تفاسير

الأصحاح 33

القسم: تفسير سفر العدد.

نرى في هذا الأصحاح تقريراً إلهياً عن رحلة بني إسرائيل من مصر إلى سهول موآب على شاطئ أردن أريحا، وكتب موسى هذا التقرير حسب قول الرب (ع 2)، وهذا يرينا أنه حين يكون شعب الرب على استعداد أن يذهب إلى الأرض فإن الرب يسجل كل الرحلة إلى أن يصلوا إلى المكان الذي قصد الرب أن يصلوا إليه. ونلاحظ كلمة "مخارجهم" أنها طابع التقرير كله في البرية، وهذا يطابق الغرض الإلهي أن كل تدريبات البرية إنما هي "خروج" من تحت نير المستعبد.

وكل الرحلة التي سجلت بواسطة الرب إنما ترى من وجهة نظره ولذلك لا نجد أية إشارة إلى ضعف في الشعب أو فشل من جانبه إذ يقول الرب عنهم "الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِجُنُودِهِمْ عَنْ يَدِ مُوسَى وَهَارُونَ" (ع 1)، "فِي غَدِ الْفِصْحِ خَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِيَدٍ رَفِيعَةٍ أَمَامَ أَعْيُنِ جَمِيعِ الْمِصْرِيِّينَ" (ع 3)، يرون في هذا التقرير ولهم قوة التحرك "ارتحلوا" ، "نزلوا". أحب الرب أن يصف كل شيء كما لو كان نابعاً من الشعب. ومن خلال كل هذه المواقع كان لهم فيها تدريبات، وخلال كل رحلة البرية نرى شعباً مختاراً ممثلاً في الموقف الثابت لكالب ويشوع، وهذا هو الوضع الذي يراهم فيه الرب والذي استفاد من هذه التدريبات فيهم هم الأشخاص الذين كانت الأرض أمام عيونهم. ولا شك كان هناك عدم إيمان ولكن الله يصفهم في كل هذه المواضع أنهم موضوع سروره- وما أقل ما نخبر به عن رحلتهم من قادش برنيع إلى أرنون في مدة الثماني والثلاثين سنة، ولا نجد إشارة واحدة إلى الذين هلكوا في البرية بسبب عدم الإيمان.

وكما كانت رحلة الشعب في البرية سبباً في سرور الله بشعبه رغم كل ما صدر منهم هكذا رحلة كل مؤمن فينا لا يحسب لنا الرب خطية لأنه يرانا في المسيح. هذا هو موقفنا الشرعي، ولكنه يرغب من الناحية العملية أن يرانا كذلك، يريد أن كل منا يستفيد روحياً من كل موقع ينزل إليه ويخرج ويرتحل منه إلى موقع آخر. ولا شك أن كالب ويشوع استفادا روحياً من كل موقع نزلا إليه وخرجا منه مرتحلين إلى موقع آخر. كانت كل تحركاتهما مرتبطة بخيمة الاجتماع، كل شيء كان يجب أن يتوافق مع الخيمة التي تشير إلى الشهادة أي أن كل ما يصدر من الشعب يجب أن يتوافق مع الشهادة للرب وتمجد اسمه، وأنهم على استعداد للارتحال حين يأتي الوقت المعين لذلك من الرب.

ونلاحظ أن التحركات جماعية وليست اختبارات فردية، هي اختبارات تستفيد كل الجماعة وتظهر الشهادة بأوجه مختلفة وتكون خدمة الجماعة ككل طبقاً للنور المعطى لها، ولا بد أن هذا يقود إلى الخروج من كل ما هو عالمي وما هو إنساني جسدي، الخروج من المحدودية والإدراك البسيط للحق إلى دائرة أرحب للحق، وعمل كل ما هو مناسب لسرور الله يهم والإحساس بحرية متزايدة للتخلص من كل ما يجلب الضباب في شهادتنا ونقترب أكثر إلى مقاصد الله من جهتنا.

نجد في كثير من الرموز تعليماً مفيداً في وقتنا الحاضر وحفظ الرب الكثير منها لكي يعيينا على إدراك فكره في نهاية فترة الكنيسة، وتم ذلك بواسطة الكثيرين في القرن الأخير الذين استخدمهم الله لتحرك جماعة المؤمنين حتى تكون شاهدة أمينة له. وحين يتحرك المؤمنون طبقاً للحق ينشأ سؤال لم نقابله من قبل- لماذا تقابلنا صعوبات جديدة في طريق خدمتنا للكلمة في هذا العالم؟ والجواب أن أسلوب خدمتنا يجب أن يتغير لكي يتوافق مع موقفنا الجديد، وذلك لأنه حين نتحرك إلى موقعنا الجديد فالخروج لازم لكي نكون دائماً متوافقين مع الفكر الإلهي. والتدريب يتلوه الآخر، والذين لهم تميز روحي لا يفوتهم أن يفهموا درس كل موقع يريد منهم الرب أن يستوعبوه، وهذه الدروس الكثيرة تستحضرهم إلى الحرية الكاملة للدخول إلى دائرة البركات السماوية.

إن ميلنا الطبيعي أن نظل واقفين في أماكننا التي نستطيع أن نظهر فيها، وهذا هو طابع المسيحية الاسمية، لا ترحب بالتدريبات الجديدة الحية أو قوة التحرك الروحي كجماعة، وقد يتحرك اجتماع طبقاً للشهادة حسب فكر الله وعندئذ يكون على استعداد أن يتحرك إلى موقع آخر.

وحين يدخلون مؤمنون جدد إلى الجماعة "أطفال في المسيح" فسوف يستفيد من كل الاختبارات الماضية التي اختبرتها الجماعة، ويدعوهم الروح القدس إلى الاستفادة من التعاليم الكثيرة التي تنادي بها الجماعة.

ولا ينبغي أن ننسى عناية الرب بشعبه من موقع إلى آخر مسدداً أعوازهم وحافظاً لهم.

من ع 50 في هذا الأصحاح وإلى نهاية الكتاب نجد وصايا للشعب العابر الأردن إلى أرض كنعان بأن يرفضوا كل ما يخص الساكنين في الأرض، وأن يبيدوا أصنامهم وأن يخربوا جميع مرتفعاتهم إذ ترى الأرض كمكان كانت تسيطر عليه قوى مضادة لله ولشعبه تحت قيادة الشيطان الذي كان يقود الساكنين في الأرض إلى عبادة الأوثان لأن الإنسان بحسب الطبيعة يخاف من الموت وما وراءه ويعتقد أنه توجد قوة أعظم منه ممثلة في الأوثان يجب خدمتها. ولم يكتف الشيطان بذلك بل أدخل الوساطة البشرية إلى دائرة المسيحية لكي يفسد ما هو لله مع أن الرسول يقول "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح" (1 تيمو 2: 5).

كشف المسيح الشياطين وأشهرهم جهاراً ظافراً بهم في الصليب ( كو 2: 15) أي أنه كشف هذه القوات العظيمة وأظهر كم هم مضادون لله الذي يحل فيه كل ملء لاهوته، وبكشفه لهم قد هزمهم وسلب منهم كل قوة الظلم بالنور الإلهي، وكل الذين قبلوا المسيح صاروا غنائم نصرة الله الذي أشرق في قلوب المؤمنين به بعد أن أعمى إله هذا الدهر أذهانهم، والآن يظهر تدريب الإيمان والمحبة بطريقة عملية كل قوات الظلمة ويكشف طرقها ليس فقط لمجد الله بل أيضاً لفرح المؤمنين وبركاتهم.

طُرد سكان الأرض بقوة الإيمان، وتم شغل الأرض والتمتع بها من شعب الله الذي شغل كل الدائرة التي كانت سابقاً مشغولة بكل قوات الظلمة وهي رمز لدائرة البركات السماوية وأصبحت نصيباً للقديسين في دائرة النور لأن الله يجب أن يُعرف في دائرة النور في الدائرة التي أراد الشيطان أن يغتنمها روحياً، وهذه المعرفة المباركة لله تجعل الناس أغنياء وسعداء إذ قد خرجوا إلى خارج دائرة الخطية الموت وامتلكوا الحياة الأبدية في المسيح. وأرض كنعان عبر الأردن رمز لذلك.

أظلم الشيطان كل ما يخص الله بتماثيل الوثنية التي نجد أيضاً مثيلاً لها في المسيحية الاسمية حيث نجد فيها كل فلسفات الوثنية وخرافاتها، كلها من اختراعات فكر الإنسان المؤيد بقوى الظلمة.

كان الغلاطيون وقد عملوا حسب الأيام والشهور والسنين وقد تحولوا لما هو من الإنسان. وفي كولوسي يحذر الرسول من تعاليم الناس الذي يريدون حرماننا من الجعالة (كو 2: 18)، وفي أفسس يؤخذ الإنسان إلى ما وراء المشهد إلى مكايد إبليس. فالشيطان ينشط في الدائرة الروحية ويقود الناس إلى وضع أنفسهم تحت الناموس، وبذلك يسلب المؤمنين حريتهم ويحرم الله من المدح على نعمته الرائعة في المسيح، ويحرم المؤمنين من خدمتهم لله وللقديسين ويحرمهم من التحرك في روح البنوية. وإذا عبر المؤمنون الأردن فإنهم بذلك يكونون قد أتوا إلى أساس جديد، ماتوا مع المسيح وأقيموا معه فتصبح لديهم قوة لطرد كل ما هو مضاد لله كما يقول بولس "أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون.." (2 كو 10: 4). هذه القوى الروحية للشر يجب أن نستبعد حتى أن معرفة الله تجعل شعبه مظللين بالنصرة حيث توضع قوة الموت جانباً في موت المسيح بعبور الأردن.

كانت الأرض عتيدة أن تكون من نصيبهم كميراث بالقرعة حسب عشائرهم (ع 54). وهكذا نرى الميراث كشيء عائلي، وهذا ما نراه في كتابات الرسول يوحنا. ويؤخذ الميراث أيضاً عن طريق السبط الذي يرمز إلى الاجتماعات وهذا ما نراه في كتابات الرسول بولس حيث يتمتع المؤمنون بالميراث كجماعة الأمر الذي هيأته المحبة الإلهية.

وللميراث مدى واسع حتى أنه لا يشغله سوى كل إسرائيل. ومحبة الله تريد أن يتمتع كل المؤمنين به كنصيبهم في المسيح. كل مؤمن له نصيبه الذي يعطى له بالقرعة أي حسب إرادة الله ومسرته. الجميع ورثة يتمتعون كعائلة الله في الشركة لما أعدته لهم محبة الله لكي يتحركوا كجماعة طبقاً للفكر الإلهي. وهذا يضعنا خارج أي نظام مرتب من الإنسان. ويشترط التمتع بالميراث طرد السكان الأصليين حتى لا يكونوا أشواكاً في أعيينا ومناخس في جوانبنا فلا نستطيع أن نرى طريق خدمتنا.

أضف تعليق


قرأت لك

كن ملتهباً للمسيح

تقدّم رجل الى ديموسثينس يشتكي له انه ضُرب وأهين. فوصف الرجل الحادث ببرودة وجفاف. فسأله ديموسثينس: "هل ضربوك انت!؟، لا أصدّق". فصاح الرجل واحتدّ". فأجاب الحكيم: "الآن أصدّقك"... كيف يصدّقنا الناس ونحن نتكلّم عن الحياة الابدية ببرودة !

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة