تفاسير

الأصحاح الثاني

القسم: سفر راعوث.

فقال لها بوعز ألا تسمعين يا بنتي، لا تذهبي لتلتقطي في حقلِ آخر، وأيضاً لا تبرحي من هنا، بل هنا لازمي فتياتي ( ع 8)

ثم تكلم أخيراً بوعز إلى راعوث، ولنلاحظ أن المبادرة جاءت أولاً من جانب راعوث في الالتقاط، وهكذا قادتها العناية الإلهية التي تجاوبت مع قلبها إلى حقل بوعز، وهنا يأخذ بوعز زمام المبادأة بالتمام في يديه.

كان بوعز يشجع هؤلاء الذين في حقله، ويقودهم خطوة بعد خطوة إلى أن يصل بهم إلى البركة الغزيرة. وأنَّى لهؤلاء الفقراء أن يصلوا إلى ذلك من ذواتهم؟ كان هو «جبار البأس» الذي يريد أن يقودهم، والقادر على أن يفعل ذلك. كان شوق قلبه أن يكون لهؤلاء الذين حوله الثقة الكاملة فيه، حتى يعطيهم حسب غنى محبته وقدرته.

ويتكلم بوعز إلى راعوث بكلمات رقيقة جعلتها حالاً تشعر أنها وجدت نعمة في عينيه. إنه مثال رائع لنا لنتبعه، فهل نحن نعتني بالمؤمنين الأحداث الذين بيننا؟ وهل نشجعهم حتى نساعدهم في نموهم الروحي. إن هذا ليس عمل الشيوخ من المؤمنين فقط، بل أيضاً الشباب لهم أن يؤدوا مثل هذه الخدمة.

في سفر الأمثال ص 25:12 نقرأ «الغم في قلب الرجل يحنيه، والكلمة الطيبة تفرحه»، والعالم مليء بالمثقلين، بل إن كثير من المؤمنين قد أحنت كاهلهم التجارب، ولكننا كثيراً ما نضن عليهم بكلمات قليلة مشجعة، كما لو أن كل كلمة طيبة كهذه تكلفنا ثمناً باهظاً.

بسمةٌ بالحب تمحو
ويدٌ بالرفق تهدي
آهِ من نقد يدينُ
هبنا يا رب شفاهاً
ولساناً بلساناً
 

 

ذكرى أحزانٍ طويلةْ
بعض خطواتٍ ثقيلةْ
يُذوي لا يُذكي الفتيلةْ
وفماً حلوَ المقولةْ
يبرئُ النفسَ العليلةْ
 

لو أننا قارنا نتائج الآيات والعجائب الكثيرة التي صنعها الرب يسوع بنتائج كلماته التي تكلم بها سنجد أن المعجزات والآيات لم تثمر تغييراً في الكثيرين كما فعلت كلماته.

في يوحنا 23:2 نقرأ «آمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع» ولكن في العدد التالي مباشرة يستطرد «لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه، لأنه كان يعرف الجميع». فالآيات والعجائب لها تأثير على الحواس، بل وعلى الذهن أيضاً، ولكنها قلما تصل إلى الضمير. أما كلمات الرب فقد ردت ملايين إلى الله على مر العصور، كما كانت فيها تعزية لكثيرين، وهو يريدنا أن نتَّبع نهجه هذا. لذلك يقول بروح النبوة في إشعياء 4:50 «أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المعييَ بكلمة. يوقظ كل صباح، يوقظ لي أذناً لأسمع كالمتعلمين». كم أخشى أن تكون رغبة الكثيرين منا أن يكون لهم «لسان المتعلمين» لكي نتباهى به بعلمنا وفصاحتنا. أما الرب فلم يكن له «لسان المتعلمين» لغرض كهذا، بل كما تغنى عنه بنو قورح قائلين «أنت أبرع جمالاً من بني البشر. انسكبت النعمة على شفتيك. لذلك باركك الله إلى الأبد» (مز 2:45).

ألا تمس قلوبنا كلمات الروح القدس في كولوسي 17:3 «كل ما عملتم بقول أو فعل». وهل نحن نعطي للقول أهميته كما للفعل؟ قد لا تكون لنا نظرة كهذه، ولكن كلمة الله كثيراً ما تعتبر القول فعلاً. وما أكثر ما نعمله بالقول، نستطيع به أن نعمل شراً، كما نستطيع أن نعمل به خيراً. ولكي نعمل به الخير دائماً يلزمنا أن نكون أكثر قرباً إليه، ذاك الذي قال «تعلموا مني» كما كان هو يتعلم لما كان على الأرض (إش4:50)

