تفاسير

الأصحاح السادس والعشرون

القسم: تفسير سفر صموئيل الأول.

نجد داود الآن مرة أخرى مطارداً من شاول وفي نفس المنطقة في "تل حخيلة" التي معنى اسمها "ظلام" أو "غموض"، وهي تقع على بعد عشرة كيلومترات شرق زيف وفي منتصف المسافة إلى عين جدي، وأعلن الزيفيون مكان اختباء داود مرة أخرى لشاول، واندفع شاول يبحث عن داود لكنه مرة أخرى سقط في يد داود، ولحق به العار أمام جنوده، كان يقترب الآن من دينونته النهائية، عبر داود الوادي ومعه أبيشاي وأخيمالك الحثى، وتطوع أبيشاي لمرافقته، ونزلا كلاهما واخترقا صفوف الجنود النائمين ووصلا إلى مكان الملك الغارق في نومه وأخذ داود الرمح الذي كان عند رأس شاول وكوز الماء. لقد خسر شاول ما يرمز إليه هذان الشيئان روحياً، لقد فقد سلاحه الذي يحارب به بالإيمان والبر، ولم يعد له الماء الذي ينعش النفس، وذهبا كلاهما، لم ينتبه أحد إليهما لأن سبات الرب وقع على الجميع. لم يستطع تحريض أبيشاي تحريض بقتل شاول أن يؤثر في داود. لقد خيل إلى أبيشاي أنه أمر طبيعي وشرعي قتل شاول الذي كان يحاول بكل قوته أن يقتل داود، ولا شك أن داود كان متأذياً من قتله هو شخصياً لصرح لأبيشاي بذلك، وفي الحديث الذي دار بين أبيشاي وداود قال أبيشاي إن الله قد حبس عدوه في يده وطلب منه أن يأذن إليه بضربه برمحه ضربة قاضية عاجلة تقتضي عليه في برهة فلا يتمالك من الأنين أو الصراخ لإيقاظ أبنير أو حرسه، لكن داود لم يسمح بذلك، وقال له كلا إني لا أشترك في هذا العمل، فمن الذي يمد يده لمسيح الرب ويتبرأ، عندما تحين ساعة موته يأخذه الله ولا بد لي من انتظار اليوم المعين لي من قبل الله.

لو رضخ داود لتحريضات أبيشاي لتعرض لوخزات ضميره ولُحرمت البشرية من نغمات قيثارته العذبة، وُوجد ما يبرر سباب شمعي بن جيرا وكلماته القاسية في ذلك اليوم المظلم في حياته. ولقد كان الآن في مقدور داود أن يرنم مزمور 37 "لاَ تَغَرْ مِنَ الأَشْرَارِ وَلاَ تَحْسِدْ عُمَّالَ الإِثْمِ فَإِنَّهُمْ مِثْلَ الْحَشِيشِ سَرِيعاً يُقْطَعُونَ وَمِثْلَ الْعُشْبِ الأَخْضَرِ يَذْبُلُونَ" في ضوء ما عمله داود هنا تسطع أقواله هذه بلمعان جديد.

وهكذا ظهرت صفات داود الرائعة. لكن من أين أتته هذه الصفات؟ إن ضيقاته الأخيرة جعلته يلتصق بالرب بقوة وحماس. وقد تعلم في شركته مع الرب الكثير عن صلاحه الذي يفوق الوصف. كانت له القدرة على التمتع بمحبة الله ورأفته وتقديرهما. ولا شك أن وجود داود المستمر في محضر الله قد أجرى فيه تغييراً أدبياً ملحوظاً. وهذا ما نكتشفه في سفر المزامير "أمِلْ يَا رَبُّ أُذْنَكَ. اسْتَجِبْ لِي لأَنِّي مَِسْكِينٌ وَبَائِسٌ أَنَا. احْفَظْ نَفْسِي لأَنِّي تَقِيٌّ. يَا إِلَهِي خَلِّصْ أَنْتَ عَبْدَكَ الْمُتَّكِلَ عَلَيْكَ" (مز 86: 1، 2).

