزمور 139: 23). إنَّ هذا النوع من الإنفِتاح لله هو الطريقَة الوحيدة التي نستطيعُ بها فهمَ نُفوسِنا، لكَي نبدأ نُحاوِل أن نفهمَ بعضَنا بعضاً في العلاقَةِ الزوجِيَّة. فإن كانَ واحِدٌ من الزوجَين لا يتمتَّعُ بعلاقةِ اتِّصالٍ معَ الله، فسوفَ يتعطَّلُ الاتِّصالُ والتفاهُمُ بينَ الزوجَين على حَدٍّ سواء.

يقولُ يعقوب، "وإنَّما إن كانَ أحدٌ تُعوِزُهُ حِكمَةٌ فَليطلُب منَ الله الذي يُعطِي الجميعَ بِسَخاء ولا يُعَيِّر فسيُعطَى لهُ." (يعقُوب 1: 5) بكَلِماتٍ أُخرى، قد لا تستطيعُ أن تفهَمَ زوجَتَكَ، ولكنَّ اللهَ يستَطيع. وعندما تُدرِكُ أنَّكَ تحتاجُ للمُساعدة لكي تفهمَ الأمور التي لا تعرِفها، أُطلُبْ من الله أن يمنَحَكَ الحِكمَةَ التي تحتاجُها.