تفاسير

الأصحاح 16

القسم: تفسير سفر العدد.

يعود الوحي الآن إلى سرد تاريخ الشعب المحزن في البرية حيث يصل تاريخهم إلى قمة الشر الأمر النابع من عدم الإيمان، ونقرأ في رسالة يهوذا عن أن هذا الشر مظاهره في ثلاثة عوامل:

(1) سلكوا طريق قايين، (2) انصبوا إلى ضلالة بلعام، (3) اهلكوا في مشاجرة قورح- إنها صورة الأيام الأخيرة. في أيام كتابة رسالة يهوذا كان الشر في المسيحية قد بدأ، وتطور الآن إلى قمته في أيامنا الأخيرة هذه حيث أصبحت فيها المسيحية في مضادة مع المسيح وسوف يستمر انحدار المسيحية إلى ما بعد اختطاف الكنيسة حتى يظهر بتمامه في الارتداد العام في المسيحية الاسمية وإنسان الخطية، الأمر الذي سوف يدينه الرب عند ظهوره، وسوف يظل المؤمنون محفوظين ليسوع المسيح رغم تعاظم الشر، لقد وصل الشر إلى قمته أيام موسى حيث ثار شخص قهاتي له مكان مميز في إسرائيل، واشترك معه في هذا العصيان بني رأوبين واستطاعت هذه الجماعة أن تجذب وراءهما 250 رجلاً من رؤساء الجماعة- "ذوي اسم"، وهذا يذكرنا بما قاله بولس لشيوخ كنيسة أفسس "ومنكم أنتم سيقوم رجال يتكلمون بأمور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم" ( أع 20: 30).

اجتمعت هذه الجماعة على "موسى وهرون" وكان هناك استعداد لدى هؤلاء الناس للثورة ضد موسى وهرون، ووجد قورح وجماعته الأمر مهيأً ليس لدى هؤلاء الرؤساء بل فقط لدى كل جماعة بني إسرائيل. بدأ هذا العصيان من قورح الذي كان له امتياز حمل أمتعة القدس على كتفه ومعنى كلمة قورح "السماء أمطرت برداً" ويرينا اسمه عدم الإيمان الذي كان في قلبه. والعصيان يبدأ دائماً بكلمات عظيمة بينما القلب لا يعرف نعمة الله. هكذا بدأ العصيان في إسرائيل وهو صورة للعصيان والتمرد على السلطان الذي أعطاه الآب للرب يسوع المسيح، جعله الله رباً ومسيحاً من امتيازنا أن نكون في حالة الخضوع له، ولنا الشعور العميق بحاجتنا إلى قيادته، ولذلك ينبغي أن نكون في حالة السهر ضد أي تأثير يبعدنا عنه لأنه هو مصدر قوتنا في الأيام الأخيرة المظلمة التي يجتاز فيها، هو ينبوع قوتنا في اتباع البر والإيمان والمحبة والسلام، فنقوى بالنعمة التي لنا فيه وهذه هي معونتنا التي لنا فيه كرئيس الكهنة العظيم، والذين مثل قورح في أيامنا الحاضرة هم ليسوا فقط في حالة التمرد والعصيان عليه بل أيضاً يفتقرون إلى معونته.

كان من العجيب أن توجه تهمة حب الزعامة من جماعة الرب إلى موسى وهو المكتوب عنه أنه أحلم إنسان على وجه الأرض. وحين كلف الرب موسى بهذه الخدمة أراد أن يتخلى عنها لعدم رغبته في الرئاسة، والذين اتهموا موسى برغبته في الرئاسة كانوا يجهلون ما حدث بين يشوع وموسى حين قال موسى ليشوع- "هل تغار أنت لي يا ليت كل الشعب كانوا أنبياء" وحين يكلف الرب شخصاً بخدمة فلا بد أن يؤهله لها، وفي الحقيقة كانت مشاجرة قورح ليست مع موسى وهرون ولكن مع الله، وقورح وجماعته لهم مثيل في وقتنا الحاضر، أولئك في حالة العصيان، والعصيان في الدائرة الروحية التي يشرق فيها النور الإلهي يلبس نفسه صورة التقوى والإشفاق لأن قورح وجماعته اعتبروا أنفسهم واقفين ولهم الصفة المقدسة ولكل الجماعة وقالوا لموسى وهرون "كَفَاكُمَا إِنَّ كُلَّ الْجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ الرَّبِّ" (ع 3)، فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ (ع 4)، ونجد موسى في هذا الوضع ثلاث مرات، ومع أعظم الفرق بين قورح وجسارته وموسى وهو ساقط على وجهه، ومعنى سقوطه على وجهه أنه ترك كل شيء في يد الله لأنه يقول "يعلن الرب"، "الذي يختاره الرب" (ع 5، 7) أي أن الموضوع كله يتوقف على الرب واختياره وإعلانه، وموسى بذلك أتى بالعصاة جميعاً في مواجهة الله نفسه، دعاهم للخضوع أمامه لكي يتم فحص موضوع من كل وجوهه ويأخذوا الحكم من المحكمة العليا. لم يكن من اليسير لموسى وهرون أن يحكما فيه لأنهما كانا طرفاً في المشاجرة وهذه هي المحكمة والتواضع في معناهما الصحيح. وكان لدى موسى الاعتقاد الراسخ أن الرب لا بد أن يحسم هذا الأمر، ولذلك لم يكن في عجلة، كان يستطيع أن ينتظر إلى الغد، وبالمثل فإن أناة الرب في أيامنا الحاضرة تعطى الناس فرصة الإقبال إليه والاعتراف له بالخطأ (2 تي 2: 25، 29).

كان لموسى فكر الله واستطاع أن يميز حقيقة ما يعمله، وكان يعرف أنه تحت مظهر الغيرة والقداسة الخاصة بالجماعة، أرادوا أن يرتفعوا فوق جماعة الرب، اتهموا موسى وهرون بهذا، ومع ذلك كان هذا هو هدفهم، وكشف موسى كنبي الله أسرار قلوب هؤلاء الناس (ع 8- 11).

كانت خطية قورح وجماعته انهم أرادوا الكهنوت، لم يريدوا الخدمة لأن قورح كان خادماً، كانت أقوالهم تبدو جميلة ولكن في حقيقتها كان يقصد منها إزالة صفة الكهنوت عن هرون وأخذها لأنفسهم، وهذه هي رغبة الجسد- محاولة أخذ صفة الكرامة عن الآخرين المعينة لهم من الله. كان فكر الله أن يكون هرون هو الكاهن، هو في هذا رمز للمسيح والذين يدعون الآن أنهم كهنة لتمثيل الشعب أمام الله يختلسون مركز المسيح، وذلك لأن الكهنوت الآن في العهد الجديد هو لجميع المؤمنين الحقيقيين بالمسيح "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 5)، كما أننا جعلنا "بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1 بط 2: 5)، ولكن هذا الكهنوت الذي أصبح لكل مؤمني العهد الجديد لم يكن هو الكهنوت الذي اشتهاه قورح لأنه لا يعطي مكاناً مميزاً لصاحبه ولا يعظمه على إخوته، لأن كل مؤمن الآن يسكن فيه الروح القدس يستطيع أن يخدم ككاهن. يريد القورحيون الآن كهنوتاً يميزهم عن بقية إخوتهم ويسبغ عليهم نوعاً خاصاً من القداسة في أعين إخوتهم وهذا مكروه عند الله لأنه يضع جانباً الوضع المميز للمسيح.

أراد قورح وجماعته أن يضعوا جانباً كهنوت موسى وهرون، وكانت خطيتهم خطية عظيمة تستحق الدينونة أمام الله لأنه يقاوم المستكبرين أما المتواضعون فيعطيهم نعمة. وتركز الرسالة إلى العبرانيين على الوظيفة الكهنوتية التي للمسيح كالكاهن العظيم، وكأن الروح القدس كان يتطلع إلى الأمام حيث يرى قورحيين كثيرين. "فَأَرْسَلَ مُوسَى لِيَدْعُوَ دَاثَانَ وَأَبِيرَامَ ابْنَيْ أَلِيآبَ. فَقَالاَ لاَ نَصْعَدُ. أَقَلِيلٌ أَنَّكَ أَصْعَدْتَنَا مِنْ أَرْضٍ تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلاً لِتُمِيتَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ حَتَّى تَتَرَأَسَ عَلَيْنَا تَرَّؤُسًا" (ع 12، 13).

قال يهوذا في رسالته عن البعض أنهم "يتهاونون بالسيادة ويفتون على ذوي الأمجاد" وهذه الروح هي التي سوف تكون موجودة في الأثيم (2 تس 2: 4، 8) وتعني رفض السلطان الإلهي الذي فوض موسى وهرون في تمثيله، ومكتوب في مر 13: 34 "كأنما إنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده السلطان ولكل واحد عمله"، وكلمة عبيده ترينا الخضوع، والسلطان يعطي للخاضعين له، وويل لأولئك الذين لا يعترفون بهذا السلطان ويحتقرونه، ويقترن هذا السلطان بالوداعة واللطف، وهذا مما يزيد شر هؤلاء الذين يحتقرونه، وهكذا نرى نوعين من المضادة يسيران في اتفاق- الإمساك بالقوة الدينية كما ترى في قورح، واحتقار السلطان الإلهي كما يرى في داثان وأبيرام، الأول طقسي يستحضر كل شيء تحت دعوى الكهنوت، والثاني عقلي يعظم الفكر الإنساني ولا يخضع لسلطان الرب المعطي لعبيده، ويشكل الاثنان معاً عصياناً ضد المسيح، يلجأ الأول إلى الناحية الدينية في الإنسان والآخر إلى العقل، ويهلك الاثنان معاً.

طلب موسى من قورح والمائتين والخمسين رجلاً أن يستحضروا مجامر ويجعلوا فيها بخوراً أمام الرب، وهذا يرينا أن كل الادعاءات الدينية يجب فحصها أمام الرب. وكان لموسى وهرون أيضاً كل واحد مجمرته. ووضع البخور على المجامر، "وَجَمَعَ عَلَيْهِمَا قُورَحُ كُلَّ الْجَمَاعَةِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ" (ع 19). استمر العصاة في جسارتهم حتى النهاية، وتراءى مجد الرب وقتئذ لكل الجماعة. وحين يكتمل الشر لا بد أن يظهر مجد الرب ليدين الشر. كانت الجماعة في ذلك الوقت متأثرة بقورح وفي اتحاد معه في مقاومة لموسى وهرون، ولذلك عند ظهور مجد الرب كان الكل معرضين للدينونة.

"وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلا افْتَرِزَا مِنْ بَيْنِ هذِهِ الْجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ فِي لَحْظَةٍ" (ع 20، 21)- استحقت كل الجماعة الفناء في لحظة، ولكن أظهر موسى وهرون شيئاً مختلفاً بعيداً عن الدينونة، كانت نعمة الله الكهنوتية ظاهرة فيهما وهي التي حفظت الجماعة كلها من الفناء، وهذا ما نراه في العدد التالي "فَخَرَّا (موسى وهرون) عَلَى وَجْهَيْهِمَا وَقَالاَ اللّهُمَّ إِلهَ أَرْوَاحِ جَمِيعِ الْبَشَرِ هَلْ يُخْطِئُ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَتَسْخَطَ عَلَى كُلِّ الْجَمَاعَةِ" (ع 22).

نرى في وجود موسى وهرون على وجهيهما في وساطة من أجل الشعب أنهما قد شربا من الروح الحقيقية للكهنوت كما هي مقامة من الله لأجل أناس مخطئين. كانت وظيفة هرون تقديم ذبائح من أجل الخطية، وكان مكتوباً على الصفيحة الذهبية التي كانت على جبهة هرون "قدس للرب" كان هرون بوجود هذه الصفيحة على جبهته يحمل إثم الأقداس، أي الأشياء التي يقدسها بنو إسرائيل للرب، وكانت لا تخلو من الإثم، كان يحملها على جبهته لكي تقبل لدى الرب (خر 28: 38)، كان في فكر الله أن يتعامل مع شعبه ليس كما يستحقون بمقتضيات عدله، بل بمقتضى النعمة، كان الله يحسب الخطية فيهم، ويقابلها بالنعمة.

كان الله في اقتراح فناء الشعب يضع موسى وهرون أمام اختبار- هل هما في روح النعمة التي ينبغي أن يكون الكهنوت شاهداً لها؟ وكان جوابهما جميلاً، وكان الرب يعرف أنهما سيجيبان هذا الجواب، وتمجد بجوابهما هذا أكثر من قتل الشعب في لحظة، وضعهما في جوابهما هذا في المكان الذي كان لهما. ولكن النعمة لم تكن متعاملة مع موسى وهرون فقط ولكن أيضاً مع المخطئين لأن حكومة الله البارة تقضي بضرورة إدانة هؤلاء المخطئين الذين يقفون موقف العداوة لله.

كان موسى وهرون قريبين من الله، ولذلك عرفا أن وقت دينونة قورح وعصيانه قد حان، ولذلك طلبا من كل الشعب أن يعتزلوا عنهم. كانت خطية قورح للموت ولذلك لم يصل موسى لأجله، كما لم يصل بولس من أجل اسكندر النحاس، وكان الرب عتيداً أن يجازيه حسب أعماله (2 تي 4: 14). طلب موسى من الشعب أن يعتزا عنهم رغم أن حالة الشعب كانت منحدرة، ولكن كانت طرق الرب لا تزال طرق الرحمة، وعلى نفس هذا الأساس يوجد اليوم حفظ للمسيحية الاسمية رغم شرها، ولذلك ينبغي أن نتجنب اثمها، وننفصل تماماً عن أواني الهوان (2 تي 2: 19).

كان على كل الجماعة في ص 15 في هذا السفر أن ترجم كاسر السبت، ولكن في ص 16 كان على هؤلاء الذين يريدون تجنب الدينونة أو يفترزوا بعيداً عن الأشرار، وهذا يرينا الفرق بين 1 كورنثوس 5، 2 تيموثاوس 2، في الأولى نجد عزل الخبيث من بين الجماعة، تنقية الشر الذي كان فيها، وعندئذ تصبح الجماعة فطيراً خالياً من الخمير، لكن في الثانية كان على هؤلاء الذين يدعون باسم الرب أن ينفصلوا هم عن أواني الهوان لكي يتجنبوا دينونة المسيحية الاسمية (انظر رؤ 18: 4)، لأن الوقت الآن أصبح متأخراً لتصحيح أخطائها، والاثم الذي كان في قورح وعصابته نبوة عما هو حادث اليوم إذ أقامت المسيحية الاسمية لنفسها كهنوتاً، ولهذا الكهنوت تأثير كبير على عامة الشعب، وبذلك وضع تأثير موسى الحقيقي أي المسيح في أدنى مستوى حيث لا نرى خضوعاً له الأمر الذي نراه في داثان وأبيرام إذ رفضا أن يصعدا طاعة لأمر موسى، ورفض الناس الآن طاعة المسيح يتمثل في رفضهم طاعة كلمته تحت تأثير الكهنوت القورحي.

نتيجة لهذه الحالة الخطيرة عمل الرب شيئاً جديداً "ابْتَدَعَ الرَّبُّ بِدْعَةً وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ فَهَبَطُوا أَحْيَاءً إِلَى الْهَاوِيَةِ" (ع 30) وكلمة "ابتدع" جاءت في الأصل "خلق خليقة" كان الأمر شيئاً جديداً كلياً لك يسبق له مثيل، وهبط قورح وداثان وأبيرام. وكل ما لهم إلى الهاوية، وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمِئَتَيْنِ وَالْخَمْسِينَ رَجُلاً الَّذِينَ قَرَّبُوا الْبَخُورَ (ع 32، 33، 35)، وهذا يشير إلى المصير البئس الذي ينتظر العصاة الذين لا يخضعون لسلطان الرب يسوع، ويرينا كم هو مخيف الوقوع في يدي الله الحي لأنه "إله مهوب جداً في جميع مؤامرة القديسين ومخوف عند جميع الذين حوله" (مز 89: 8)، "إلهنا نار أكلة" (عب 12: 29).

"ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً قُلْ لأَلِعَازَارَ بْنِ هَارُونَ الْكَاهِنِ أَنْ يَرْفَعَ الْمَجَامِرَ مِنَ الْحَرِيقِ، مَجَامِرَ هؤُلاَءِ الْمُخْطِئِينَ ضِدَّ نُفُوسِهِمْ، فَلْيَعْمَلُوهَا صَفَائِحَ مَطْرُوقَةً غِشَاءً لِلْمَذْبَحِ لأَنَّهُمْ قَدْ قَدَّمُوهَا أَمَامَ الرَّبِّ فَتَقَدَّسَتْ" (ع 36- 38).

كان الرب يريد أن يحمل المذبح شهادة عن هذه الدينونة. لم يكن يرغب في أن يتقدم أحد إليه دون أن يتذكر ما حدث، وأن محاولة الاقتراب إليه بالجسد شيء مرعب لا بد أن يصل بصاحبه إلى الخراب.

ولقد حفظ بنو قورح بالنعمة فلم يموتوا (عد 26: 22)، ويبدوا أنهم تعلموا قداسة الله من دينونة والدهم الرهيبة، وإذا أردنا أن نعرف حقيقة خدمتهم التي حفظت لهم فينبغي أن نقرأ الفصول التالية (1 أخ 9: 19- 32، 26: 1- 19، 2 أخ 31: 14- 18) كما أنهم كانوا حراس مدن الملجأ، وحراس أبواب خيمة الاجتماع، وحراس خزائن بيت الله، كانوا جبابرة بأس، واستخدمهم الوحي في كتابة المزامير الجميلة لا سيما مزمور الأقداس (مزمور 84)، كانوا أمناء مكرسين للرب.

نرى في هذا الأصحاح يوماً من أيام العصيان الوقح، كما نرى تزكية لموسى وهرون في دينونة هؤلاء العصاة وذلك في اليوم التالي، أما في اليوم الثالث فقد تَذَمَّرَ كُلُّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْغَدِ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلِينَ أَنْتُمَا قَدْ قَتَلْتُمَا شَعْبَ الرَّبِّ (ع 41) وواضح من هذا أن فكر الجسد لا يتغير حتى بواسطة الدينونة، يبقى كما هو "عداوة لله" (رو 8: 7).

كان الله يريد أن يعرف هذا الشعب بوضوح أنه لولا وساطة موسى وهرون لأفناهم في لحظة، كرر الرب هذا الأمر مرتين، وكان موسى وهرون هناك ليمثلا ما كانه الله بالفداء والكفارة التي قابل بها شرور الإنسان وهو يريد بذلك أن يعلمنا أنه بعيداً عن وساطة المسيح وكهنوته لا يوجد شيء للإنسان العاصي سوى القتل، ولذلك نقرأ "فَجَاءَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى قُدَّامِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً اِطْلَعَا مِنْ وَسَطِ هذِهِ الْجَمَاعَةِ فَإِنِّي أُفْنِيهِمْ بِلَحْظَةٍ فَخَرَّا عَلَى وَجْهَيْهِمَا" (ع 43- 45)- خرَّا على وجهيهما في معرفة لعدالة الدينونة المعلنة، ولكن في روح الوساطة للناي العصاة. وموسى وهو متعلم تعليماً إلهياً- فكر في الحال في كفارة بدون وصية, لأنه لم يكن هناك في الناموس كفارة لمثل هذا العصيان، ولذلك قال لهرون " خُذِ الْمِجْمَرَةَ وَاجْعَلْ فِيهَا نَارًا مِنْ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَضَعْ بَخُورًا، وَاذْهَبْ بِهَا مُسْرِعًا إِلَى الْجَمَاعَةِ وَكَفِّرْ عَنْهُمْ، لأَنَّ السَّخَطَ قَدْ خَرَجَ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ. قَدِ ابْتَدَأَ الْوَبَأُ" (ع 46), وكان لا بد لهرون أن يأخذ النار من على المذبح التي لو أتت في تماس مع الجسد العاصي لقتلته. ولكن حين يأتي في تماس مع كمالات المسيح لاستحضرت رائحة زكية وهذا ما كان يقصده موسى أن تصعد في البخور رائحة المسيح الذكية فتكفر عن الشعب. وهذا الفصل هو الوحيد الذي فيه ترتبط الكفارة بالبخور. وحين نرجع إلى لاويين 16: 12، 13 نجد أنه كان على هرون أن يجعل البخور على النار أمام الرب لتغطي سحابة البخور كرسي الرحمة الذي على تابوت الشهادة لكي لا يموت هرون. كان يوم الكفارة في فكر موسى حين قال لهرون أن يعمل هذا الأمر، كان عليه أن يأخذ المجمرة الذهبية الوحيدة التي استخدمت في يوم الكفارة (عب 9: 4). وكان هذا جديراً أن يتكلم إلى الله عما حدث في ذلك اليوم إذ أخذ دم ذبيحة الخطية إلى دار الأقداس وبعد ذلك أخذ المجمرة ممتلئة بالفحم المتوهج من على المذبح وهكذا كانت يداه ممتلئتان بالرائحة الزكية، حمل هذا البخور على أساس أن الكفارة صنعت بموت ذبيحة الخطية، ولم يكن المسيح عظيماً ليكفر عن الخطية فقط، بل صعدت رائحته الذكية لله، عن هذا يتكلم البخور ليس فقط أن الله تمجد في مطاليبه المقدسة بالنسبة لما أهين به، بل كانت كفارته لها الرائحة الذكية، الخطية أزيلت رمزياً بحرق ذبيحة الخطية خارج المحلة، لكن كانت الرائحة الذكية هي الجواب الكامل الذي أعطاه المسيح لله في مكان الكفارة في الأقداس.

"وَقَفَ (هرون) بَيْنَ الْمَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الْوَبَأُ" (ع 48).

لم يكن هرون هذا سوى رمزاً للمسيح الوسيط بين الله والناس. إن العصيان في المسيحية الاسمية يستحق الموت، ولكن المسيح لا يزال عاملاً تجاه الإنسان الخاطئ في نعمة غير محدودة وهو يقف بمجمرته الذهبية ورائحته الذكية بين الموتى والأحياء، داعياً الإنسان الميت لكي يقبل إليه فينال الحياة، ومانعاً قتل المسيحية الاسمية بسبب شرورها وعصيانها، لقد احتملها خلال الألفين سنة الماضية، ولكن سوف تأتي دينونتها المحتمة في الوقت المعين، تأسست وساطته على ذبيحته الكاملة وكماله الشخصي، والكمال الذي يرى في وساطته الكهنوتية يرى أيضاً في خادمه المحبوب استفانوس الذي قال للرب في مواجهة الذين كانوا يرجمونه "لا تقم لهم هذه الخطية" (أع 7: 60)، وترى أيضاً في بولس الذي قال "احتجاجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني لا يحسب عليهم" (2 تي 4: 16).

إن واسطة المسيح هي التي تحفظ المسيحية الآن من الدينونة، وأعطى للمؤمنين أيضاً امتياز الاشتراك في هذه الخدمة. إن الدينونة حاضرة بسبب ضلالات وخرافات المسيحية الاسمية ولكن الصلوات الكهنوتية تنشر رائحة المسيح الزكية بين الموتى والأحياء وتمنع وقوع تلك الدينونة.

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.