والرب يريد أننا «لا نذهب لنلتقط في حقلِ آخر» حيث لا يكون هناك اعتراف كامل بسلطانه، وحيث لا تعطى الحرية الكاملة للروح القدس في توجيه كل شيء. صحيح أن الرب هو الذي غناه لا يستقصى، وكل الحقول تخصه، وعنده من الخير الوفير ما يكفي لإشباع كل احتياج لنا، ولكن في «حقله» هو الذي يرتب كل شيء، فليس هناك مكان لإرادة الإنسان، بل في حقله يتحقق مبدأ «الروح هو الذي يحيي، أما الجسد فلا يفيد شيئاً». هذا ما لا يستريح إليه المؤمن الجسدي، لذلك «من هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء، ولم يعودوا يمشون معه» (يو 60:6-69). عندئذ سأل الرب الإثني عشر «ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا؟» فالذين سبق ومضوا كانوا "تلاميذ"، وظلوا حتى بعد هذا "تلاميذ"، ولكن لم تعد لديهم الرغبة في السير وراء الرب. فأن أسير وراءه في طاعة مطلقة دون أن يكون لي رأياً أُبديه فهذا كثير جداً على الجسد أن يتحمله.

ولا شك أن الرب سُر كثيراً وامتلأ قلبه بالفرح حين سمع كلمات بطرس «يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك». كان هذا تعبيراً عن كفاية الرب الكاملة لقلوبهم، فتلك كلمات من يشعرون بأن الحياة الحقيقية والبركة لا توجدان إلا في عيشة الشركة معه، فصارت رغبتهم أن تتشكل حياتهم حسب حكمته ومحبته وقوته.

«لا يقدر أحد أن يخدم سيدين...لا تقدرون أن تخدموا الله والمال» (لو 13:16). كذلك لا يمكن أن نخدم الرب يسوع مع العالم أو ذواتنا، ولكننا أحياناً نحاول ذلك، وهذا هو السبب في برودة القلب وأحزانه التي عند الكثيرين بيننا. كان السبب الذي جعل بني إسرائيل يبكون لأول مرة بعد خروجهم من أرض مصر هو وجودهم في شركة غير مقدسة مع اللفيف الذي في وسطهم (عد 14:11).

ويقول نحميا «في تلك الأيام أيضاً رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات، ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يحسنوا التكلم باللسان اليهودي» (نح 23:3و24). وكم من المؤمنين في هذه الأيام ينطبق عليهم مثل هذا الوصف، فقد يبدأون كلامهم كما لو كانوا قد أتوا لتوهم من حقل بوعز، ولكنهم سريعاً ما يتحولون إلى لغة حقول الآخرين. والنتيجة أن أولادهم لا يحسنون التكلم «بلغة الأرض».

قد نأخذ حسب الظاهر مركز الانفصال، ونوجد في الحقل الذي لا سلطان فيه إلا لبوعز، حيث «الغلام الموكل على الحصادين» يقود ويحرك كل عمل، فإذا كنا بعد ذلك ننتقل إلى أي مكان آخر لا يعترف بسلطان الرب المطلق، وليس فيه حرية كاملة للروح القدس، فإننا بذلك نظهر عدم اكتفائنا بالرب، وعدم ثقتنا فيه وفي محبته وقدرته، كما أننا بهذا نبدي عدم استعدادنا لإخضاع إرادتنا له حتى نسأله «ماذا تريد يارب أن أفعل؟».

إن الله يريد لنا الاكتفاء والانفصال. «هوذا شعب يسكن وحده» (عد 9:23). «كونوا قديسين (أي منفصلين) لأني أنا قدوس» (1بط 14:1-17). فهو يسر بالحق في الباطن، في الإنسان الداخلي. فإن كنا قد أخذنا مكاننا كمنفصلين فعلينا أن نمارس الانفصال عملياً. عندئذ يستطيع الله أن يقول عنا أيضاً «هؤلاء هم الذين يتبعون الخروف حيثما ذهب» (رؤ 4:14).

قد تقول إنك لم تر مظاهر للقوة بين هؤلاء الذين يجتمعون على هذا النحو من الانفصال، وقد تكون على صواب فيما ذهبت إليه، إذ أن القوة ليست من الإنسان، بل من الله. وكيف تتوقع أن ترى مظاهر القوة فيمن يقول الرب عنهم «لك قوة يسيرة» (رؤ 8:13). ولكن ما هي القوة الحقيقية؟ نستطيع أن نقرأ عنها في 1ملوك 19. فلم يكن إيليا أيضاً مقتنعاً بما ظهر من قوة الله. لذلك قال له الله «اخرج وقف على الجبل أمام الرب، وإذا بالرب عابر، وريح عظيمة وشديدة قد شقت الجبال وكسرت الصخور أمام الرب، ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلة، ولم يكن الرب في الزلزلة. وبعد الزلزلة نار، ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت منخفض خفيف. فلما سمع إيليا لف وجهه بردائه وخرج ووقف في باب المنارة، وإذا بصوت يقول له مالك ههنا يا إيليا؟»

لربما يقول الإنسان الطبيعي أو المؤمن الجسدي عن الريح الشديدة، والزلزلة والنار: ما أعظمها قوة وما أرهبها. قوة تأكل المضادين، تغير المشهد. ومع أن هذا صحيح، والله يستخدمها بالفعل، ولكنه ليس فيها. أما عن الصوت المنخفض الخفيف فالإنسان الطبيعي يقول: ما أضعفها حالة، ولكن الله في هذا. فالصوت المنخفض الخفيف هو الذي جعل إيليا يخرج من المغارة ويلف وجهه بردائه، ويتضع ويخضع خضوعاً حقيقياً، حتى أن الرب استطاع أن يعلمه ويلقنه ما الذي يجب أن يفعل بعد ذلك. «ليس بالقوة ولا بالقدرة بل بروحي قال رب الجنود» (زك 6:4، 1كو 1:2-5، 2كو 9:12-10)

«لا تبرحي من ههنا، بل هنا لازمي فتياتي» يبدو للوهلة الأولى أن هذه الكلمات ما هي إلا تكرار للعبارة السابقة لها التي يقول فيها بوعز «لا تذهبي لتلتقطي في حقل آخر»، ولكنها ليست كذلك. فالمقصود هنا أننا يجب أن نلتمس الشركة والرفقة الصحيحة داخل حقل بوعز، فليس كل من وجد في حقل بوعز على نفس الدرجة من السمو الروحي.

كانت رفقة - وهي رمز للكنيسة - عذراء لم يعرفها رجل كما يذكر الوحي صراحة في تكوين 16:24، وكان ذلك أحد مسوغات زواجها من اسحق. كذلك كان الكاهن العظيم غير مسموح له أن يتزوج إلا من عذراء (لا 13:21،14). هكذا أيضاً يقول الرسول بولس في 2كورنثوس 2:11 «لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح». كما أننا نقرأ في رؤيا 14 عن المائة والأربعة والأربعين ألفاً «الذين لم يتنجسوا مع النساء لأنهم أطهار» فمـا هو الزنى إذاً حسب لغة الكتاب المقدس؟ هذا ما يوضحه لنا حزقيال (ص 26:16-29) أن الزنى هو هدم سور الانفصال، والدخول في شركة مع غير الرب أو مع العالم بدلاً من الشركة مع المسيح.

إننا نكون في وضع عدم الانفصال إلى المسيح وحده حينما تكون لنا شركة مع العالم، سواء في عداوته السافرة لله، أو ربما تحت ستار المسيحية الاسمية. ولكن ليس كذلك من هم في حقل بوعز، حيث كل شيء خاضع لسلطان الرب الممجد في السماء، الذي يشير إليه بوعز. إلا أنه من الوجهة العملية للأسف، يوجد بين هؤلاء الذين في حقل بوعز بعض ممن لم يحفظوا طهارتهم. فهم ليسوا للرب وحده، بل لهم شركة أيضاً مع العالم «لأن كثيرون يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مراراً، والآن أذكرهم أيضاً باكياً، وهم أعداء صليب المسيح»، «صليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم» (في 8:3، غل 14:6). لذلك يريد الرب منا أن نطلب الشركة والرفقة الروحية. «أما الشهوات الشبابية فاهرب منها، واتبع البر والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي» (2تي 22:2). كان هذا تحريضاً للذين يحيون في انفصال حسب الظاهر، ولكن هذا الانفصال الظاهري لا يكفي، فقد لا تصحبه الطهارة الداخلية واتباع البر والإيمان والمحبة والسلام. فليس ممكناً أن ننمو في النعمة إذا كانت شركتنا مع مؤمنين جسديين أو عالميين، أو غير فاهمين للحق. فإن كنا نبغي لأنفسنا نمواً روحياً فعلينا أن نجعل شركتنا مع أولئك الذين يحققون في حياتهم تعليم كلمة الله، الذين قلبهم موحد للرب يسوع المسيح، ولا يشركون فيه العالم معه. وهكذا فقط يمكننا أن ننال بركة من الرب.

أضف تعليق


قرأت لك

ترنيمة شيلوه

أرنم، تقول كيف يمكن أن نرنم والكنيسة في مثل هذه الحالة، والقضاء وشيك الوقوع؟ وهذا ما حدث تماماً مع حنة عندما ترنمت ترنيمة شيلوه فقد كانت كطائر محلق يغني.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة