تفاسير

الفصل الثاني - التمثال العظيم

القسم: تفسير كامل لسفر دانيال.

فهرس المقال

غطى حديثنا في الفصل الأول محتويات الإصحاح الأول من سفر دانيال.

وها نحن قد وصلنا إلى الإصحاح الثاني، وهو في اعتقادي من أعظم إصحاحات الكتاب المقدس أن جاز هذا التعبير، ذلك لأن الله سجل في هذا الإصحاح النبوة الخاصة بكل تاريخ أزمنة الأمم ويدهشنا هذا الإيجاز وفي ذات الوقت هذه الدقة المتناهية. ومن ذا يستطيع أن يوجز تاريخ أربع إمبراطوريات في سطور قليلة سوى الله؟ هذا هو الإعجاز الذي ما بعده إعجاز.


تركيب سفر دانيال

وقبل أن نبدأ تفسير هذا الإصحاح نرى لزاماً علينا أن نقول كلمة عن تركيب سفر دانيال، وقد رأى بعض المفسرين تقسيم السفر بحسب اللغات الأصلية التي كتب بها، ومن الطبيعي أن هذا لا ينطبق على الترجمة العربية. فمن بداية السفر حتى الإصحاح2: 3 كتب هذا القسم باللغة العبرية، ومن الإصحاح2: 4 إلى الإصحاح7: 28 كتب هذا القسم باللغة الآرامية وهي لغة قريبة من اللغة العبرية عم استخدامها في بابل في أيام دانيال (دانيال2: 4). ومن الإصحاح8: 1 إلى نهاية السفر كتب هذا القسم باللغة العبرية.

           وينقسم سفر دانيال إلى قسمين رئيسيين

القسم التاريخي (الإصحاحات 1- 6)

القسم النبوي (الإصحاحات 7- 12)

أما القسم التاريخي فقد جاء في الإصحاحات الستة الأولى التي نضع لها العناوين التالية:

الشبان الأطهار      إصحاح 1

كاشف الأسرار      إصحاح 2

النجاة من النار       إصحاح 3

إذلال الجبار          إصحاح 4

عاقبة الاستهتار      إصحاح 5

مؤامرة الأشرار      إصحاح 6

أما القسم النبوي لإصحاحاته العناوين التالية

1- القرن الصغير         إصحاح 7

2- الملك الشرير         إصحاح 8

3- صلاة البار            إصحاح 9

4- رؤيا القدير           إصحاح 10

5- وحش من البحر      إصحاح 11

6- اختم السفر           إصحاح 12

والآن إلى تفسير محتويات هذا الإصحاح العظيم.

"في السنة الثانية من ملك نبوخذ نصر أحلاماً فانزعجت روحه وطار عنه النوم" (دانيال 2: 1)

هنا نجد إمبراطوراً دانت له الدنيا، حباه الله السلطة المطلقة على مملكته، والثروة الطائلة التي يحقق بها آماله، ولكننا نراه محروماً من سلام العقل "فانزعجت روحه وطار عنه النوم".

كيف يمكن أن ينزعج الملك نبوخذ نصر الذي قال عنه دانيال لبيلشاصر ابنه "... الله العلي أعطى أباك نبوخذ نصر ملكوتاً وعظمة وجلالاً وبهاء. وللعظمة التي أعطاه إياها كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة. فأيا شاء قتل وأيا شاء استحيا وأيا شاء رفع وأيا شاء وضع" (دانيال 5: 18- 19).

كيف يمكن لهذا الملك الأوتوقراطي أن يصاب بالأرق ويحرم لذة النوم العميق؟ الجواب: إن الغنى، والجلال الملكي، والسلطة المطلقة للإنسان سلام العقل ولا تهبه سلام القلب.


الرؤى والأحلام

حلم نبوخذ نصر حلماً .. ولا بد لنا هنا أن نقول كلمة عن الأحلام والرؤى. الحلم هو رؤيا يراها الإنسان وهو نائم، أما الرؤيا فهي مناظر يراها الإنسان وهو مستيقظ. وقد ذكر بطرس الرسول في عظيه يوم الخمسين الرؤى والأحلام في آية واحدة فقال "... يقول الله ويكون في الأيام الأخيرة أنا أسكب من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماً" (أعمال2: 17). وذكر بلعام أن الرؤى يراها الإنسان وهو مفتوح العينين فقال "وحي الرجل المفتوح العينين. وحي الذي يسمع أقوال الله. الذي يرى رؤيا القدير مطروحاً وهو مكشوف العينين" (عدد 24: 3- 4).

ويجدر بنا أن نذكر أن الأحلام ليست كلها من الله، بل هناك أحلام نحلمها من العقل الباطن تعكس متاعبنا، أو توقعاتنا. وهناك أحلام هي صدى لحياتنا بالنهار، وهناك أحلام تأتي بدافع مطالب الجسد يقول عنها أشعيا النبي "ويكون كما يحلم الجائع أنه يأكل ثم يستيقظ وإذا نفسه فارغة. وكما يحلم العطشان أنه يشرب ثم يستيقظ وإذا هو رازح ونفسه مشتهية. هكذا يكون جمهور كل الأمم المتجندين على جبل صهيون" (أشعياء 29: 8).

لكننا في هذا الإصحاح نتعامل مع حلم من الله، حلم أعطاه الله لنبوخذ نصر الملك ليقدم له جواباً عن تساؤلاته بخصوص مستقبل إمبراطوريته، إذ يبدو من كلمات الإصحاح أن نبوخذ نصر كان مشغولاً تماماً بمستقبل إمبراطوريته، وهذا ما قاله له دانيال " أنت أيها الملك أفكارك على فراشك صعدت إلى ما يكون من بعد وكاشف الأسرار يعرفك بما يكون" (دانيال 2: 29).

كذلك استخدم الله الحلم الذي أعطاه لنبوخذ نصر ليريه ليس فقط مستقبل ممتلكته، بل مستقبل حلم الأمم على هذه الأرض حتى يأتي المسيح. وقد قصد الله بهذا أن يعيش نبوخذ نصر متواضعاً تحت يد الله القوية كما نقرأ في سفر أيوب "لكن الله يتكلم مرة وباثنتين لا يلاحظ الإنسان. في حلم في رؤيا الليل عند سقوط سبات على الناس في النعاس على المضجع ليحول الإنسان عن عمله ويكتم الكبرياء عن الرجل"(أيوب 33: 14- 17).

وقد سبق أن استخدم الله الأحلام مع ملك وثني آخر هو فرعون ملك مصر، حين أراه حلم البقرات السبع، وحلم السنابل السبع (تكوين 41: 17- 32).

ويجدر بنا أن نلاحظ أن الله قد أعطى الأحلام لملكين وثنيين، لكنه أعطى تعبير الأحلام دائماً لشخص عبراني فالعبرانيون "استؤمنوا على أقوال الله" (رومية 3: 2) " ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين" (رومية 9: 4-5).

وفي كل مرة كان تعبير الحلم سبباً في إعطاء الشخص العبراني أعظم المراكز.

وعلينا كذلك أن نذكر أن الله لم يترك نفسه بلا شاهد في العالم القديم، فهو ليس إله شعب السماء والأرض ورب كل الشعوب وقد أرسل يونان إلى نينوى لإنذار شعبها. (يونان 1: 1- 2) ونبه روح كورش ملك فارس لإعادة الشعب القديم إلى أرضه عند تمام كلامه بفم أرميا. (عزرا 1: 1) واستخدم نبوخذ نصر في إتمام مقاصده وأسماه "نبوخذ راصر عبدى" (ارميا 25: 9). وهو الذي قيل عنه في المزمور " تذكر وترجع إلى الرب كل أقاصي الأرض. وتسجد قدامك كل قبائل الأمم. لأن للرب الملك وهو متسلط على الأمم" (مزمور 22: 27- 28).


أزمنة الأمم

أعطى الله نبوخذ نصر أعظم ملوك عصره هذا الحلم العجيب، لأنه بهذا الملك العظيم بدأت أزمنة الأمم. وأزمنة الأمم تعبير جاء في كلمات المسيح له المجد "... لأنه يكون ضيق عظيم على الأرض وسخط على هذا الشعب. ويقعون بفم السيف ويسبون إلى جميع الأمم. وتكون أورشليم مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم" (لوقا 24: 23- 24).

فما هي أزمنة الأمم؟

أزمنة الأمم هي الحقبة الطويلة في التاريخ، التي خلالها تكون أورشليم مدوسة من الأمم. وقد بدأت هذه الحقبة بانتصار نبوخذ نصر على اليهود، وستستمر حتى نهاية الضيقة العظيمة كما واضح من كلمات يوحنا في سفر الرؤيا "وأما الدار التي هي خارج الهيكل فاطرحها خارجاً ولا تقسها لأنها أعطيت للأمم وسيدوسون المدينة المقدسة اثنين وأربعين شهراً" (رؤيا 11: 2). والمدينة المقدسة هي أورشليم كما قال الملاك جبرائيل لدانيال "سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة" (دانيال 9: 24). وكان يشير بهذا إلى مدينة أورشليم (دانيال 9: 25). كما نقرأ أيضاً "أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي" (مزمور 2: 6).

هذه الحقبة التي مدتها 42 شهراً، هي مدة حكم الوحش الصاعد من البحر، وهي في ذات الوقت مدة الضيقة العظيمة، وفي نهايتها تبدأ معركة هرمجدون التي ذكرها يوحنا في سفر رؤيا ( رؤيا 16: 12- 16) كما ذكرها زكريا في نبوته (زكريا 14: 1- 4) وخلال هذه المعركة العالمية الطاحنة يأتي الرب يسوع المسيح "وتقف قدامه في ذلك اليوم على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم" (زكريا 14: 4) وبعد نصرته الساحقة على كل جيوش الأمم المجتمعة لحرب هرمجدون، يبدأ الملك الألفي السعيد، وتكون أورشليم عاصمة الملك، وتصير بحق مدينة السلام، وتتم حينئذ كلمات جبرائيل الملاك التي قالها لمريم العذراء "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع... ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 31- 32) وهنا تنتهي أزمة الأمم ويبدأ ملك المسيح على الأرض.

و "أزمنة الأمم" ترتبط بتعبير "ملء الأمم" وهو التعبير الذي ذكره بولس الرسول بكلماته "فاني لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا هذا السر. لئلا تكونوا عند أنفسكم حكماء. إن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملء الأمم" (رومية 11: 25).

والتعبير "أزمنة الأمم" (لوقا 21: 24) هو تعبير عن الحكم السياسي والعسكري للأمم. أما التعبير "ملء الأمم" (رومية 11: 25) فهو تعبير عن التعامل الروحي الذي بدأ بين الله والأمم بزلة إسرائيل ورفضهم لمخلصهم. وسيعود الله للتعامل مع شعبه القديم بعد أن ينته زمن تعامله الخاص مع الأمم كما يقول بولس الرسول "فإن كانت زلتهم غنى للأمم فكم بالحري ملؤهم" (رومية 11: 12) وسيكون هذا التعامل مع الشعب القديم عند وقوف الرب على جبل الزيتون في مجيئه الثاني، فهذا الوقت سيكون وقت قبوله لهم ثانية وقبولهم له فادياً " في ذلك الوقت يكون ينبوعاً مفتوحاً لبيت داود ولسكان أورشليم للخطية وللنجاسة" (زكريا 13: 1) وسيكون هذا الينبوع المفتوح هو ينبوع دم المسيح الذي انسكب من جروح يديه (زكريا 13: 5- 6) في ذلك الوقت تتم كلمات زكريا النبي "وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد لأمه ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره" (زكريا 12: 10).

فعند نهاية "أزمنة الأمم" سيدخل "ملء الأمم" أي العدد المختار منهم، ويبدأ تعامل الله من جديد مع شعبه القديم "وهكذا سيخلص جميع شعب إسرائيل. كما هو مكتوب سيخرج من صهيون المنقذ ويرد الفجور عن يعقوب" (رومية 11: 26) وهذا ما قاله ربنا المبارك لشعبه القديم " يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم يريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. لأني الحق أقول لكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب" (متى 23: 37- 39). فقبل هذا الوقت لا تعامل بين الرب وبين إسرائيل كأمة من جهة الخلاص، والذي سيخلصون من إسرائيل عند مجيء ربنا هم الذين يقول عنهم سفر دانيال " وفي ذلك الوقت ينجي شعبك كل من يوجد مكتوباً في السفر" (دانيال 12: 1) وهؤلاء هم البقية التي اختارها الرب لنفسه.


أزمة الحلم

نعود الآن إلى الحديث عن حلم الملك نبوخذ نصر وتعبيره. ونقول أولاً أن دانيال قابل ثلاث أزمات في حياته. الأزمة الأولى: هي أزمة امتحان طهارته وثباته تحت ضغوط القصر الإمبراطوري، وقد اجتاز دانيال هذه الأزمة بنجاح تام كما رأينا في الفصل الأول. والأزمة الثانية: هي أزمة حلم الملك نبوخذ نصر وهي موضوع دراستنا فيما يلي من حديث. والأزمة الثالثة: هي أزمة امتحان ولائه لله وشريعته وسنتحدث عنها في مكانها.

الأزمة التي نحن بصددها الآن هي أزمة حلم الملك نبوخذ نصر، وهي الأزمة التي تعرض فيها دانيال وأصحابه لخطر الموت.

أعطى الله دانيال وأصحابه معرفة وعقلاً في كل كتابة وحكمة، وأوصلتهم هذه المعرفة وتلك الحكمة إلى الوقوف أمام الملك، وبعد أن اجتازوا الاختبار الملكي أصبحوا بين حكماء بابل المسئولين عن تفسير الأمور العسرة والعويصة للملك نبوخذ نصر.

امتاز هؤلاء الرجال الأربعة بالمعرفة والحكمة، وكل امتياز يحمل في ثناياه مسئولية، وجاء يوم المسئولية.

"وفي السنة الثانية من ملك نبوخذ نصر حلم نبوخذ نصر أحلاماً فانزعجت روحه وطار عنه نومه. فأمر الملك أن يستدعى المجوس والسحرة والعرافون فأتوا ووقفوا أمام الملك" (دانيال 2: 1- 2).

والآن تعال معي لنرى ما حدث في القصر الإمبراطوري بين الملك وحكمائه.

قال الملك نبوخذ نصر لحكمائه: قد حلمت حلماً وانزعجت روحي لمعرفة الحلم. قال الحكماء للملك: أخبر عبيدك بالحلم فنبين تعبيره. ويبدو أن روح الملك انزعجت انزعاجاً شديداً، وأنه أراد أن يكون التعبير عن حلمه دقيقاً.. ولذا أصر الملك على طلب لا يقدر عليه أعظم الحكماء.

قال الملك لحكمائه "قد خرج مني القول إن لم تنبئوني بالحلم وبتعبيره تصيرون إرباً إرباً وتجعل بيوتكم مزبلة" (دانيال 2:5).

قال الحكماء للملك ثانية: ليخبر الملك عبيده بالحلم فنبين تعبيره. وأجاب الملك حكماءه قائلاً: " إني أعلم يقيناً أنكم تكتسبون وقتاً إذ رأيتم أن القول قد خرج مني. بأنه إن لم تنبئوني بالحلم فقضاؤكم واحد. لأنكم قد اتفقتم على كلام كذب وفاسد لتتكلموا به قدامي إلى أن يتحول الوقت. فأخبروني بالحلم: فأعلم أنكم تبينون لي تعبيره." (دانيال 2: 8- 9) هنا يظهر عجز السحر، والتنجيم، والعرافة، والاستنتاج البشري عن كشف أسرار الله "هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أيضاً إلا روح الله" (1 كورنثوس 2: 11). وهكذا أقر الكلدانيون بعجزهم.

قالوا للملك "ليس على الأرض إنسان يستطيع أن يبين أمر الملك. لذلك ليس ملك عظيم ذو سلطان سأل أمراً مذل هذا من مجوسي أو ساحر أو كلداني. والأمر الذي يطلبه الملك عسر وليس آخر يبينه قدام الملك غير الآلهة الذين ليست سكانهم مع البشر." (دانيال 2: 10- 11) هنا اشتعل غضب الملك، واغتاظ جداً، وأمر بإبادة كل حكماء بابل.

"فخرج الأمر وكان الحكماء يقتلون فطلبوا دانيال وأصحابه ليقتلوهم" (دانيال 2: 13).

كانت هذه الأزمة، أزمة حياة أو موت.. أزمة لا مخرج منها إلا بإعلان خاص من الله.

ولعلنا نتساءل: لماذا يسمح الله للأقلية الأمينة التي تعبده بالروح والحق أن تجتاز مثل هذه الأزمات؟ والجواب:

أولا: لأن الله يريد أن يؤكد أن لهذه الأقلية ما قاله داود في المزمور "الله لنا إله خلاص وعند الرب السيد للموت مخارج" (مزمور 68: 20).

ثانياً: إن الله يريد أن يستخدم هذه الأزمة لكي ينادي باسمه في كل الأرض "لأنه يقول الكتاب لفرعون إني لهذا بعينه أقمتك لكي أظهر فيك قوتي ولكي باسمي في كل الأرض" (رومية 9: 17).

وثالثاً: ليجعل الله من هذا الأزمة المدمرة طريقاً لرفعة الأقلية الأمنية. وفي سفر أعمال الرسل نرى أن الله قد سمح بأن تخرج من الحرارة أفعى وتنشب أنيابها في يد بولس الرسول ليتيح له الفرصة للشهادة له، وليدفع سكان جزيرة مليطة إلى إكرامه. (أعمال 28: 1- 10).

كيف تصرف دانيال بهذه الأزمة؟ هل استسلم للقلق، والاضطرابات، والفزع، والانزعاج، والخوف؟ هل سار هائماً على وجهه لا يدري ماذا يفعل؟ هل رفع صوته بلوم الله لسماحه بأزمة مريرة كهذه؟ هل ملأت رأسه أفكار الشك في محبة الله وعنايته وحكمته؟ هل حاول أن يهرب لحياته إلى بلد بعيد؟

لم يفعل دانيال شيئاً من هذه.. لقد تصرف بهدوء عجيب، لأنه آمن بالله، وتيقن أن بيده مقاليد الأمور، وأنه كاشف الأسرار، وأنه سمح بهذه الأزمة الطاحنة لخيره وخير أصحابه... وعرف أنه إذا كان الشيطان قد حاول استخدام هذه الأزمة للتخلص من دانيال وأصحابه بالقتل، فإن الله العلي سيستخدم بحكمته هذه الأزمة لإتمام مقاصده الحكيمة.

والآن تعال معي لنرى كيف تصرف دانيال


استخدام الحكمة الممنوحة له من الله

قرأنا في الإصحاح الأول أن الله أعطى دانيال وأصحابه "معرفة وعقلاً في كل كتابة وحكمة" (دانيال 1: 17). والحكمة هي تطبيق المعرفة، وقد حان الوقت لتطبيق المعرفة عملياً في هذه الأزمة القاتلة.

لقد طلب أريوخ رئيس شرط الملك الذي خرج ليقتل حكماء بابل دانيال وأصحابه ليقتلوهم "حينئذ أجاب دانيال بحكمة وعقل لأريوخ رئيس شرط الملك.. أجاب وقال لأريوخ قائد الملك لماذا اشتد الأمر من قبل الملك" (دانيال 2: 14- 15) ويبدو من هذا النص أن دانيال وأصحابه كانوا غائبين عن المشهد حين استدعى الملك حكماء بابل للمثول في حضرته. "وحينئذ أخبر أريوخ دانيال بالأمر" (دانيال 2: 15).

ويقيناً أن الله منح دانيال شجاعة أدبية مع الحكمة الإلهية "فدخل دانيال وطلب من الملك أن يعطيه وقتاً فيبين للملك التعبير" (دانيال 2: 16).

التجأ إلى الله العلي بالصلاة

"حينئذ مضى دانيال إلى بيته وأعلم حننيا وميشائيل وعزريا أصحابه بالأمر. ليطلبوا المراحم من قبل إله السموات من جهة هذا السر لكي لا يهلك دانيال وأصحابه مع سائر حكماء بابل" (دانيال 2: 17- 18).

أقام دانيال وأصحابه اجتماع صلاة

والالتجاء إلى الله بالصلاة هو الطريق السلطاني للخروج من الأزمات.

"أعلى أحد بينكم مشقات ليصل" (يعقوب 5: 13) وصلاة المؤمنين المتحدين بنفس واحدة تقتدر كثيراً في فعلها. اتفق الأصحاب الأربعة لطلب المراحم من قبل إله السموات. وطلب المراحم يعني أنهم اعترفوا لله بعدم استحقاقهم، وبثقتهم في مراحمه. واستجاب الله صلاة هذه الأقلية الأمينة المؤمنة. "حينئذ لدانيال كشف السر في رؤيا الليل" (دانيال 2: 19).

شكر دانيال الله وأعطاه كل المجد

كان رد الفعل لكشف السر لدانيال. هو تقديم الشكر لله وإعطائه المجد كله.

"فبارك دانيال إله السموات. أجاب دانيال وقال ليكن اسم الله مباركاً من الأزل وإلى الأبد لأن له الحكمة والجبروت وهو يغير الأوقات والأزمنة يعزل ملوكاً وينصب ملوكاً. يعطي الحكماء حكمة يعلم العارفين فهماً. وهو يكشف العمائق والأسرار. يعلم ما هو في الظلمة وعنده يسكن النور. إياك يا إله آبائي أحمد وأسبح الذي أعطاني الحكمة والقوة وأعلمني الآن ما طلبناه منك لأنك أعلمتنا أمر الملك" (دانيال 2: 19- 23).

فليتعلم المؤمنون هذه الصلوات العميقة. كانت صلاة دانيال، بعكس ما نسمعه اليوم في كنائسنا من صلوات طويلة ومملة، صلاة مختصرة.... لكنها حوت من المعاني العميقة ما يمكن أن يملأ مجلدات.

لقد شكر دانيال إله السموات وباركه. (دانيال 2: 19).

وأعلن صفاته وكماله. (دانيال 2: 20).

وأعلن سيادته المطلقة. (دانيال 2: 21).

وأعلن أنه مانح الحكمة والمعرفة. (دانيال 2: 22).

في عبارات قليلة أعلن دانيال في صلاته أن الله مطلق الوجود، ومطلق القدرة، ومطلق المعرفة، وسيد الأرض كلها. وقدّم دانيال الحمد والتسبيح لله.. إله آبائه.. الإله الذي ظهر لإبراهيم، وتكلم مع يعقوب، وأعلن مجده لموسى.. ولم يدعى دانيال أي فضل لنفسه، بل أعطى كل المجد لله.. وهذا درس يجب أن نتعلمه إذ لا يكفي أن نطلب ونأخذ، بل يجب أن نمجد الله ونشكره على ما أخذناه.

بعد أن شكر دانيال الله، وقدم له التسبيح والحمد، وأعطاه كل المجد في السر.. كان لابد أن يقدم لله كل المجد في العلن "فمن أجل ذلك دخل دانيال إلى أريوخ الذي عينه الملك لإبادة حكماء بابل. مضى وقال له هكذا. لا تبد حكماء بابل. أدخلني إلى قدام الملك فأبين للملك التعبير. حينئذ دخل أريوخ بدانيال إلى قدام الملك مسرعاً وقال له هكذا. قد وجدت رجلاً من بني سبى يهوذا الذي يعرف الملك بالتعبير" (دانيال 2: 24- 25).


دانيال الآن في حضرة الملك نبوخذ نصر

"أجاب الملك وقال لدانيال الذي اسمه بلطشاصر هل تستطيع أنت على أن تعرفني بالحلم الذي رأيت وبتعبيره" (دانيال 2: 26) وهنا يتكلم دانيال فيعطى كل المجد لله كاشف الأسرار، ويقف هو مختفياً في ظلال المجد الإلهي.

" أجاب دانيال قدام الملك وقال. السر الذي طلبه الملك لا تقدر الحكماء ولا السحرة ولا المجوس ولا المنجمون على أن يبينوه للملك. لكن يوجد إله في السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذ نصر ما يكون في الأيام الأخيرة. حلمك ورؤيا رأسك على فراشك هو هذا. أنت أيها الملك أفكارك على فراشك صعدت إلى ما يكون من بعد هذا وكاشف الأسرار يعرفك بما يكون. أما أنا فلم يكشف لي هذا السر لحكمة فيّ أكثر من كل الأحياء.ولكن لكي يعرف الملك بالتعبير ولكي تعلم أفكار قلبك" (دانيال 2: 27- 30).

دانيال يعلن بكلماته للملك نبوخذ نصر عن عجز السحرة والمنجمين والحكماء الأرضيين عن معرفة أسرار الله، كما يؤكد له بأنه يوجد إله في السموات، ويشهد بأن هذا الإله كاشف الأسرار، وأنه أعطاه حلمه العجيب ليعرفه ما يكون في الأيام الأخيرة. وليعطيه جواباً عن تساؤلات قلبه بخصوص مستقبل إمبراطوريته.

الحلم الذي رآه نبوخذ نصر نبوي. يبدأ من مملكته ويستمر حتى يصل إلى آخر أحداث التاريخ.. إلى أحداث الأيام الأخيرة حين يأتي الرب يسوع المسيح لينهي حكم الأمم ويؤسس ملكوته السعيد. ونبوات سفر دانيال تتصل مباشرة بهذه الأحداث، وعلى هذا لابد من دراسة سفر دانيال دراسة دقيقة لنستطيع تفسير رؤيا يوحنا، فهناك ارتباط عضوي بين السفرين النبويين العظيمين.

والآن تعال معي لنستمع إلى دانيال وهو يسرد للملك حلمه العجيب. "أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم هذا التمثال العظيم البهي جداً وقف قبالتك ومنظره هائل. رأس هذا التمثال من ذهب جيد. صدره وذراعاه من فضة. بطنه وفخذاه من نحاس. ساقاه من حديد. قدماه بعضهما من حديد والبعض من خزف. كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما. فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معاً وصارت كعصافة البيدر في الصيف فحملتها الريح فلم يوجد لها مكان.أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها" (دانيال 2: 31- 35).

استطرد دانيال يقول "هذا هو الحلم. فنخبر بتعبيره قدام الملك. وبدأ تعبيره للحلم بحديث عن سيادة الله المطلقة على مخلوقاته، وبأن هذا الإله القادر على كل شيء هو الذي أعطى نبوخذ نصر مملكته وسلطانه.

"أنت أيها الملك ملك الملوك لأن إله السموات أعطاك مملكة واقتداراً وسلطاناً وفخراً. وحيثما يسكن بنو البشر ووحوش البر وطيور السماء دفعها ليدك وسلطك عليها جميعاً. فأنت هذا الرأس من ذهب" (دانيال 2: 37- 38).

ويذكر التاريخ أن الإمبراطورية البابلية، ويطلق أحياناً عليها اسم الإمبراطورية الكلدانية، قد ظهرت في الوجود تحت حكم الملك "نبو بولاصر" وهو غير مذكور في الكتاب المقدس. لكن هذه الإمبراطورية الجبارة وصلت إلى أوج مجدها إبان حكم ابنه "نبوخذ نصر". وعلينا أن نذكر أنه حين يتحدث الوحي عن ملك فهو في ذات الوقت يتحدث عن مملكة، فلا ملك بلا مملكة. وفي تعبيرات الوحي الملك والمملكة مترادفان. وعلى هذا فيمكننا القول بأن الرأس من ذهب لم يكن يشير إلى الملك نبوخذ نصر وحده بل إلى المملكة البابلية في تاريخها كله.

"رأس هذا التمثال من ذهب جيد" (دانيال 2: 32).

"فأنت هذا الرأس من ذهب" (دانيال 2: 28).

هذا الرأس يشير إلى المملكة البابلية.

" وبعدك تقوم مملكة أخرى أصغر منك" (دانيال 2: 39). ومن النبوات الواردة في سفر دانيال نعرف أن هذه المملكة هي مملكة "مادى وفارس" ويتضح هذا مما كتبته أصابع اليد الكاتبة على ملكس حائط قصر الملك "قسمت مملكته وأعطيت لمادى وفارس" (دانيال 5: 28) "وفي تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين. فأخذ المملكة داريوس المادى وهو ابن اثنتين وستين سنة" (دانيال 5: 30- 31).

"صدره وذراعاه من فضة" (دانيال 2: 32).

"وبعدك تقوم مملكة أخرى أصفر منك" (دانيال 2: 39).

هذا الصدر وهذان الذراعان تشير إلى مملكة مادى وفارس. ومملكة مادى وفارس كانت أصغر من المملكة البابلية.

ومن النبوات الواردة في الإصحاحات التالية من السفر، وهذه النبوات هي تكرار في صورة أخرى لحلم الملك نبوخذ نصر، تماماً كما رأينا التكرار في حلم فرعون مصر أولا في البقرات السبع الحسنة المنظر والبقرات السبع العجاف. ثم في السبع السنابل الممتلئة الحسنة والسبع السنابل الملفوحة بالريح الشرقية مع أن الحلم كان واحداً في تفسيره ومعناه.

نقول أن تكرار النبوات في سفر دانيال هو لتأكيد حدوثها.

"بطنه وفخذاه من نحاس" (دانيال 2: 32)".

"ومملكة ثالثة أخرى من نحاس فتتسلط على كل الأرض" (دانيال 2: 39) فهذا البطن وهذان الفخذان إلى المملكة اليونانية.

"وتكون مملكة رابعة صلبة كالحديد لأن الحديد يدق ويسحق كل شيء وكالحديد الذي يكسر كل هؤلاء" (دانيال 2: 40).

لم يذكر دانيال في نبواته اسم المملكة الرابعة بالتحديد، كما ذكر مملكة بابل، ومملكة مادى وفارس، ومملكة اليونان.. ولكننا نستطيع أن نرى أن هذه المملكة القوية الصلبة كالحديد هي الإمبراطورية الرومانية، وهي المملكة التي كانت موجودة وقت ميلاد يسوع المسيح كما يقول لوقا البشير "وفي تلك الأيام صدر أمر من أوغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة" (لوقا 2: 1). الإمبراطورية الرومانية إذاً هي المملكة الرابعة وصلابتها الحديدية ليست صلابة القيم الأدبية أو الدينية، ولا هي صلابة وحدة الإمبراطورية، ولكنها صلابة القوة العسكرية التي دقت وسحقت كل من وقف في طريقها.

"وبما رأيت القدمين والأصابع بعضها من خزف والبعض من حديد فالمملكة تكون منقسمة ويكون فيها قوة الحديد من حيث إنك رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين. وأصابع القدمين بعضها من حديد والبعض من خزف فبعض المملكة يكون قوياً والبعض قصماً. وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف. وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والفضة والذهب. الله العظيم قد عرًف الملك ما سيأتي بعد هذا. الحلم حق وتعبيره يقين" (دانيال 2: 41- 45).

حكمت الإمبراطورية الرومانية لأكثر من خمسمئة سنة، ورفرف علمها على الجزر البريطانية حتى الخليج العربي، ومن البحر الشمالي إلى صحراء ليبيا، ومن المحيط الأطلنطي إلى نهر الفرات، وعلى كل دول البحر الأبيض المتوسط.

ولكن الإمبراطورية الحديدية الرومانية تفتتت تحت هجوم القبائل البربرية ولم تجيء سنة 476 بعد الميلاد إلا وكانت الإمبراطورية الرومانية قد انقسمت.    

وعلينا أن نذكر أن الله قد أعطى الحلم لنبوخذ نصر لكي يعرفه ما يكون في الأيام الأخيرة (دانيال 2: 28) كما أبقى تعبير الحلم لرجل عبراني ليعلن للملك الوثني الذي بدأت بحكمه "أزمنة الأمم" إن إعطائه السلطة الحاكمة على الأرض لا يعني الرفض النهائي لشعبه القديم.

ولعلنا نرى بوضوح أن التمثال العظيم البهي الذي يمثل الحكم الأممي على الأرض، يرينا أن حكم الأمم على الأرض سيتدهور في قيمته الفعلية بينما سيتصاعد في أمم كثيرة في قسوته وقوته العسكرية. فالتمثال الذي رآه نبوخذ نصر في حلمه والذي يمثل "أزمنة الأمم" يبدأ بالذهب الجيد، وينتهي بالحديد مختلطاً بخزف الطين.

وقد رأينا هذا في أساليب الحكم.. ففي أيام نبوخذ نصر كان عقاب العصيان أتون النار المتقدة، وفي أيام داريوس المادى كان عقاب العصيان الطرح في جب الأسود.. ومع الزمن تطورت طرق التعذيب ووصلت إلى انتهاك كل حرمات الإنسان.

وقد أعلن الله للملك نبوخذ نصر أن الحكم الأممي الذي يظهر بهياً وعظيماً يسير كل يوم نحو التدهور والانحطاط. من الذهب إلى الفضة إلى النحاس إلى الحديد المختلط بخزف الطين.

وعندما نصل إلى القدمين والأصابع في التمثال العظيم نرى أنفسنا أمام آخر مشاهد التاريخ، المشهد الذي سيتم في صورته النهائية في الضيقة العظيمة وقبل عودة الرب يسوع المسيح. ونرى أنفسنا في ذات الوقت مساقين إلى دراسة الإصحاح السابع من سفر دانيال، مع الإصحاحين الثالث عشر والسابع عشر من سفر رؤيا يوحنا.

ففي الإصحاح السابع من سفر دانيال نقرأ الكلمات"بعد هذا كنت أرى في رؤى الليل وإذا بحيوان رابع هائل وقوي وشديد جداًوله أسنان من حديد كبيرة. أكل وسحق وداس الباقي برجليه. وكان مخالفاً لكل الحيوانات الذين قبله. وله عشرة قرون" (دانيال 7: 7) وفي الإصحاح الثالث عشر من سفر الرؤيا نقرأ الكلمات "ثم وقفت على رمل البحر. فرأيت وحشاً طالعاً من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون وعلى قرونه عشرة تيجان وعلى رؤوسه اسم تجديف وتعجبت كل الأرض وراء الوحش... وسجدوا للوحش" (رؤيا 13: 1- 4).

وفي الإصحاح السابع عشر من سفر الرؤيا نقرأ الكلمات "ثم قال لي الملاك لماذا تعجبت. أنا أقول لك سر المرأة والوحش الحامل لها الذي له السبعة الرؤوس والعشرة القرون... العشرة القرون التي رأيت هي عشرة ملوك يأخذوا ملكاً بعد لكنهم يأخذون سلطانهم كملوك ساعة واحدة مع الوحش" (رؤيا 17: 7- 12).

عشرة أصابع في قدمي التمثال (دانيال 2: 41- 42).

عشرة قرون في الحيوان الهائل (دانيال 7: 7) .

عشرة قرون للوحش الصاعد من البحر (رؤيا 13: 1).

عشرة قرون للوحش الحامل للمرأة (رؤيا 17: 7- 12).

ودانيال يفسر أصابع التمثال العشرة بأنهم ملوك فيقول "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً (دانيال 2: 44).

ويفسر يوحنا القرون العشرة فيقول "العشرة قرون التي رأيت هي عشرة ملوك لم يأخذوا ملكاً بعد لكنهم يأخذون سلطانهم كملوك ساعة واحدة مع الوحش" (رؤيا 17: 12).

فأصابع التمثال العشرة هي نفسها العشرة القرون وهي تشير إلى عشرة ملوك يأخذون ملكاً مع الوحش الصاعد من الهاوية.

النبوة إذاً هنا تنتقل بنا لإلى أحداث الضيقة العظيمة، وبالتالي إلى عودة الرب يسوع المسيح الحجر الذي قطع لا بيدين.

ويجدر بنا أن نذكر هنا خلال حكم الوحش ومعه هؤلاء الملوك في الضيقة العظيمة، سيكون الحكم مزيجاً من القسوة التي لا تعرف الرحمة والتي يشير إليها الحديد ، والتي رأينا منها نموذجاً خلال الحكم النازي لألمانيا، وإلى التدهور الأدبي والاجتماعي، والأخلاقي، والاقتصادي الذي إليه يشير خزف الطين. في تلك الحقبة السوداء من تاريخ البشرية سيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ولده، وستكون الخيانة هي العنصر السائد في العلاقات البشرية، ويتفاقم الشر ويرتفع مده، ويسجد الناس للشياطين، وتكون المادة هي آلهتهم لأنهم سيسجدون لأصنام الذهب والفضة والنحاس والحجر والخشب، وستتدهور أخلاقهم إلى الحضيض فيتوغلوا في القتل والسحر والزنى والسرقة (رؤيا 9: 20) وعلينا أن نفهم أن الدول المتحدة تحت حكم الوحش سيكون بعضها في قوة الحديد وبعضها في ضعف الطين، ولن تكون وحدتها قلبية حقيقية بل مجرد مظهر لوحدة زائفة إذ "لن يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بخزف الطين" (دانيال 2: 43). إن هذه الوحدة القادمة تحت حكم الوحش ومعه الملوك العشرة كانت أمنية الكثيرين من الملوك والرؤساء.. كانت أمنية شارلمان، وتشارلس الخامس،ولويس الرابع عشر، ونابليون، والقيصر وليم الثاني، وأدولف هتلر.. ولقد قال نابليون ذات مرة "لن تستريح أوربا إلا تحت حكم إمبراطور واحد يعطي قواده لقب ملوك"

ولكن هذه الوحدة لن تكون كاملة حتى تحت حكم الوحش "وبما رأيت الحديد مختلطاً بخزف الطين فإنهم يختلطون بنسل الناس ولكن لا يتلاصق هذا بذاك كما أن الحديد لا يختلط بالخزف" (دانيال 2: 43). والحديد يشير إلى الحكام الأقوياء ونسل الناس يشير إلى عامة الشعب. وقد أعطى المفسرون عدة شروحات لهذا النص فقال بعضهم أن اختلاط الحديد بخزف الطين يشير إلى اختلاط الملوك أصحاب العروش بالشعب عن طريق الزواج. وكان دليلهم أن أوربا مرت بوقت كانت فيه الملكة فكتوريا ملكة انجلترا هي الجدة، وكان الملك كريستيان ملك الدانمارك هو الجد لغالبية الملوك المتوجين في أوربا. ولكن بعد الحرب العظمى الأولى زالت معظم ملكيات أوربا، ووصل إلى مراكز القوة أشخاص من عامة الشعب واختلط الحديد بالخزف. وقال مفسرون آخرون إن الحديد وخزف الطين يشيران إلى أنواع الحكومات المختلفة كالحكم الديمقراطي، أو الدكتاتوري، أو الشيوعي. وقال البعض الآخر من المفسرين إن الحديد يرمز إلى الحكم الملكي، وخزف الطين يرمز إلى حكم الشعب. ويقول المفسر المعروف "كيل" إن الذهب والفضة والنحاس يشيرون إلى نوع هذه الممالك، والحديد والخزف يشير إلى نوع الحكم في المملكة الرابعة واختلاط أصحاب التيجان بالشعب عن طريق الزواج.

    الأمر المهم في هذه النبوة كيفما كان تفسيرها هو ما ذكره دانيال "وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد. لأنك رأيت أنه قد قطع حجر من جبل لا بيدين فسحق الحديد والنحاس والخزف والفضة والذهب" (دانيال 2: 44). وهذا النص يشير إلى مملكة المسيح، هذه المملكة التي قال عنها جبرائيل الملاك للعذراء مريم "وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا سيكون عظيماً وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية" (لوقا 1: 31- 33). هذه المملكة إذاً قادمة، ذلك لأن المسيح في مجيئه الأول لم ينهي الحكم الأممي على الأرض، والقائلون بأن التبشير بالإنجيل سيجعل الأرض مع الزمن مملكة للمسيح يخطئون ضد كلمات النبوة التي تؤكد أن الزمن سيقود إلى الارتداد لا إلى مملكة السلام (اقرأ 2 تسالونيكي 2: 1- 5).

إن الرب يسوع المسيح هو الحجر الذي قطع من جبل لا بيدين. فالمسيح له المجد لم يولد عن طريق التناسل البشري، وليس للبشر يد في ولادته.إنه الحجر الذي قطع من جبل لا بيدين. والجبل هنا يشير إلى الله الجالس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال، وهو المكان الذي اشتهى إبليس أن يصل إليه بتمرد كما قال أشعياء "كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح. كيف قطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم. وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسي إلى فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال.. أصير مثل العلي" (أشعياء 14: 12- 14).

إن الرب يسوع هو الحجر الذي تنبأ أشعياء إلى مجيئه بالكلمات "لذلك هكذا يقول السيد الرب. هأنذا أؤسس في صهيون حجراً حجر امتحان حجر زاوية كريماً أساساً مؤسساً. من آمن لا يهرب" (أشعياء 28: 16) وقد أشار بطرس الرسول إلى هذا النص في كلماته " الرب.. الذي إذ تأتون إليه حجراً حياً مرفوضاً من الناس ولكن مختاراً من الله الكريم".. لذلك يتضمن أيضاً في الكتاب "هئنذا أضع في صهيون حجر زاوية مختاراً كريماً والذي يؤمن به لن يخزى. فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة وأما للذين لا يطيعون فالحجر الذي رفضه البناؤون هو صار رأس الزاوية وحجر صدمة وصخرة عثرة" (1 بطرس 2: 3- 8) وقد أشار الرب يسوع إلى نفسه باعتباره هذا الحجر في حديثه إلى الشعب بالكلمات "إذا ما هو هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. كل من يسقط على هذا الحجر يترضض. ومن سقط هو عليه يسحقه" (لوقا 20: 17- 18).

عندما يأتي يسوع ثانية سيأتي كحجر ساحق، ويلاشى من الوجود كل نظم الحكم الأممي، ولا يكون لملكه نهاية أي لن تستطيع قوة في الوجود أن تنهي ملكه كما انتهت الإمبراطورية البابلية بقيام الإمبراطورية الفارسية، وكما انتهت الإمبراطورية الفارسية بقيام الإمبراطورية اليونانية، وكما انتهت الإمبراطورية اليونانية بقيام الإمبراطورية الرومانية.. والمسيح الملك "لا يترك لشعب آخر" (دانيال 2: 44) وسيستمر ملكه إلى أن يتلاشى الزمن في الأبدية.

إن أصابع التمثال العظيم الذي رآه نبوخذ نصر تصل بنا إلى معركة هرمجدون، وبالتالي إلى الملك الألفي، ملك المسيح على الأرض، ملك السلام والكفاية والعدل.

هذا كله يتضح من الكلمات:

"وفي أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً.." (دانيال 2: 44).

وهؤلاء الملوك كما رأينا فيما سبق من حديث هم العشرة القرون الذين سيملكون مع الوحش الصاعد من الهاوية، وسيستمر ملكهم حتى يلاشيه الرب في معركة هرمجدون كما يقول سفر رؤيا يوحنا "والعشرة قرون التي رأيت هي عشرة ملوك.. هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك" (رؤيا 17: 12- 14).

ومتى يتم هذا كله؟

يقول يوحنا الرائي "ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب. وعيناه كلهيب نار وعلى رأسه تيجان كثيرة وله اسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو. وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى اسمه كلمة الله. والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزاً أبيض ونقي. ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم وهو سيرعاهم بعصا من حديد وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله القادر على كل شيء. وله على ثوبه وفخذه اسم مكتوب ملك الملوك ورب الأرباب" (رؤيا 19: 11- 16).

كل هذا سيكون إتماما لما رآه الملك نبوخذ نصر في حلمه وعبره له دانيال النبي، وما قاله المزمور الثاني، وما تنبأ به الأنبياء.

سمع الملك نبوخذ نصر تعبير الحلم "وخر على وجهه وسجد لدانيال وأمر بأن يقدموا له تقدمة وروائح سرور" (دانيال 2: 46). وينتقد النقاد دانيال لقبوله السجود والتقدمات قائلين إنه بهذا جعل نفسه إلهاً. ولكن القرينة ترينا أن إكرام الملك لدانيال لم يكن إكراماً لشخصه بل كان إكراماً لإلهه. لقد أكرمه نبوخذ نصر باعتباره سفيراً لهذا الملك العظيم ويتضح هذا من كلمات نبوخذ نصر "فأجاب الملك دانيال وقال. حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار إذا استطعت على كشف هذا السر" (دانيال 2: 47).

وانتهت الأزمة الرهيبة التي كانت تقضي على حياة دانيال وأصحابه بتعظيم دانيال، وبتوليه أصحابه في أعظم المراكز "حينئذ عظم الملك دانيال وأعطاه عطايا كثيرة وسلطه على كل ولاية بابل وجعله رئيس الشحن على جميع حكماء بابل" (دانيال 2: 48).

وهكذا "من الآكل خرج أكل ومن الجافي خرجت حلاوة" (قضاء 14: 14).

ولم ينس دانيال أصحابه، فقد كان مثال الولاء في صداقته "فطلب دانيال من الملك فولى شدرخ وميشخ وعبدنغو على أعمال ولاية بابل. وأما دانيال فكان في باب الملك" (دانيال 2: 49).

فلا تجزع يا أخي ولا تفزع حين تصطدم بأزمة خطيرة تظن أن لا مخرج منها، بل الجأ إلى الله وثق بعنايته، ورعايته، ومحبته، وقدرته، وقل مع إمام المغنين "الله لنا ملجأ وقوة. عوناً في الضيقات وجد شديداً. لذلك لا نخشى ولو تزحزحت الأرض ولو انقلبت الجبال إلى قلب البحار" (مزمور 46: 1- 2) وستخرج من أزمتك لامعاً كالذهب المصفى بالنار، وقد ازددت نعمة، وحكمة، وبركة، ونجاحاً في كل دوائر حياتك.

أضف تعليق


قرأت لك

ثلاثة أسئلة

قال الطالب لأحد المبشرين بعد خدمة تبشيرية: "أريد أن أسأل الله ثلاثة أسئلة. أولا: "لماذا سمح بولادتي، ثانيا: لماذا جعلني خاطئاً، ثالثا: لماذا يريد ان يدينني؟". فقال المبشّر "أولاً، سمح الله بولادتك ليعطيك فرصة الخلاص والحياة الابدية معه، ثانيا: الله لم يخلقك خاطئاً بل الخطية دخلت الى العالم بواسطة الشيطان، ثالثاً: الله لا يريد ان تهلك بسبب خطاياك لأنه يحبّك وأعد طريقاً لخلاصك اذا آمنت وقبلت المسيح". فتأثّر الطالب واعترف بخطاياه وقبِلَ المخلّص.