ما أحوجنا إلى إيمان أعظم بالقوة الهادئة الناتجة عن الشركة المستمرة مع الله.

كان داود شجاعاً عندما صرخ إلى شاول وأثبت براءته الكاملة وأوضح بأن التهم التي نُسبت إليه لم يكن لها أساس من الصحة، وتحول من أباطيل الأرض وظنونها إلى قضاء الله العادل- عندئذ رفع الملك صوته واعترف قائلاً قد أخطأت، وتحولت روح الانتقام من داود إلى ضعف وخور في العزيمة، بل ذهب إلى أبعد من ذلك واعترف بأن داود لا بد أن يصير ملكاً. ولا زالت هذه هي الطريقة لربح فكلما ازددنا تواضعاً وخضوعاً وتسليماً ازددنا ربحاً للآخرين، وعندما نرفض استخدام الفرص للانتقام من الآخرين والتي نجني فيها أبشع الثمرات كلما ازددنا ربحاً لهم. إن الشخص الذي يعرف كيف ينتظر الله هو رجل القوة، ولا بد أن يعترف الآخرون بها وينحنوا أمام صولجانه.

كان الرب يعطي لشاول فرصته الأخيرة قبل أن يقضي عليه ولكنه لم ينتهز هذه الفرصة. كان يريد أن يرجع عن طريقه في الانتقام من داود ولكنه ظل على قساوته وعدم إيمانه وكان سائراً بسرعة إلى القضاء النهائي عليه.

كان شاول متقلباً في حياته فتارة يصفح عن داود وتارة أخرى يرجع إلى حب الانتقام منه وهذا التقلب يعطينا نوراً جديداً للمزمور السابع الذي جاءت في عنوانه إشارة إلى شخص اسمه "كوش البنياميني" ويرجع المفسرون أنه كان صديقاً حميماً لشاول وكان ينفث فيه سمومه ضد داود. فبعد أن يصفح شاول عن داود ويرجع إلى كوش يعود شاول مرة أخرى إلى حب قتل داود وهكذا كان شاول كالوشيعة (المكوك) يجيء ويروح بين هاذين الشخصيتين. لعلك أيها القارئ لا تخلو من وجود "كوش" في حياتك يذيع عنك كل ما ذمة زوراً وبهتاناً وينسب إليك تهماً باطلة ويسمم أفكار الكثيرين من نحوك. أمثال هؤلاء الأشخاص قد يوجدون في المنتديات الاجتماعية وقد يوجدون في قصور الملوك ولكن يجب أن نفحص أنفسنا لئلا يوجد فينا أساس لكلمات كوش هذا، ونلجأ إلى الله ونقول له اختبرني وافحص قلبي وأهدني طريقاً أبدياً. إن وُجدت! فاطرحها جانباً، وإن لم توجد فطوبى لك وتستطيع أن تقول كما قال داود "ترسي عند الله مخلص مستقيمي القلوب" (مز 7: 10) ينبغي لك عندئذ أن تسلم لمن يقضي بعدل وهو لا بد أن يظهر حقك وبرك.

 

أضف تعليق


قرأت لك

انا لست لنفسي!

التقى ثلاثة أصدقاء في القطار في سفر طويل. فاستعانوا على تبديد الوقت بلعب الورق حيث تنتقل الدراهم من يد الى يد. ولما احتاجوا الى شخص رابع لتكتمل حلقة اللعب، طلبوا من أحد الجالسين ان يشاركهم ذلك فقال:" أعذروني، لا أقدر ان أشارككم اللعب لأني لم أجلب معي يدي!". فضحكوا وظنوا الرجل يمزح. ولكنه أوضح قائلا: "هاتان اليدان هما للرب، وانا وكيل عليهما. وليست لي سلطة في استخدامهما الا في كل ما يمجّد ربّي !".

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة