تفاسير

الأصحاح الرابع

القسم: سفر راعوث.

فهرس المقال

وصعد بوعز إلى الباب، وجلس هناك، وإذا بالولي الذي تكلم عنه بوعز عابر. فقال مل واجلس هنا يا فلان الفلاني. فمال وجلس. ثم أخذ عشرة من شيوخ المدينة وقال لهم اجلسوا هنا. فجلسوا ( ع 1 و2)

إن مدينة الله (مز 3:87) هي المكان الذي يسكن فيه الله، وهي ليست هيكل الله، وإنما يسكن الله في الهيكل، والهيكل يقع في مدينة الله. وفيها أيضاً يقيم كل هؤلاء الذين يساكنون الله، الذين يجتمعون حول بيت ومسكن الله. هناك لك أن تجد الحياة بكل ما تعنيه في كل ما يعمله هؤلاء الذين يسكنون معاً في حضرة الله نفسه.

وفي المدينة «استوت الكراسي للقضاء» (مز 5:122) «قضاة وعرفاء تجعل لك في جميع أبوابك التي يعطيك الرب إلهك حسب أسباطك. فيقضون للشعب قضاءً عادلاً» (تث 18:16). وإني أعتبر أنه حيثما ذكرت "المدينة" في كلمة الله ففيها نرى الكنيسة في صورتها التدبيرية والقضائية على الأرض. هذا مصور لنا في صورته الكاملة عندما نرى «المدينة (العظيمة) أورشليم المقدسة نازلة من السماء من عند الله» (رؤ 10:21). هذه هي الكنيسة الممجدة في الملك الألفي، ونجد في وصفها ما يؤكد صفتها التدبيرية والقضائية. فعلى سبيل المثال يتكرر رقم (12) في وصفها.

ذهب بوعز إلى هذا المكان إلى المدينة ليحل قضية راعوث. فهو الآن يمكنه أن يفعل ذلك، إذ قد خضعت راعوث له، وقد جلست وهدأت. وهاهو الآن في باب المدينة، على مشهد من شيوخ المدينة ليتمم هذا الأمر. ولنلاحظ أنه صعد إلى الباب إذاً فهو مكان عالٍ، وليس كالبيدر الذي يلزم للإنسان أن ينزل إليه.

ولنا أن نتعلم من ذلك الكثير. فبوعز لم يصعد بالأمر إلى الباب فور لقائه مع راعوث لأول مرة، بل انتظر حتى جاءت إليه في الموضع الذي يستطيع فيه أن يعطيها الستة من الشعير، إذ كانت قد مكثت طويلاً عند قدميه في مركز الموت. كم يكون الضرر والتشويش، والنتائج المؤلمة التي تنتج عن عرض حالة شخص على الإخوة وهم مجتمعون وذلك قبل أن تنضج حالة هذا الشخص. فبلغة سفر راعوث يكون مثل هذا الشخص قد حصل على مكيال واحد من الشعير، أي أنه مازال عند الخطوة الأولى. ولكن علينا من الوجهة الأخرى أن نتذكر - مع رغبتنا في أن نساعد هذا الشخص بنعمة الرب - أن الخطوة الأخيرة نحو البركة الكاملة هي التي يجب أن تأتي به إلى المدينة، لعرض أمره على الشهادة المحلية. فالكنيسة بحسب ترتيب الله هي الكيان المنوط به تدبير الأمور الروحية على هذه الأرض.

ومع أن بوعز صعد بالمسألة إلى الباب، وتناولها في حضور الشيوخ، إلا أنه كان يتكلم بسلطان. فقد أدار هو الحوار. ومع أن الرب هو الذي وضع «الكراسي للقضاء» عند اجتماع اثنين أو ثلاثة إلى اسمه (مت 17:18-20، 1كو 4:5 و13)، إلا أنه هو وحده الذي له السلطان في وسطها. فالسلطان هو للرب الذي في وسط الاثنين أو الثلاثة ونحن ما علينا سوى أن نفعل ما فعله الشيوخ العشرة، نسمعه هو وحده، ونصادق على قراراته، وأن نشهد لها (ع11).

كان الولي الأقرب الذي تكلم عنه بوعز عابراً. ولم يكن هذا الولي قد أبدى قبلاً، وحتى هذه اللحظة، أي اهتمام تجاه نعمي أو راعوث. لذلك كان على بوعز أن يعرض عليه أن يتحمل مسئوليته في هذه القضية. هل معنى ذلك أن هناك فادياً آخر؟ أو هل يمكن أن يخلص إنسان بدون نعمة الله وعمل الرب يسوع على الصليب؟ نظرياً نعم. لذلك نقرأ في رومية 6:2،7 أن الله يعطي حياة أبدية لأولئك الذين «بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء». كذلك حزقيال 20:18-28 يقول لنا أن هذا صحيح، حتى بالنسبة للذين سبق وعاشوا مرة في بعد تام عن الله.

لكن ليس هذا هو إنجيل النعمة. فنحن نجد هنا خلاصاً مقدماً على مبدأ الإيمان، الذي هو بشارة المسيحية، وإنما نجد هنا خلاصاً مؤسساً على الأعمال. فهو الناموس ممزوجاً بالنعمة، وهذا ما نجده في معاملات الله مع إسرائيل بعد أن صنعوا العجل الذهبي، بعد أن كسر موسى لوحي الناموس الأولين. كان الناموس ممتزجاً برحمة، ومع ذلك فقد كان هذا خلاصاً على مبدأ الأعمال. وهو بذلك في تناقض تام مع الإنجيل. «فإن كان بالنعمة فليس بعد بالأعمال، وإلا فليست النعمة بعد نعمة» (رو 6:11). صحيح أن الله أعطى الناموس لإسرائيل فقط، فلم يضع الله إنساناً واحداً من خارج إسرائيل تحت الناموس. ولكن يبقى مبدأ المسؤولية سائداً على كل الجنس البشري. وأين نجد مقياساً لمسئولية الإنسان مثل ما نجده في الناموس؟ وهانحن نرى رحمة الله تجاه الإنسان المذنب وهو تحت المسؤولية تتعاظم، حتى أن الخاطئ الذي يتوب ويعود ويستمر في صنع الوصايا المقدسة بعمل الخير، فإن الله لا يذكر آثامه فيما بعد. فلو أن للإنسان أقل قوة لصنع الخير لكان الناموس قادراً حقاً على أن يخلصه من دينونة الله (خر 22:18). هذا ما نراه رمزياً في الولي الآخر الذي كان أقرب إلى راعوث من بوعز.

ولكن - بكل أسف - فإن الإنسان ليس لديه أي قوة لصنع الخير. لذلك فهو لا يستطيع أن يخلص سوى بالنعمة. فحاجته ليست إلى الناموس، بل إلى المسيح. وليس هناك ما هو أشق على كبرياء قلب الإنسان من أن يقبل هذه الحقيقة. لهذا السبب كان لابد أن يعطي الله الناموس أولاً، ليظهر لنا أنه «بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه» (رو 20:3). وبعد أن أظهر الناموس أنه بلا قوة للخلاص جاءت النعمة متجسدة ومعلنة في شخص ابن الله «أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا» (يو 17:1).

هذا أيضاً هو تاريخ كل مؤمن. فعندما شعرنا بخطايانا تمسكنا على الفور بالناموس، إذ كنا نريد أن نخلص أنفسنا من سلطان الخطية. ويشرح لنا رومية 7 صورة من هذا الصراع الرهيب. والله يسمح بهذا، بل إنه في الحقيقة يقودنا لأن ندخل في هذا الصراع الذي لا رجاء منه، حتى ندرك عجزنا التام، فنصرخ «ويحي أن الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت». ولنلاحظ أننا حينئذ لم نعد نسأل «ماذا ينقذني» بل «من ينقذني». فقد أدركنا أننا نحتاج إلى شخص لكي يخلصنا، عندئذ يرينا الله الفادي الوحيد، فنقول «أشكر الله بيسوع المسيح ربنا» (رو 24:7،25).

أخذ بوعز على عاتقه قضية راعوث، فدعا الولي الآخر الأقرب منه، حتى ما يظهر كيف أن هذا الولي غير قادر على فداء راعوث. أما بوعز فكان عنده من اهتمام المحبة الثابت العميق نحو راعوث ونعمي ما لم يكن عند ذلك الولي الآخر، الذي لم يزعج نفسه من أجلهما، بل لم يبدِ أي اهتمام بقضيتهما حتى اعترضه بوعز وواجهه بالأمر. هكذا أيضاً بذل الرب يسوع نفسه عنا بدافع المحبة لنا، محبته نحو كنيسته، إذ كان يريد أن يتحدنا معه. أما الناموس فليس فيه محبة ولا يستطيع أن يعلن ذاك الذي هو محبة (1يو 8:4،16).

والحق أيضاً قد صار بيسوع المسيح، فالنعمة لا تعمل أيضاً في تعارض مع الحق، وكلاهما لا يناقض الآخر. وهذا هو السبب الذي لأجله أخذ بوعز عشرة رجال من شيوخ المدينة ليكونوا شهوداً.

إن الوصايا العشر هي جوهر الناموس، وهي لابد لها أن تشهد لحقيقة أن الناموس لا يستطيع أن يخلص. إن سؤال رومية 7 يكون سهلاً وسريع الإجابة لو أننا أخذنا بشهادة الوصايا العشر، وبها فقط. فلو اعتبرناها المقياس الوحيد لنا لعرفنا سريعاً أنه لا رجاء لنا في الجسد الواقع تحت سلطان الخطية. ولكننا نظن خطأ أن الله ليس مصراً على كل وصايا الناموس العادلة، ونتصور أنه سيقنع بمقياس أقل. صحيح أن نعمة الله ورحمته هي بلا حدود، فهو طويل الروح وكثير الرحمة. ولكنه لابد أن يطالب بوصاياه المقدسة العادلة، فهو لا يستطيع أن ينكر نفسه.


ثم قال للولي إن نعمي التي رجعت من بلاد موآب تبيع قطعة الحقل التي لأخينا أليمالك. فقلت إني أخبرك قائلاً اشترِ قدام الجالسين وقدام شيوخ شعبي. فإن كنت تفك ففك، وإن كنت لا تفك فأخبرني لأعلم. لأنه ليس غيرك يفك وأنا بعدك. فقال إني أفك ( ع 3 و4).

قبل أ ن يتحقق فداء راعوث كان لابد لها أن تجد أجوبته لثلاثة أسئلة:

أولاً: هل هناك وليٌّ آخر؟ ليس السؤال هل هناك شخص غني، عنده شفقة كبيرة على نعمي وراعوث. فمثل هذا إن لم يكن ذا قرابة لهما فلن يكون له حق الفكاك. لذلك كان لابد للرب يسوع أن يشترك في اللحم والدم ليصبح فادياً لنا (عب 14:2). كان ينبغي أن يصير إنساناً حتى يبذل نفسه فدية لأجلنا (1تي 5:2 و6). ولكن الله عيَّن الناموس ليكون الولي الأقرب، كما رأينا في ع2. ولكن «ليس الروحاني أولاً بل الحيواني، وبعد ذلك الروحاني» (1كو 46:15).

ثانياً: هل هذا الولي قادر على أن يخلص راعوث ونعمي؟ كان بوعز له حق الفكاك، كما كان في قصده أن يفعل ذلك، ولكن ماذا لو لم يكن لديه ما يكفي لدفع الثمن؟ هل كان امتلاكه هذا الحق، وحسن نواياه تكفي؟ كان القريب الأقرب - الذي هو الناموس - قادراً على أن يفك الميراث، ولكنه عجز عن أن يفدي راعوث ونعمي الوارثتين له. أما بوعز، جبار البأس (1:2) فقد كان قادراً على دفع الثمن. وقد دفع ربنا يسوع ثمن فدائنا، وكم كان عظيماً. «الأخ لن يفدي الإنسان فداءً. ولا يعطي الله كفارة عنه. وكريمة هي فدية نفوسهم فغلقت إلى الدهر» (مز 7:49 و8). «فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو الغني، لكي تستغنوا أنتم بفقره» (2كو 9:8). وفي متى 46:13 نرى تصويراً لهذا الثمن الباهظ الذي كان على الرب أن يدفعه، فكالتاجر باع كل ما كان له، فأخلى نفسه (في 6:2-8). بل إنه كابن الإنسان أطاع، ونحى جانباً قداسته- ونحن نقول هذا بكل حذر - حين حمل خطايانا في جسده، وجُعل خطية لأجلنا، حتى أنه ترك من الله، ثم أخيراً وضع حياته. حقاً لقد باع كل ما له ليشتري ويفتدي الكنيسة، فياله من مخلص.

ثالثاً: هل كان الولي مستعداً لأن يفك؟ كان بوعز له الحق في أن يفك، وكانت عنده الإمكانيات اللازمة لذلك، ولكن ماذا لو أنه لم يكن يرغب في أن يفعل ذلك؟ لم تكن هناك قوة على الأرض تستطيع أن ترغمه على أن يفدي راعوث المسكينة، ويفك ميراثها. هكذا أيضاً بالنسبة للرب يسوع، كان قصده أن يفدينا. ويعطينا الكتاب براهين كثيرة على ذلك، إذ يتكلم كثيراً عن محبة المسيح. لم تكن مجرد شفقة تلك التي دفعته ليفدينا، بل هي المحبة محبة المسيح التي بلا حدود - كانت محبته قادرة على أن تقهر كل شيء، حتى الموت تحت قضاء الله القدوس الذي يكره الخطية (نش 6:8 و7). أما الناموس فلا يعرف المحبة، وإنما يعرف البر فقط، لهذا فهو ليس على استعداد لأن يفدي.

طبقاً للنص الماسوري فإن نعمي كانت قد باعت أرضها. ولكن معظم الترجمات نقلت الفعل في المضارع - "تبيع" - وهذا في الواقع ما يتفق مع القرينة (اقرأ عددي 5 و9). والفارق بين الفعل في المضارع وفي الماضي هو في تحريك (أي تشكيل) حرف واحد. لذلك يمكن استخدام زمني الفعل كل محل الآخر وبنفس معناه. إذ أن النسخ الأصلية العبرية كانت تغفل حركة الحروف أو تشكيلها وتكتب الكلمات بدون تشكيل، ثم تم تحريك الحروف في المخطوطات التي كتبت بعد ذلك بعدة قرون. لذلك فكلتا القراءتين صحيحة نصاً، وكلتاهما صحيحة من جهة قيمتها الروحية أيضاً.

إن ثياتيرا، التي هي كنيسة روما الكاثوليكية في العصور الوسطى، قد باعت بالفعل مركز المسيحية الحقيقية، وصفتها السماوية، واستبدلتها بحكومة على الأرض، إلا أنها بقيت على تمسكها بحق الكنيسة الواحدة، وإن كانت قد أفسدته، إذ خرجت عن المكتوب بتعليمها بأنه لا خلاص خارج الكنيسة. فكل شيء فيها جماعي، وليس فيها شيء فردي. وهذا لا يتفق مع الكتاب المقدس. صحيح أن الكنيسة تشغل مساحة كبيرة من صفحات الكتاب المقدس، ولكن تبقى أمور كثير فردية يتناولها المكتوب. فكل فرد يجب أن يأخذ فردياً اختبار التحول والرجوع إلى الله. ويجب أن يكون لنا سلام شخصي مع الله، وأن ننال الروح القدس، وأن نعترف بسلطان الرب يسوع على حياتنا الشخصية. كل هذه أمور لا تتصل بالكنيسة. والرب يسوع ليس هو رب الكنيسة، بل هو رأس الكنيسة، وما نحن سوى أعضاء جسد المسيح، وقد صرنا كذلك فقط بعد أن تغيرنا وبعد أن وجدنا السلام مع الله، وختمنا بالروح القدس (1كو 12،13).

وكرد فعل لتعليم روما هذا رفضت البروتستانتية - التي هي ساردس - كل ما هو جماعي، وجعلت كل الأشياء فردية أو شخصية. فلم تعلم فقط بأن الإيمان يجب أن يكون شخصياً، ولكنها من جهة الكنيسة أنشأت كنائس كثيرة، ولكل واحد أن ينضم للكنيسة التي يختارها. فأينما وجد الإنسان الجماعة التي تتفق مع فكره فإلى هناك ذهب.

حقاً لقد باعت نعمي قطعة الأرض التي لأليمالك، الأرض التي كانت فيها تُحفظ حقوق الرب، إذ معنى اسمه "إلهي ملك". ولكنها كانت لا تزال تبيعها أيضاً، فلم يعد هناك اعترافاً في الكنيسة بالمركز المسيحي. كما أصبحت حقيقة الكنيسة الواحدة - كنيسة الله الحي- مرفوضة. ومركز المسيحي حُطَّ به إلى مركز اليهودي تحت الناموس، حتى أن الرب لم يعد يستطيع أن يعترف بهؤلاء الذين ادعوا أنهم مسيحيون بأنهم كذلك فعلاً، بل يصفهم بأنهم "موتى". الانقسامات الكثيرة بين المؤمنين - التي تصفها كلمة الله بأنها من الجسد، والذات، والطبيعة القديمة - أصبحت ينظر إليها باعتبارها أمر حسن، حتى قيل "إن الكنائس المختلفة تعكس شيئاً من مجد الله، إذ أن كنيسة واحدة لم تكفِ لأن تفعل هذا"..."هي مثل أوتار العجلة، تشد إطارها، وترتبط جميعها في محورها".

إن الناموس، كمبدأ المسئولية، يستطيع أن يفك الميراث، بل هو يريد ذلك. فهو يستحضر الحق الإلهي إلى الضمير، ويطالب بإطاعة هذا الحق. إنه يستطيع أن يحث النفس التي اهتدت على أن لا تبقى بعد في عبودية الخطية، بل أن تثبت في الحرية (غل 1:5). يستطيع أن يقول للنفس أنها جلست في المسيح في السماويات، وأنها يجب أن تحيا هكذا عملياً. ولكن متى وضع أحد نفسه تحت الناموس، حتى لو كان مولوداً ثانية، فإنه لن يستطيع أن يثبت في الحرية. فالذين هم تحت الناموس هم في مركز العبيد (غل 1:5). علاوة على ذلك فإننا عندما نأخذ مركز الإنسان الطبيعي على الأرض فكيف نستطيع أن نحيا عملياً كمن أُقيموا وأُجلسوا في السماويات (أف 5:2 و6). إذا كان شخص عبداً للخطية (رو 23:7) - وهو في هذه الحالة لا يكون منتسباً إلى كنيسة الله الحي، إذ أنه لا يكون قد ختم بالروح القدس - فإنه لا يستطيع أن يأخذ مكانه كعضو في جسد المسيح، حتى ولو دعا نفسه مسيحياً ألف مرة. إذاً لابد أن يعتق الإنسان، تماماً كما يعتق الميراث.


فقال بوعز يوم تشتري الحقل من يد نعمي تشتري أيضاً من يد راعوث الموآبية امرأة الميت لتقيم اسم الميت على ميراثه. فقال الولي لا أقدر أن أفك لنفسي لئلا أفسد ميراثي. ففك أنت لنفسك فكاكي لأني لا أقدر أن أفك" ( ع 5 و6).

نأتي هنا إلى لب الموضوع، فالمسألة لم تكن مجرد فداء الميراث، بل كان يلزم أن يقوم وارث جديد. فالمالك الشرعي للميراث الذي وهبه الله له (لا 23:25، رؤ 5:2) قد مات (رؤ 10:3). ولكن لكي يأتي هذا الوارث كان لابد له أن يأتي بواسطة راعوث الموآبية. وكيف كان للناموس أن يرتبط براعوث، كان هذا مستحيلاً، أن الناموس نفسه قال إن الموآبي لا يدخل في جماعة الرب حتى الجيل العاشر. فمثل هذا الأمر يقوض أحكامه، ويزيل عنه قوته ومجده. لذلك كان ذلك الولي سيفسد ميراثه لو أنه تزوج براعوث.

هناك مبدآن هامان نجدهما في المكتوب، هما مبدأ المسئولية ومبدأ النعمة. وكلمة الله لا تربط بينهما أبداً. قد نفعل نحن ذلك كثيراً لضرر أنفسنا. ولكن متى تكلمت كلمة الله عن النعمة فكل شيء يكون أكيداً ومؤَّمناً، إذ يكون كل شيء من صنع الرب. وعندئذ نستطيع أن نستريح في سلام وأمان إذ لابد أن الكل «يرَوْن قدام الله في صهيون» ولكن ما أن يصبح الموضوع هو المسئولية، حتى لا نجد سوى التعثر وفشل الإنسان. لقد تعدى آدم الوصية الوحيدة التي أعطاها له الله. وإسرائيل نقض ناموس البر الذي بواسطته انفصل عن باقي الشعوب وصار يسكن وحده، والذي كان يمكنه أن يمتلك به البركات الإلهية على مر الأيام. أما الكنيسة فقد تركت محبتها الأولى وفسدت، حتى أن الرب نطق بالقضاء على ثياتيرا. وعندما أعطى الرب البقية وصفاً جديداً كشهادة لم يمض زمن طويل عليها حتى قال لها الرب «لك اسم أنك حي وأنت ميت». ولنا في رؤيا 2 و3 تاريخ الكنيسة نبوياً كجسد مسئول على الأرض. والرب وحده هو «المخبر منذ البدء بالأخير، ومنذ القديم بما لم يفعل» (إش 10:46). فهو الذي أخبر إسرائيل بتاريخه مقدماً (تث 16:31-43:32). وهكذا أيضاً فعل مع الكنيسة.

فالكنائس الثلاث الأولى - أفسس وسميرنا وبرغامس - كان لها طابع الكنيسة الجامعة. إذ أننا نرى فيها الكنيسة جملة، وهي تمر في ثلاث أحقاب متعاقبة، وهي الفترة التي أعطى فيها سفر الرؤيا، ثم عصر الاضطهاد، ثم الحقبة التي أصبحت فيها المسيحية تحت حماية الأباطرة الرومان. لهذه الكنائس الثلاث يقدم الرب نفسه كما نراه في الأصحاح الأول من سفر الرؤيا، كالقاضي بين المنائر السبعة، بينما ملاك الكنيسة مميز عنها، على خلاف ما نراه في الكنائس الثلاث الأخيرة التي نجد فيها ملاك الكنيسة ليس منفصلاً أو متميزاً عنها. أما ثياتيرا فهي تمزج بين الطابعين، ففي البداية كان لها صورة الكنيسة الجامعة كسابقاتها، إذ كانت آنذاك تمثل الكنيسة ككل. ولكن الفساد ازداد فيها إلى الحد الذي لم يعد الرب يستطيع أن يحتمله، لذلك نحاها وأخرجها خارجاً، على الرغم من أنها لم تُبتلع في الكنيسة التي تلتها كما حدث مع الكنائس الثلاث الأولى. ولكن الرب وضع جانباً كنيسة روما الكاثوليكية، وصنع بداية جديدة بحركة الإصلاح التي وُجدت جنباً إلى جنب مع كنيسة روما الكاثوليكية. لذلك فهي لا تمثل الكنيسة ككل، وهذا هو السبب في أن ساردس وفيلادلفيا ولاودكية تحمل طابع الشهادة وليس طابع الكنيسة الجامعة.

ولكن ساردس أيضاً أفسدت نفسها. وإن لم يكن شرها هو الشر الرهيب العلني الذي في ثياتيرا، الذي جعل الرب يرفضها. وإنما كان الشر فيها سلبياً. بمعنى أنه لم تكن فيها حياة. فما أخذته وسمعته نسيته، وفشلت الكنيسة بصورة محزنة في تتميم مسئولياتها. بل عوجت وأفسدت كل شيء. وما الذي كان بيد الولي الأقرب - الذي يمثل مبدأ المسئولية - أن يفعله؟ لم يكن سبيلاً سوى أن يحكم على ساردس، وينحيها أيضاً جانباً. فهو لا يعطي حياة من الموت، ولا يستطيع أن يقيم وارثاً لميراث الكنيسة الذي بيع. بل كان لابد أن يقول «لا أقدر أن أفك لنفسي لئلا أفسد ميراثي». إن موسى الذي أعطى الناموس لم يستطع أن يعبر بشعب إسرائيل سالماً في البرية. هكذا أيضاً لم يستطع مبدأ المسئولية أن يرد الميراث بعد أن بيع ومات الوارث. وليس سوى ذاك الذي «له مفاتيح الهاوية والموت» (رؤ 18:1) الذي قال مرة «تأتي ساعة.. . حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون» (يو 25:5). هذا وحده هو القادر أن يخرج الحياة من الموت، ويعطي حياة القيامة (رو 1:8-3).


وهذه هي العادة سابقاً في إسرائيل في أمر الفكاك والمبادلة لأجل إثبات كل أمر. يخلع الرجل نعله ويعطيه لصاحبه. فهذه هي العادة في إسرائيل. فقال الولي لبوعز اشترِ لنفسك. وخلع نعله. فقال بوعز للشيوخ ولجميع الشعب أنتم شهود اليوم أني قد اشتريت كل ما لأليمالك، وكل ما لكليون ومحلون من يد نعمي، وكذلك راعوث الموآبية امرأة محلون قد اشتريتها لي امرأة لأقيم اسم الميت على ميراثه ولا ينقرض اسم الميت من بين اخوته ومن باب مكانه. أنتم شهود اليوم" ( ع 7-10)

اعترف الآن الولي الأقرب علانية أنه غير قادر على أن يفدي. والنعل يرمز إلى القوة والملكية (قارن يو 27:1، يش 24:10، مز 8:60، 9:108). لم تكن بين هذا الولي الأقرب وبين بوعز أية عداوة، وهذا حق بالنسبة لمبدأي المسئولية والنعمة. فمع أنهما على طرفي نقيض، إلا أنه لا توجد خصومة بينهما، بل يعملان كل في مجاله. كذلك بر الله ومحبة الله، لا يمكن أن يحدث بينهما نزاع على الإطلاق، بل لكل مبدأ منهما دائرة تأثيره الخاصة. فالمسئولية هي كل ما ينبغي على الإنسان أن يعمله في كل ما أعطاه الله. أما النعمة فهي ما هو الله بالنسبة للإنسان الذي أفسد كل شيء وأضاعه، وفشل فشلاً ذريعاً في مسئولياته. وطالما أن الإنسان حي فالناموس يسود عليه (رو 1:7). ولكن عندما يأتي الموت تبطل قوة الناموس (رو 4:7،6،13:6،14) عندئذ فإن الذي عنده القدرة على أن يخرج الحياة من الموت - الذي يستطيع أن يعطي حياة القيامة، يمكنه أن يعمل. لذلك قال الولي الآخر لبوعز «اشتر لنفسك».

إن الذي واجه ساردس بمسئولياتها، فقال لها «تب» (رؤ 3:)، الذي يمسك السبعة الكواكب في يمينه، والماشي وسط السبع المنائر الذهبية، هو ذاته الذي يقول ليوحنا عن نفسه «لي مفاتيح الهاوية والموت» رؤ 1:3، 16:1-18). هو ذاته أيضاً الذي يقدم نفسه للكنيسة في فيلادلفيا كمن له «مفتاح داود، الذي يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح» (رؤ 7:3). هذا هو بوعز الكنيسة. وهو القادر على أن يفدي، بل هو الذي يفدي فعلاً.

إن كل ما في ساردس يبدو وقد ضاع فعلاً. فلم تعد عندها أفكار الله من نحو الكنيسة. وهي لم تظهر أيا من هذه الأفكار كشهادة على الأرض. بل هي لم تعرف المركز المسيحي للمؤمن كفرد، وأسمى ما كان يمكن أن يتطلع إليه من فيها هو أن يتيقن من أن خطاياه قد غفرت. وحتى هذا اليقين قلما وجد. وهكذا ماتت ساردس. فهل كان الميراث يفقد بهذه الصورة إلى النهاية؟ وهل يصبح من المستحيل بعد ذلك أن يتمتع أحد على الأرض بالبركات العجيبة التي أعطاها الله لخاصته أفراداً ولكنيسته مجموعاً؟ إننا نجد الإجابة عند ولي فيلادلفيا.

اشترى بوعز كل ما كان لأليمالك ومحلون وكليون. ولو أنه قال إنه يشتري كل ما لأليمالك فقط لكان هذا كافياً. ولكن إذ ذاك كان يُظن أن هناك شيئاً ما قد فقد، ولكن بوعز كان لا يريد لأي شيء من الميراث أن يفقد، فكل ما أعطى للكنيسة في البداءة، وكل ما كان حسناً حتى في أيام الخراب وابتعاد الكنيسة، كل هذا استرد بواسطة بوعز. الكل رجع إلى راعوث ونعمي. صحيح أن كلمة الله كانت قد خُتمت، ولم يكن هناك حق جديد ليضاف إليها منذ أوحي بأسفار العهد الجديد وكُتبت. ولكن في الوقت الذي تغربت فيه نعمي وراعوث في بلاد موآب لاشك أنهما لمستا تأثير موآب ووثنيتها. وهكذا ونحن نقرأ تاريخ الكنيسة لابد وأن نمر على الآريوسية والبلاجيوسية، وبدعة الموحدين والفنائيين، وهرطقات أخرى كثيرة دخلت إلى الكنيسة، ولكن روح الله كان دائماً يرفع راية في مواجهة العدو. ومع أنه لم يكن هناك حق جديد على ما كان قد أعطي في كلمة الله، إلا أن روح الله كان يواجه تعاليم الشيطان الكاذبة بأفكار الله في حينها حتى في الوقت الذي فيه كانت الحالة العامة هي عدم تمييز أفكار الله أو فهمها. وفي هذا أيضاً فوائد لنا إلى اليوم، فلم يفقد شيء قد أعطي من الله، لأن بوعز اشترى مرة أخرى كل شيء ليعطيه للشهادة ذات القوة اليسيرة.

ولكن بوعز لم يستطع أن يشتري الميراث إلا بعد أن أبعد الولي الأول عن المسألة. ونحن لا نستطيع أن نفهم المقام المسيحي الصحيح، والحق الخاص بالكنيسة كجسد المسيح وكبيت الله طالما وضعنا أنفسنا تحت الناموس. فالناموس كان مؤدبنا -أي معلمنا - إلى المسيح. لذلك فإننا عندما نضع أنفسنا تحت الناموس فإننا نعيد أنفسنا إلى مركز المؤمن الذي كان يعيش قبل إتمام عمل الصليب وقيامة المسيح وانسكاب الروح القدس. فالناموس يسود على الإنسان الحي (رو 1:7)، ولكننا كمسيحيين قد متنا مع المسيح (كو 3:3)، وقد صرنا الآن أحياء مقامين معه. بل نوجد الآن جالسين حيث هو في السماويات (أف 5:2،6)، وقد اتحدت الكنيسة بالإنسان الممجد في السماء، فهو رأسها (أف 20:1-23). إن أي مؤمن لا يزال تحت الناموس لا يستطيع أن يفهم أو يدرك عمق هذا. ولكن في اللحظة التي فيها يفهم أنه مات مع المسيح وقام معه، في تلك اللحظة عينها سيدرك أنه لم يعد تحت الناموس.

بعد أن نحى الرب ساردس جانباً كان أول ما فعل بالروح القدس هو أنه أعطى الإدراك لمغفرة الخطايا وكمال عمله على الصليب. بعد ذلك كان ممكناً أن يعيد للكنيسة ميراث أليمالك، أي كل ما سبق أن أدركته كنيسة أفسس، التي هي المثال الأول للكنيسة، حسبما شرحه لها الرسول بولس في رسالته إليها، وهذه كانت بداءة فيلادلفيا.

إن مركز المسيحي ومركز الكنيسة هما من أسمى وأمجد وأبهج البركات، ولكن لا يتوقف الأمر عندها. فنحن قد بوركنا بكل بركة روحية، ولكن «في المسيح» (أف 3:1). وقد اختارنا الله قبل تأسيس العالم، أيضاً «في المسيح». وعيننا للتبني أيضاً «بالمسيح». كذلك لنا «فيه» الميراث (أف 10:1-13). و«فيه» أجلسنا في السماويات. والكنيسة هي جسد المسيح وعروسه (أف 23:1، 25:5-27).

ولم يشترِ بوعز الميراث فقط، بل اشترى راعوث أيضاً. ولم يشترها أَمة له، بل لتكون امرأته، فصار مكانها هو الأقرب إلى قلبه. إنها لم تعد الأرملة الموآبية المسكينة، ولا حتى الملتقطة المتضعة في حقله تستجدي سيدها. بل صار مكانها أن توجد إلى جواره في بيته، بل في قلبه. كان الغلمان قبلاً ينسلون لها من الشمائل، وكم كان ما ينسلونه ذا قيمة عظيمة عندها آنذاك. أما الآن فإن الحصاد بجملته صار لها، بل الأعظم من ذلك، فهي لم تعد تمتلك ميراث أليمالك ومحلون وكليون فقط، بل صار لها كل غنى بوعز، بل صار «جبار البأس» هذا لها بجملته. هذا هو مركز من فداه بوعز، وهذا هو مركز فيلادلفيا الحقيقي.

ألا يؤثر فينا كثيراً ونحن نقرأ رؤيا 7:3-13 أننا نجد الرب هنا يربط كل شيء بنفسه؟ إنه هنا لا يقدم نفسه في منظور معين كما لباقي الكنائس، بل يقدم نفسه كما هو في طبيعته «القدوس الحق». إنهم حفظوا «كلامه»، ولم ينكروا «اسمه»، وحفظوا كلمة «صبره». وهو يجعل أمامهم باباً مفتوحاً، وهو الذي سيجعل أعداءهم يسجدون أمام رجليهم، فيعرفون أنه هو أحبهم. ثم أخيراً فإن مكافأة من يغلب كلها مرتبطة بشخصه.

حقاً لقد غطى وزاد الغنى الروحي الذي لفيلادلفيا، حتى أنها ليست مبالغة إذا قلنا إنه حتى في أيام الرسل لم يكن هناك النور والفهم والرؤيا لأفكار الله مثلما أعطى الرب في أواسط القرن التاسع عشر. لاشك أن الرسول بولس امتلك هذا النور، وربما بعض الرسل رفقائه، وكذلك بعض العاملين معهم والقريبين إليهم، ولكن لم يكن هكذا لكل المؤمنين عامة. فلم يكن عند الجميع -كل واحد شخصياً - امتلاكاً كاملاً لكلمة الله. حتى بعد ذلك عندما أعطى الله الكتاب المقدس كاملاً كان الانحدار بدأ بالفعل قبل ذلك بعشرات السنين. فمن المؤكد أن معظم الكنائس لم يكن عندها العهد الجديد كاملاً، ربما كان القليل منها لديه بعض الأسفار والرسائل، وكان أمراً نادراً أن توجد لدى الأفراد نسخ من سفر أو اثنين. ولكن لنا نحن الآن - لكل واحد - أن يمتلك كلمة الله كاملة، والنور الذي أعطي لأحد خدامه يمكن الآن أن ينتقل إلى الآلاف في كل مكان على صفحات الكتب. ولكن ما يجذب الأنظار أكثر من كل هذا هو الشركة الوثيقة مع شخص الرب، التي كانت هي الوضع العام في كل مكان في منتصف القرن التاسع عشر، فقد كان الرب يستحضر ذاته للقلوب، كما كان شخصه هو مادة الكرازة، وكانوا يتوقون بشوق إلى مجيئه. وهذا ما جعل لكتابات هؤلاء الإخوة في بداية فيلادلفيا قيمة عظيمة وجمال خاص لكل قلب محب للرب.

ولكن كيف نشأت فيلادلفيا؟ هل كان لهؤلاء الرجال ذكاء خاص وغيرة في فحص الكتب؟ وهل هذا هو الذي أعطاهم هذا النور والفهم والبصيرة؟ لاشك أنهم كانوا يفحصون الكتب باجتهاد وبروح الصلاة والاتكال على الرب، وهذا مالا نجده بيننا اليوم. ولكن ألم يوجد من كان يفعل مثلهم في كل القرون السابقة منذ أيام الرسل؟ وهل كانت أمانة هؤلاء الرجال هي التي جعلت المؤمنين يرجعون إلى ما كان في البداءة؟ لاشك كان هؤلاء الرجال أمناء جداً، ولو قارنا أمانتهم بما نحن عليه الآن فلسوف ننكس رؤوسنا خجلاً. ولكن هذا لا ينفي أنه حتى في العصور الوسطى كان هناك مؤمنون ساروا بالأمانة بحسب النور الذي كان عندهم مكرسين حياتهم للرب. لذلك فإن بداية فيلادلفيا لا يمكن أن تنسب لبشر مهما كانت أمانتهم أو تكريسهم. بل هي عمل فادينا وولينا العظيم ربنا يسوع نفسه. لقد فدانا على الصليب بسفك دمه الثمين، ولكن في فيلادلفيا نرى كيف هو يفتدي بقوته. والله أيضاً سيفدي إسرائيل، وكذلك كل الأرض بقوته، بل سيفدي العالمين عندما يطهرها في يوم قادم من كل إثم وشر. هذا ما نقرأ عنه في سفر الرؤيا كما في كثير من الأسفار النبوية في العهد القديم. ولكن فداء فيلادلفيا أمر مختلف، إنه العتق والفداء بقوة روح الله، إنه إقامة نسل جديد، وإيجاد حياة في الموضع الذي لم يكن في قبلاً سوى الموت. على أنه كان عملاً مشهوداً، تماماً كما كان فداء راعوث مشهراً علناً، إذ قد دُعي الشيوخ وجميع الشعب ليشهدوه رؤيا العيان، وليسمعوا بآذانهم ما فعل بوعز.

ولكن أليمالك ومحلون وكليون لم يعودوا إلى الحياة، ولا ساردس وثياتيرا استردتا المركز والحالة التي كانت لأفسس أولاً، بل بقيتا في صورة طوائف متعددة في المسيحية. ولكنها جميعها قد نحاها الرب جانباً، واليوم نستطيع أن نضم لاودكية إلى عدادها. لذلك فإن فيلادلفيا ليست هي الكنيسة كما كانت في البداية. إن حكومة الله العادلة لا تسمح لها بأن تضع يدها على الميراث كما أعطاه الله لشعبه أولاً. فحكومة الله العادلة هي التي لم تسمح لموسى أن يدخل الأرض، ولكن مع ذلك فقد رأى موسى كل الأرض وهو في الشركة مع الله، بل وبعيني الله، فرأى ما هو أبعد كثيراً مما كان لأي إسرائيلي أن يرى بعد دخولهم الأرض (تث 52:32، 1:34-4). هكذا ما هو لفيلادلفيا، فالمجد الأول للكنيسة لم يسترد ولن يسترد، وهذا مرجعه بر الله في حكومته. إلا أنه وإن كان الله لا يسمح لنا بدخول الأرض ذاتها، لكن لنا هذا الامتياز العظيم أن نراها في الشركة مع الرب، ونراها بعينيه هو في كل جمالها. لنا هذا الامتياز العظيم أن نرى الكنيسة في طابعها الحقيقي، في بركاتها، وفي اتحادها برأسها وعريسها، نرى مستقبلها وترتيبها الإلهي. في كل ما لها نراها كما يراها الرب نفسه، وكما ستكون في المجد عن قريب. حينئذ ستستعلن في كمالها حين يلبسها الرب مجدها، ويحضرها لنفسه بلا دنس ولا غضن ولا شيء من مثل ذلك، بل ستكون مقدسة وبلا عيب. كل هذا نستطيع أن نراه ونحن في ملء الشركة مع الرب، إذ هو في نعمته التي هي بلا حد يرينا ما يراه هو. حقاً يارب، ما أعظمك مخلصاً!


فقال جميع الشعب الذين في الباب والشيوخ نحن شهود. فليجعل الرب المرأة الداخلة إلى بيتك كراحيل وكليئة اللتين بنتا بيت إسرائيل. فاصنع ببأس في أفراتة وكن ذا اسم في بيت لحم ( ع 11)

كان كلام بوعز إلى الشيوخ وجميع الشعب. والشيوخ يكونون هيئة الحكم. لذلك يأتي ذكرهم عندما يكون الأمر متعلقاً بالقضاء عدلاً، أو بالأحكام الشرعية (ع2). وعادة عندما يذكر الشعب يأتي الشيوخ أولاً (ع9). ولكن هنا، وقد تأسست حقوق بوعز، نجد أن الشعب يأتي أولاً. فهم الذين اعترفوا بما فعل وثبتوه، وهم الذين يطلبون له اسم مجد لأجل كل ما فعل. ومن الطبيعي أن يتحد الشيوخ معهم في هذا. نعم إن شعب بيت لحم - بيت الخبز- هم الذين أعطوا شهادة عن بوعز. فهم الذين كان لهم التمتع اليومي ببركات تلك المدينة، وكانوا دائماً في حضرة بوعز، فكان كل ما هو يفعله حق عندهم، وعندما وضع هو راعوث في هذا المركز الرفيع من باعث نعمته ومحبته صادقوا هم على ما فعل.

إن كنا نعيش كل يوم في شركة مع الرب في هذا المركز العجيب الذي لفيلادلفيا، الذي وضعتنا فيه النعمة أفلا نلقي كل من يأتي إلى هذا المكان بصدر رحيب؟ إننا لا يسعنا في هذه الحالة إلا أن نعظم النعمة التي تهب البركة لآخرين أيضاً وتتحدهم به. فإن كنا نسلك في شركة مع الرب فإن قلوبنا تمتلئ بالنعمة أيضاً.

كانت كلمات الشعب كلمات نبوية، تنم عن بصيرة ثاقبة. لقد ميزوا أن هذه بداية جديدة، وكأن راحيل وليئة - البداية الأولى- قد نحيتا جانباً. لقد كانتا في اتحادهما بيعقوب تمثلان إسرائيل والأمم (تك 29) فقد كانت راحيل محبوبة من يعقوب، ولكنها كانت عاقراً بلا ثمر، في الوقت الذي أنجبت فيه ليئة ستة بنين ليعقوب. ولكن راحيل تثمر أخيراً فتلد ابنين، الأول يوسف الذي يشير إلى الرب يسوع كالذي رُفض من اخوته اليهود، ولكنه في زمان رفضه ارتقى مركز السيادة والسلطان على الأمم (مز 2، 8، أف 20:1-33). أما الثاني - وهو بنيامين - الذي كان عند يعقوب "ابن يده اليمين"، وأما لراحيل "ابن حزنها"، فهو يرمز للرب يسوع كمن يملك وسط إسرائيل. فقد كان مولده هو الذي وضع النهاية لإسرائيل القديم حسب الجسد. ولكنه عندما يتحد مع يوسف فلابد أن يبدأ زمان السلام - الملك الألفي - عصر الراحة. لذلك تمثل ليئة الأمم، فهي لم تكن محبوبة عند يعقوب، ولكنها كانت مباركة من الرب، فحملت الثمر في الوقت الذي كانت فيه راحيل عقيمة (تك 30:29-35) وكان ثمرها لحمد يهوه. فمعنى اسم يهوذا "هو يُحمد**".

في دعوة رفقة أيضاً نستطيع أن نرى كيف نُحِيَّ إسرائيل، إذ أن رفقة تمثل الكنيسة، وقد أُدخلت إلى الخيمة التي فيها ماتت سارة (تك 23،24). فلقد نُحِيَّ إسرائيل علناً في اللحظة التي فيها تكونت الكنيسة (أع 1:2، 1كو 13:12) فحلت الكنيسة محل إسرائيل كشهادة الله على الأرض. ولكن في راعوث لنا ما هو أبعد من ذلك، فحتى ليئة قد نحيت أيضاً. فلقد احتقر الأمم بركات الله، وصاروا في حالة العقم عملياً من جهة الله، وإن لم تكن قد جاءت ساعة الدينونة العلنية بالنسبة لهم (رو 13:11-22). وهذا هو السبب في أن الشعب وليس الشيوخ هم الذين يتكلمون هنا. إلا أن هذه التي كانت شهادة الله بين الأممقد أزيحت جانباً لتفسح المجال لبداية جديدة. وماذا كانت راعوث سوى تلك الموآبية؟ لذلك لا فضل ينسب في هذه البداية الجديدة سوى للنعمة وقوة الفادي الذي له مفتاح داود.

بَنَتْ راحيل وليئة بيت إسرائيل، وإسرائيل معناه "أمير الله"، أو "من يصارع لأجل الله". ونحن نعلم أن الرب كان هو أمير الله الحقيقي، ورجل حروبه. فهو الذي قهر الشيطان، وغلب العالم. وهاهو الآن قد صار رأساً فوق كل شيء، ولابد أن بيته يبنى (عب 6:3). كان هذا هو غرض الله من فيلادلفيا، حتى اسمها يعبر عن ذلك. أوليست المحبة الأخوية هي التي تجعل أولاد الله يشعرون بأنهم قد اتحدوا معاً برباط الكمال؟ إن المحبة الأخوية ليست هي التي تصيرهم متحدين بعضهم مع بعض، بل بكونهم قد اعتمدوا جميعهم بروح واحد إلى جسد واحد (1كو 13:12). هذه هي وحدانية الروح التي يجب علينا أن نحفظها ونصونها (أف 3:4). ولكن المحبة الأخوية هي التي تعطينا الشعور والإحساس بهذه الوحدة. لذلك فإن الصفة التي لا تظل تميز فيلادلفيا هي أنها تستعيد مرة أخرى ملامح الكنيسة، والحق الخاص بكونها جسد المسيح وبيت الله. فكل المؤمنين الحقيقيين هم أعضاء جسد المسيح، وعلاوة على ذلك فالكنيسة هي بيت الله حيث يسكن الروح القدس، وحيث الترتيب الإلهي يستعلن تحت سلطان المسيح وقيادة الروح القدس.

يعني الاسم «أفراتة» "المكان الخصيب"، و«بيت لحم» تعني "بيت الخبز". لذلك فساكني مدينة الله يرجون لبوعز من وراء ارتباطه براعوث أن يكون ذا بأس في الموضع الخصيب، وأن يكون ذا اسم في بيت الخبز. وهناك مكان واحد خصيب على الأرض، هو حيث يجتمع أولاد الله معاً حول الرب يسوع. هناك لا يرون غيره، ولا ينتظرون سواه في اتكال تام عليه. هناك نعترف عملياً بسلطانه، وهناك نسأله، كل واحد منا «يا رب ماذا تريد أن أفعل؟» في ذلك المكان نضع ذواتنا تحت توجيه وتعليم الروح القدس، إذ هو وحده الذي له أن يمارس سلطان الرب في الاجتماعات.

هذا الحق مصور لنا في تاريخ إسرائيل من سفر الخروج ص40 وحتى سفر العدد ص10. فما أن أقيم بيت الله بحسب فكره (خر 16:40-34) حتى ملأ مجد الرب المسكن. عندئذ بدأ الرب على التو يعلن مقاصده العجيبة وأفكاره التي نقرأها من لاويين10 حتى عدد10. فقد كان الله يريد لشعبه أن يثمروا ثمراً ثميناً حسب فهمهم الصحيح لأفكاره. نتيجة لذلك نجد في عدد 7 التقدمة الكثيرة الثمن التي أحضرها رؤساء الشعب ممثلين له إلى الرب، ثم في عدد 8 نرى المنارة وقد أضاء نورها. ثم بعد ذلك نجد اللاويين كممثلين للشعب قد قرِّبوا كقربان، يردَّدون ترديداً أمام الرب حتى يخدموا خدمتهم للرب. بعد ذلك نقرأ عن عمل تذكار الفصح. ثم أخيراً نرى الطاعة الكاملة لأمر الرب، إذ يتبع الشعب السحابة على الدوام في ارتحالهم في البرية (عد9).

هل صار بوعزنا ذا بأس بيننا؟ وهل يستطيع الآن أن يكون ذا اسم في بيت الخبز بسبب ارتباطه بنا؟ هل أُذيع اسمه من قبلنا وبالارتباط بنا؟ إذ يجد المؤمنون وغير المؤمنين وفرة الخبز؟ هذا ما تمناه شعب الله لبوعز في بيت لحم - بيت الخبز، وتلك هي رغبة روح الله وغرضه، وهو بالتالي ينشئها أيضاً في قلب الشعب حتى ينطقوا بها. هكذا أيضاً يجب أن تكون رغبتنا. فهي بلا شك رغبة كل من أتى ليلتصق ببوعز.


وليكن بيتك كبيت فارص الذي ولدته ثامار ليهوذا من النسل الذي يعطيك الرب من هذه الفتاة ( ع 12).

يلاحظ أنهم لا يقولون هنا "بيت يهوذا"، وإن كان اسم يهوذا يذكر، لكن التركيز هو على اسم "ثامار" ومعناه "نخلة التمر". وهي التي ارتبطت بيهوذا في حادثة تكوين 38، وولدت له ابنه فارص. كانت هي التي أخذت زمام المبادرة. وهكذا - مع بقاء الكثير مما تندى له الجباه في هذه الحادثة - يذكر هنا اسمها على سبيل التكريم. فعندما رفض يهوذا أن يعطيها لشيله كولي ليقيم نسلاً لأخيه الميت، فلا يمحى اسم أخيه، عندئذ ضحت ثامار بكرامتها لأجل إقامة النسل. وكانت النتيجة أنها ولدت توأمان، صار كل منهما رأساً لعائلة. وليس ذلك فقط، بل إن فارص الذي كان يجب أن يولد أخيراً حسب النظرة الإنسانية صار هو البكر، ومنه خرجت عشيرتان. وفارص معناه "اقتحام". وفيه نرى - مع ثامار- رمزاً للقوة الإلهية التي تعمل فينا، وتثمر فينا وبنا، وهكذا يتمجد اسم الرب (كو 10:1 و11). ويتكلم الشعب هنا عن راعوث داعين إياها "الفتاة". فهؤلاء الذين يأتون إلى بوعز كما فعلت راعوث لابد وأن يتميزوا دائماً بحيوية الشباب، ففي محضره ليس عاجز ولا عقيم.


فأخذ بوعز راعوث امرأة ودخل عليها، فأعطاها الرب حبلاً فولدت ابناً ( ع 13)

انظر ماذا فعل بوعز. لقد أخذ الفتاة الموآبية، التي لا شيء لها. وإذ قد رفع شأنها بعد أن كان وضيعاً فإنه يقول للشعب «أنتم شهود اليوم ... راعوث الموآبية ... اشتريتها لي امرأة». فأغنى من في الأرض يأخذ امرأة فقيرة، كانت تستجدي قوت يومها، ويقول إنه اشتراها لتكون له امرأة. عندئذ خلع الولي الآخر نعله، وأشهر بوعز أمام شيوخ الشعب أنه يفك، وبهذا صار الأمر مقرراً بصفة نهائية ومحددة ولا مجال للرجعة فيه.

مما لاشك أنه قد صار على راعوث من تلك اللحظة أن تتصرف بما يقتضيه هذا المقام العجيب الرفيع الذي وضعت فيه كعروس لبوعز. فهل يمكن أن يدور بخلدك احتمال أن تخجل راعوث من الاعتراف ببوعز كعريسها؟ وهل يمكن أن تتوقع أن تشعر راعوث بالعار أمام الآخرين حين تظهر مع بوعز كزوجها، ذلك الرجل جبار البأس، الذي خلصها من حالتها التعيسة وحياة العدم، الذي لم يكفِه أن يحسن إليها بإحسانات مادية، بل أعطاها نفسه بجملته وما له ليكون لها الكل. لهذا السبب لا نقرأ عن فاصل زمني بين إعلان بوعز أمام الشيوخ وبين زواجهما. هكذا أيضاً نحن لا نقرأ عن رحلة رفقة عبر البرية إلى أن تقابلت مع اسحق، بل نقرأ فقط عن لقائه بها (تك 61:24-67).

ما هو رجاء الكنيسة؟ وما هو رجاؤك أنت؟ ما الذي ترجوه في السماء؟، هل تريد بيتاً لك؟ شكراً لله فنحن لنا هناك ما هو أفضل من البيت، هناك شارع المدينة من ذهب، وسورها من يشب (رؤ 18:21-20) ولكن ليس هذا هو رجاؤنا، بل الرب المبارك نفسه. إن النعمة لا يكفيها أن تعطينا بيتاً، مهما كان هذا البيت جميلاً. ولكن الرب لا يمكن أن يعطينا ما هو أقل منه هو ذاته شخصياً. إنه «ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي».

أخي، أختي... لنتفكر في هذا. فنحن قريباً جداً سنكون مع الرب. ألا يدعونا ذلك لأن نحيا هنا باذلين أنفسنا لأجله؟ ألا يحق أن نقول للعالم «ليس لي أي تعامل معك، فأنا هنا غريب ولست منك. وما أنا هنا إلا لكي أشهد على الشر الذي يجري فيك». وهنا تكفينا ابتسامة الرضا من ربنا المعبود مكافأة لنا على هذا، ونحن نسمعه قائلاً «نعما أيها العبد الصالح والأمين. كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك». أختي، إن الرب آتٍ سريعاً، فهل تعيشين لهوحده؟ أخي، إن الرب آتٍ سريعاً، فهل تحيا له وحده؟

نعم، لا تخجلوا البتة من المسيح، الرب المبارك، الذي هو آتٍ سريعاً، ولربما اليوم. وعندما يأتي لن تكون هناك فرصة لكم كالمتاحة الآن لديكم لكي تعيشوا له بالكلية وليس لذواتكم في عالم لا يعيش إلا لنفسه ويرفض حقوق سيدنا.

والآن، وقد تم الفكاك كاملاً، فإن أعماق الله يمكن أن تستعلن. فلم تعد راعوث هي الملتقطة المسكينة، التي تلتمس حبات حنطة في حقل بوعز، بل هي شريكة في كل ما لجبار البأس هذا. كما أنها لم تعد أرملة الميت، فقد اشتراها بوعز لنفسه امرأة، فصارت مقترنة بالحي الذي فيه القوة. وهي تدرك الآن أن كل ما كان يربطها بالماضي قد انقطع، سواء روابطها بموآب أو بالموتى، قد انفصمت كل الوثُق، وصارت الغريبة الموآبية المسكينة هي الأولى بين أمهات إسرائيل. فقد تُنسى راحيل وليئة، إذ حلت محلهما امرأة، يمكن أن تبني إسرائيل. وهاهي تندرج في سلسلة النسب الملكي، فقد صارت أم عوبيد جد داود، الذي منه حسب الجسد جاء يسوع المسيح -عمانوئيل- الوارث لكل شيء. وهكذا تمت مقاصد الله، ونهر النعمة الصغير الذي تتبعناه من بداية قصة راعوث هاهو قد صار الآن محيطاً من المجد الأبدي. ومن سوى الله كان يستطيع أن يخرج من موآب كل هذا. فقد بدأت معاملات الله مع هذه الأرملة المسكينة وهي لا تزال في موآب.


فقالت النساء لنعمي مبارك الرب الذي لم يعدمك ولياً اليوم لكي يدعى اسمه في إسرائيل ( ع 14).

حتى ذلك الوقت كانت راعوث عاقراً. فزواجها من محلون لم يثمر أطفالاً، ولكن اقترانها ببوعز أنهى عقمها. هذا حق بالنسبة لكل مؤمن، فالرب يقول «اثبتوا فيَّ وأنا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير. لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو 4:15 و5). هذا المبدأ حق بالنسبة للمؤمن فردياً، وأيضاً هو صحيح للكنيسة كمجموع. إن ساردس وضعت نفسها تحت وصاية العالم، لذا لم تستطع أن تأتي بثمر، ولم تشهد أعمالها إلا بأنها ميتة (رؤ 1:3) وكيف تقترن بالعالم وتبقى في ذات الوقت شهادة للرب المرفوض؟ هذا مستحيل بكل المقاييس. كيف من موضعها هذا تثمر ثمراً يتكلم عن حياة القيامة والصبغة السماوية؟ إن الكنيسة لم تثمر ثمراً حقيقياً إلا بعد أن أدركت حقيقة كونها قد صارت واحداً مع رأسها الممجد في السماء (أف 22:1 و23)، وبعد أن عرفت ذلك عملياً. حينئذ فقط صار في إمكانها أن تسلك في الأعمال الصالحة التي سبق الله فأعدها لكي يسلك فيها أولئك الذين أُقيموا مع المسيح وأُجلسوا معه في السماويات (أف 6:2-10).

هكذا كان مع راعوث أيضاً. فقد أعطاها الرب حبَلاً عندما اقترنت ببوعز، فولدت ابناً. ولنلاحظ أنه من هذه اللحظة لا يذكر اسم راعوث مرة أخرى. فمعنى اسم راعوث "مكتفية". وقد شبعت إلى التمام بالمركز الذي وصلت إليه. وهكذا بالنسبة للكنيسة وهي على الأرض، فلا يوجد ما هو أسمى بالنسبة لها من الاتحاد بالمسيح الذي في السماء. إن إدراك هذه الحقيقة، والتمتع العملي بها هو فقط ما يشبع القلب ويملأه. واللحظة التي وصلت فيها فيلادلفيا إلى امتلاك هذا الحق كانت هي بدايتها، ومنها بدأت الثمر. ولم تعد بعد ذلك حاجة لأحد لأن يبحث عن مركز أسمى للكنيسة أو لمن ينتمون إليها. ولم يبق سوى تحقيق وامتلاك واستعلان ما عمله الرب معها.

لنرجع الآن بذاكرتنا إلى تلك الحالة المظلمة والميئوس منها التي كانت لنعمي وراعوث عند خروجهما من أرض موآب. كانت كلمات نعمي إلى عرفة وراعوث محورها هو استحالة أن يقوم نسل للموتى، أو فداء ميراثهم. ولكن كلمة "مستحيل" لا يجوز إطلاقاً استخدامها في أمور الله. فليس هناك ما يستحيل عليه سوى أن يكذب أو يتصرف بما لا يتفق مع قداسته. فالبداية هي أن نقتنع بعجزنا التام، ولكن في ذات الوقت لا يجب أن نحد قوة الله ومحبته، فذلك إهانة له لا تُقبل.

لا شك أنه فينا الكثير مما يدعونا إلى الاتضاع. وإنه لحسن أن نفعل ذلك. ولكن تأمل كيف فاض وفور فرح نعمي وهي تربي طفل راعوث في حضنها. فعندما فتح الرب أعين البعض في مطلع القرن التاسع عشر، فرأوا الفساد والخراب التام الذي في الكنيسة الكاثوليكية، والموت الذي في الكنائس البروتستانتية، فمن كان منهم يتصور في ذلك الوقت أن هناك إمكانية لاستعادة واسترداد شهادة الله؟ ولكن الله فعل ذلك. فقد صار لهم معرفة بمركز الكنيسة الحقيقي، وكانت نتائج وثمار هذه المعرفة أن انفصل المؤمنون عن العالم، وعن المسيحية الاسمية، وتحققت في حياتهم حقيقة كوننا غرباء سائحين على الأرض، لأن موطننا هو السماء.

وفي وقتنا الحاضر مازال هناك مؤمنون كثيرون مثل راعوث، لم يعرفوا بعد معنى الغنى والسعادة التي وهبها الله للكنيسة، أو ربما هم كنعمي قد أعطوا ظهورهم لهذه البركات ليذهبوا إلى موآب. لمثل هؤلاء المؤمنين نكرر قولنا إن الباب إلى الفادي مازال مفتوحاً. وإنه يجد فرحه وسروره كسيدهم المقام والممجد في أن يمنحهم كل الغنى الذي تركوه خلفهم.

لماذا نجد كثيراً من المؤمنين غير متمتعين بالميراث؟ السبب هو أنهم لا يعرفون حقيقته، بل لا يعرفون حتى أنهم لم يمتلكوا الميراث الذي لهم. إنهم لم يدخلوا إلى التدريبات القلبية العميقة التي جرت مع نعمي. قد يكونوا متيقنين من غفران خطاياهم، وأنهم لابد وأن يختبروا صلاح الله وأمانته في رحلة حياتهم على الأرض، وأنهم يوماً سيذهبون إلى السماء، وهذا أقصى ما تصل إليه مقاييسهم الروحية. ولكن لا دراية عندهم بغنى البركات الروحية التي لهم أن يتمتعوا بها الآن. وما هو السبب الذي يمنعهم من معرفة ما لهم من بركات؟ قد يكون للتعاليم غير الصحيحة والخاطئة دور في هذا. ولكن الأهم هو أنهم غير مهتمين بما للرب. فهم مشغولون بما لهم، بذواتهم وما يخصهم. ولكن عندما يصبح الرب الممجد هو غرض قلوبنا، وتتثبت عيوننا عليه، عندئذ لابد أن يرينا غناه، فتنجذب قلوبنا نحوه، ونختبر كراعوث ونعمي أن المسيح يستطيع أن يعطينا التمتع الكامل بالميراث، وأن يشبع كل رغبة فينا بحسب الله. كذلك فإنه يؤهلنا لأن نسلك حسب الدعوة العليا التي دعينا بها بالروح القدس المعطى لنا. إن مثل هؤلاء المؤمنين لهم أن يُقبِلوا إلى معرفته كمن هو المصدر لكل شيء، وكمن يستطيع أن يرد كل البركات التي أعطاها الله لشعبه أولاً. لأنها كلها أُعطيت منه، وهو قد حفظها لنا كاملة.


ويكون لك لإرجاع نفس وإعالة شيبتك، لأن كنتك التي أحبتك قد ولدته وهي خير لك من سبعة بنين ( ع 15)

يلفت نظرنا أن النساء يلقبن ابن راعوث بلقب "من يسترجع الحياة". وعمل "الذي يسترجع" يختلف بعض الشيء عما تأملنا فيه فيما سبق. ففي بوعز رأينا المسيح كمن يفدي ويسترد. فرأيناه في قدرته على أن يفك ويخلص، وكمن يستطيع أن يعطي حياة جديدة من الموت. وأن يمنح تمتعاً كاملاً وامتلاكاً للميراث في الموضع الذي انطفأت فيه الشهادة، ولم يبق فيها شيئاً سوى الخراب التام والفقر والموت. ولكن في عوبيد نرى ثمرة الاتحاد بالرب المقام والممجد، وبالتالي نجد فيه الاسترداد الفعلي للميراث المفقود. ولنلاحظ أن النساء يقلن لها إنه يكون "لاسترجاع نفس" أي "من يسترجع لك حياتك". وهذا يوضح ما ذكرناه آنفاً. فعندما رجع المؤمنون إلى «الذي كان من البدء» في القرن التاسع عشر كان لهذا تأثير عظيم على حياتهم العملية. فما أن استعادوا مرة أخرى إدراك المركز السماوي للكنيسة حتى فهموا أنهم متغربون على الأرض، فأظهروا عملياً ذلك في حياتهم. فانفصلوا عن العالم في كل صوره المختلفة. ولم يظهر تأثير ذلك في هؤلاء الذين خرجوا من دائرة تأثير ثياتيرا وساردس، بل هم صاروا مثالاً كان له تأثيره على كل المسيحية، وهذا ما قصده الله بالفعل.

عندما وصل بنو إسرائيل إلى قادش برنيع كانوا قد طافوا في البرية أربعين سنة. كانت هذه رحلة طويلة ومضنية، جفت فيها ينابيعهم، واستنفذت طاقاتهم. ماتت فيها مريم التي هي صوت النبوة والتسبيح (عد 1:20). ولكن الرب عندئذ أعطى ماءً من الصخرة حتى لا يهلك الشعب بأسره.

في الملوك الأول ص1 نقرأ عن نهاية حياة داود «فشاخ الملك داود. تقدم في الأيام. وكانوا يدثرونه بالثياب فلم يدفأ. فقال له عبيده ليفتشوا لسيدنا الملك على فتاة عذراء فلتقف أمامه ولتكن له حاضنة ففتشوا على فتاة جميلة في كل تخوم إسرائيل فوجدوا أبيشج الشونمية. فجاءوا بها إلى الملك. وكانت الفتاة جميلة جداً فكانت حاضنة للملك وكانت تخدمه».

إن هذين المثالين يبينان لنا ما كانت النساء تقصده عندما قلن «يكون لك لإرجاع نفس وإعالة شيبتك». هكذا أعطى الرب فيلادلفيا للكنيسة ككلحتى ترجع إلى ما كانت عليه في البداءة، ولإعالتها في زمان شيخوختها. ياله من فكر جميل! ولكن من الناحية الأخرى ما أخطر المسئولية الملقاة على عاتق أولئك الذين استحضروا إلى المركز الفيلادلفي هذا. ليت هذا الفكر يحفظنا من النزعات الاستقلالية والطائفية، بل يكون عوناً لنا لكي ندرك واجبنا نحو جميع المؤمنين. فالرب يريد أن يستخدمنا كمصدر للدفء لشهادة تكاد تموت، ولكي نخدمها كما كانت أبيشج تخدم داود في شيخوخته. وسنرى فيما بعد أن اسم "عوبيد" معناه "عبد" أو "خادم". وهذه هي الصبغة التي تصطبغ بها فيلادلفيا. اسمعوا ماذا قالت النسوة لنعمي عن راعوث «كنتك التي أحبتك، وهي خير لك من سبعة بنين» وسبعة بنون هي إشارة إلى كمال وتمام البركة التي كانت تتمناها أي أم في إسرائيل (1صم 5:2).


فأخذت نعمي الولد ووضعته في حضنها وصارت له مربية. وسمته الجارات اسماً قائلات قد ولد ابن لنعمي ودعون اسمه عوبيد. هو أبو يسى أبي داود (ع 16،17).

هكذا تقبلت نعمي الولد كمن هو لها. وأخذته لنفسها. والجارات أيضاً اعترفن به كابن لنعمي، وأعطينه اسماً. لاحظ أن الجارات هن اللواتي يذكرن هنا وليست النساء عامة. فلقد ضاقت الحلقة وانجلت البصيرة بصورة أفضل. هكذا بالنسبة لنا من جهة الاستنارة وفهم طرق الرب وأعماله، بل حتى بالنسبة لحياتنا العملية، فهي تزداد عمقاً كلما زاد اهتمامنا بشعب الله وبالولي الذي أعطاه لنا.

وسمي الولد "عوبيد" ومعناه "عبد" أو "عابد". وواضح أن المعنيين مرتبطان معاً من الاسم إذا ربطناه بالله. فهذان هما واجب الإنسان من نحو الله، أن يخدمه وأن يعبده (تث 13:6، مت 1:4). ويا له من ثمر غال لبوعزنا إن كنا خداماً عابدين. فهو الذي ثقبت أذنه بالمثقب حتى يكون عبداً مؤبداً (خر 5:21 و6). وقد خدم وهو على الصليب، ومازال يخدم الآن، وسيظل يخدم إلى الأبد. لقد قال «أحب سيدي وامرأتي وأولادي. لا أخرج حراً»

إن الإنسان الطبيعي - كما سبق ورأينا - واجب عليه أن يخدم الله ويعبده، ولكننا نعلم أيضاً أنه لا يفعل ذلك، فواضح أنه «ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا» لذلك إن كنا عُبَّاداً خادمين فهذه علامة على أننا افتُدينا. «آه يا رب لأني عبدك. أنا عبدك ابن أمتك. حللت قيودي» (مز 16:116). هذا مبدأ صحيح في كل التدابير. فعندما كان إسرائيل في مصر خدموا فرعون ولم يخدموا الله (خر 23:2-25، 18:3، 1:5، 1:8 و8 و20 و27 و28...). لم يكن إسرائيل هناك رمزاً لغير المؤمنين، بل للمؤمنين الذين مازالوا في رومية 7. كانوا هم شعب الله، ولكنهم كانوا مجبرين على خدمة الخطية والعالم، حتى افتُدوا من مصر بقوة الدم وعلى أساس خروف الفصح. وعندئذ صاروا عابدين للرب وخداماً له (خر15)، وهذا ما لابد أن يكون في يوم قريب عندما يخلص إسرائيل من كل أعدائه (مز 26:22-31، 3:110). ولكن ينبغي أن الخدمة والعبادة الأكمل توجد حيث يكون عمل الفداء هو موضوع السبح الأسمى لأبناء الله المفديين الذين صاروا واحداً مع الفادي. «تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له. الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا» (يو 23:4 و24). نعم إن الآب يطلب ساجدين وخداماً له.

إذا كنا نريد أن نكون خداماً عابدين فيلزمنا أولاً أن نتحرر من قوة الخطية والموت، أما الذي مازال يتكل على الجسد فهو لا يستطيع أن يخدم الله. إن رومية 7 يصف لنا إنساناً مولوداً الولادة الجديدة، ولكنه لا يزال يخدم الخطية وليس الله (رو 15:7 و16 و19 و23 و24). ونفس تعبير الخدمة والعبادة يرد أيضاً في أعمال 42:7، 7:26، لوقا74:1، 37:2. ومن له القدرة على العبادة والسجود سوى من أُعتق من كل ما كان يذله ويربطه قبلاً، فمثل هذا قد صار الآن حراً حتى أنه يستطيع أن ينشغل بالفادي. فالسجود معناه المشغولية بأمجاد وامتيازات موضوع سجودنا. فهو تعبير عن التقدير والاحترام له في خشوع.

إن مثل هذا السجود لا وجود له في كنيسة روما الكاثوليكية، ولا في كنائس حركة الإصلاح. فكنيسة روما لها خدمة سجود، ولكنها ليست «بالروح والحق»، بل هي خدمة وسجود مادي كالذي كان لإسرائيل حسب الطبيعة، والذي أبطله الله لأنه لا يتوافق مع هذا المقام السامي الذي لأولئك الذين افتداهم المسيح. أما كنائس حركة الإصلاح فهي لا تدري شيئاً عن هذا السجود وهذه الخدمة إطلاقاً. فعندهم التبشير بالكلمة يسمى سجوداً وخدمة مقدسة، ولا يدركوا الفرق الشاسع بينهما. فقد يتكلم أحد إلى الكنيسة عن الله معلماً وواعظاً، ولكن هذا ليس سجوداً، بل السجود هو في الحديث إلى الآب بالمسيح والتعبد له لأجل كل ما عمله، معبرين عن الامتنان والتقدير له، والخشوع الذي يملأ قلوبنا عندما نتأمل ذلك الشخص العجيب وعمله في الفداء. فنحن نسجد ونتعبد في توافق مع إعلان الله الذي أعطاه عن ذاته وعن ربنا يسوع، بمعنى أنه هو المعطي الأعظم، وهو الآب لكل من قبلوا الرب يسوع مخلصاً وسيداً. هذا هو السجود بالحق. كذلك فنحن نسلك في توافق مع طبيعة الله، فسجودنا ليس بوسائل مادية طبيعية كما كان لإسرائيل قديماً، بل هو سجود روحي (عب 15:13، يو 21:4-24). وهذا هو السجود بالروح.

عندما أحيا الرب في نعمته الحقائق الثمينة عن الخلاص والعتق الكامل، وعندما أدركت هذا الحق قلوب قد اتضعت، حينئذ أُعيدت خدمة السجود إلى وضعها الأول، فابتدأ المؤمنون يجتمعون لأجل غرض واحد، وهو تقديم السجود والحمد والسبح للآب والابن تحت قيادة الروح القدس.

وفي السماء لن نتعلم ولن نوعظ، لن نكون في حاجة إلى من يعزينا أو يسندنا، لن نحتاج فيما بعد إلى تقويم أو بنيان، ولا إلى ازدياد في المعرفة والحكمة (1كو 3:13-12). لذلك لن نجتمع هناك لأي غرض من هذه. وبالرغم من أن اجتماعاتنا هنا لهذه الأغراض لها قيمتها الكبرى طالما نحن على الأرض، لكن تقديمنا السبح والشكر والتعبد لن ينقطع إطلاقاً، لا هنا ولا في السماء، بل هناك ستجتمع الكنيسة حول الحمل المذبوح فتقدم السجود الأكمل. ألا يرينا هذا أن السجود هو أسمى صور الخدمة التي يمكن أن نقدمها في اجتماعات الكنيسة؟ هذا هو فكر الرب من جهتنا. فهو سيظل يعلمنا ويعظنا طالما نحن في ضعف على هذه الأرض. ولكنه أيضاً يريد أن يوجدنا ونحن هنا على الأرض في ذات الحالة الموصوفة بأنها السماء في رؤيا 5، المكان الذي فيه ستجتمع الكنيسة حول الحمل المذبوح، هناك ستعطيه الكنيسة مع الآب البركة والكرامة من كل القلب. فهذا لمن يعرفونه هو اختبار مذاق السماء مقدماً، كما يقول المرنم!

إليك خرجوا
وعنه انفصلوا
 

سجودهم لك
تذوقوا منها

 

ذي خدمة لك
نختبر فيها
 

 

من عالم الفنا
وتركوا العناا
 

يا سيد الملا
حلاوة السما

 

ونحن في الدنيا
راحتك العليا
 

وعندما نمارس هذه الخدمة روحياً لابد وأن يكون لها تأثيرها على حياتنا العملية. فقد كان عوبيد هو أبو يسى الذي معناه "هو الكائن"، أو "يهوه الكائن". فعندما ننشغل بالسجود للآب، وبشخص وعمل الرب المخلص، فإن هذه المشغولية ستتخلل كياننا وحياتنا كلها، وسيصبح واقعاً حياً في قلوبنا أننا نرى ونجد الآب والابن في كل أمورنا.

إن هذا السجود وهذه الخدمة يجب أن تدمغ حياتنا. وعندما يصبح هذا واقعاً حياً في قلوبنا أن نعرف الآب والابن - يهوه الكائن - في جماله العجيب وقوته ومحبته، سرمديته وعدم تغيره (عب 8:13)، فلاشك أن هذا سيرفعنا فوق ظروف الأرض والأوضاع المحيطة بنا. فلا تقتصر معرفتنا على عقولنا، بل تمتد إلى مشاعرنا وقلوبنا، ونوقن أنه لا شيء يمكن أن يحدث إلا بسماح من الآب، الذي أحصى جميع شعور رؤوسنا. هذه حقيقة إلى أن نعرفها لا نكون قد بدأنا الحديث عن مقاصد الرب يسوع في محبته.

أفهل نظن أن سجودنا وخدمتنا هي بلا قيمة عند الآب وعند ربنا يسوع؟ لقد كان يسى هو أبو داود، ومعناه "صديق" أو "محبوب". فبالسجود الحقيقي نصبح خلاناً للآب، ومحبوبين منه، مشابهين في هذا للرب الذي هو "ابن داود"، محبوب الآب (أف 1:6) الذي يدعى «ابن محبته» (كو 13:1)، الذي فيه وجد الآب كل سروره. عندئذ تكون لنا الشركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح (1يو 3:1). كم هذا عجيب وسامٍ - وهكذا يجب أن يكون تقديرنا - أن نؤتمن نحن على أفكار الآب والابن (يو 15:15).


وهذه مواليد فارص. فارص ولد حصرون. وحصرون ولد رام. ورام ولد عميناداب. وعميناداب ولد نحشون. ونحشون ولد سلمون. وسلمون ولد بوعز. وبوعز ولد عوبيد. وعوبيد ولد يسى. ويسى ولد داود ( ع 18-22).

ينتهي في الواقع سفر راعوث عند العدد السابع عشر من هذا الأصحاح. فقد وصلنا إلى المركز الصحيح، أي الاتحاد بالمسيح المقام والممجد، الذي يرمز إليه بوعز. كما يعني هذا أننا قد صارت لنا الشركة العملية مع الآب ومع الابن كعابدين. وسلسلة النسب التي أمامنا الآن هي تذييل، وهو تذييل له أهميته. فتاريخياً يقدم لنا راعوث وقد صار لها اسم في سلسلة نسب الرب يسوع. وهذا ما يؤكد عليه إنجيل متى في الأصحاح الأول. ولكن أيضاً سلسلة النسب هذه لها مغزاها الروحي. ولكي نفهمه علينا أن نتأمل معاني الأسماء الواردة فيها.

إنه لمن الرائع حقاً أن نُستحضر إلى المركز الذي لكنيسة فيلادلفيا وحالتها العملية. ولكننا أيضاً نعلم من واقع اختبارنا أنه من السهل جداً أيضاً تركه. لذلك وجه الرب تحذيره إلى أولئك الذين في فيلادلفيا «تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك» (رؤ 11:3). فمن «يتمسك» يدعوه الرب «غالباً». إن أولئك الذين استُحضِروا إلى فيلادلفيا، وكذلك الذين يستحضرهم الرب الآن، ليسوا أفضل من «القديسين...والمؤمنين في المسيح يسوع» الذين كانوا في أفسس، الذين بعد ذلك بفترة وجيزة قال لهم الرب «عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى» (رؤ 4:2). لذلك فهي مسئولية خطيرة علينا أن نبقى في هذا الوضع وهذه الحالة التي أتى بنا الرب إليها. ولكن هذا ما لا نستطيع أن نفعله من ذواتنا، بل إن هذا في الواقع أصعب من حفظ ناموس جبل سيناء، وهو الذي استعصى حفظه على الجميع. ولكن هناك قوة تستطيع أن تحفظنا ثابتين. إنها قوة «القادر أن يحفظكم غير عاثرين، ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج» (يه 24). إنها قوة الله التي تعمل فينا لتثبت إيماننا (1بط 5:1). إنها القوة التي تغلب العالم (1يو 4:5).

سبق أن رأينا أن فارص هو رمز لهذه القوة الإلهية التي تعمل فينا وتثمر فينا وبنا ثمراً به يتمجد اسم الرب (أف 16:3 و20، كو 10:1،11). وفي سلسلة النسب هذه من فارص نرى كيف نستطيع أن نغلب.

صحيح أن قوة الله تعمل فينا، ولكنها هنا تذكر بالارتباط بمسئوليتنا، فنجد أمامنا عشرة أسماء، منها خمسة مرتبطة بمصر والرحلة عبر البرية، والخمسة الأخيرة مرتبطة بسكنى الشعب في الأرض. وكما نعلم فإن الرقم "خمسة" يتكلم عن مسئولية الإنسان كخليقة الله، وهي بلا شك مسئولية مع معونة من الخالق، ولكن أيضاً تحت رقابته. والروح القدس يركز هنا على الرقم خمسة. والواقع الذي لا جدال فيه أن هناك أسماء قد أُغفل ذكرها ليبقى عددهم عشرة أي حاصل ضرب خمسة في اثنين. فمن مواضع أخرى نستطيع أن نعرف أن داود مات، وتقلد سليمان الملك في السنة الخمسمائة والتسعين لخروج إسرائيل من أرض مصر لذلك فالأسماء الخمسة الأخيرة في هذه السلسلة تغطي معاً مدة 540 سنة. من هذا نستنتج أن الروح القدس اختار هذه الأسماء الخمسة عن قصد خاص ليستخدمها لإيضاح فكرة معينة من خلالها.

يعني اسم فارص "اقتحام". وقصة ولادته توضح لنا ما هي نتيجة القوة التي تعمل فينا (تك 27:38-30). وفي فارص، مع أخيه زارح، نرى ما يوضح لنا أننا نلنا طبيعة جديدة عندما ولدنا ثانية، مع بقاء الطبيعة القديمة فينا. «لكن ليس الروحاني أولاً بل الحيواني، وبعد ذلك الروحاني» (1كو 46:15). فقد مد زارح يده خارجاً أولاً، وظنت القابلة أنه هو الذي سيولد أولاً، ولكن فارص اقتحم المشهد وولد أولاً فصار بكراً. فمع أن الإنسان الذي في رومية 7 مولود ولادة ثانية، ولكنه يشبَّه بزارح. أما الإنسان في رومية 8 الذي يسلك حسب الروح وينقاد بالروح فمرموز إليه بفارص، الذي فيه يتم حكم الناموس - أي الطاعة - بواسطة القوة الإلهية التي فيه. بينما حسبت الطبيعة القديمة -أي الذات- ميتة، حتى أن الروح القدس الذي يعمل في الطبيعة الجديدة يمكنه أن يحفظه في هذا المركز العجيب الذي استحضر إليه.

والنتيجة لهذا كله هي "حصرون" الذي معناه "محصور" وقد قال الرب عن أورشليم «أكون لها سور نار من حولها، وأكون مجداً في وسطها» (زك 5:2). «أورشليم الجبال حولها، والرب حول شعبه من الآن وإلى الدهر» (مز 2:125). «ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم» (مز 7:34). وفي أيوب 9:1 و10 يشتكي الشيطان لأن الله سيَّج حول أيوب. فعندما تكون الحرية لكلمة الله لتعمل، والمجال مفتوحاً أمامها كما رأينا في فارص، فإن النتيجة الحتمية هي أن الله سيسيِّج حولنا. فلا يستطيع عدو أن يمسنا، وعندئذ سيولد "رام" الذي معناه "مرتفع"، ونصير كموسى الذي كان مع الله على الجبل أربعين يوماً، فرأى مجد رحمة الله وطول أناته، فنعكس بالتالي هذا المجد وهذه الرحمة على الآخرين (خر 4:34-7 و29 و30، 2كو 18:3). وهكذا ولد رام "عميناداب" الذي معناه "شعب المعطي المسرور" كما يعني أيضاً «الشعب المنتدب»هذا المعنى معبر عنه في نشيد الأنشاد 12:6 حيث يقول العريس «فلم أشعر إلا وقد جعلتني نفسي بين مركبات قوم شريف» (أي قومي المنتدبين). ولكن يبقى المعنى الذي ذكرناه أولاً عن هذا الاسم صحيحاً. فنحن قد أقبلنا إلى معرفة الرب كالمعطي الأعظم عندما ارتقينا إلى مكانه الأسمى. فهناك في السماويات عرفنا الغنى الذي لنا، والنتائج العظيمة لعطائه لنا، فارتبطت قلوبنا بهذا المكان، وكم هو جيد حقاً أن نكون هناك معه. ولكن مازال هناك ما هو أعظم، فقد ولد عميناداب «نحشون» الذي معناه "رائي". فمن قمة الجبل الآن نستطيع أن نرى الأرض على امتدادها وفي كل جمالها وبهائها كما فعل موسى (تث 1:34-4)، ونثق أننا يوماً قريباً سنمتلكها كلها. فعندما نكون في شركة مع الرب يكشف لنا الروح القدس أموراً عجيبة عن المستقبل من المكتوب. وعندما نشغل المركز الذي لفيلادلفيا فإن الرب يقول لنا «هاأنا آتي سريعاً». فهذا هو آخر ما يمكن أن يقال لنا ونحن في رحلة البرية.

ثم بعد ذلك يأتي سلمون، ومعناه "ملابس" أو "ثياب". ومن إنجيل متى 5:1 نعرف أن سلمون قد تزوج برحاب. وبالتالي فإنه يأخذنا إلى الأرض. وهناك في الأرض نعرف أننا اكتسينا بأفخر الثياب. فقد أنعم علينا «في المحبوب» (أف 6:1) فأدركنا ما هي الثياب. إنها المحبوب ذاته «الذي فيه لنا الفداء بدمه. غفران الخطايا» (أف 7:1) فهو الذي أسلم نفسه لأجلنا، وهاهو الآن جالس ممجداً عن يمين الآب. ولم يقتصر الأمر على خلاصنا، بل صارت هناك القوة التي تعمل لحسابنا، وهنا يأتي «بوعز» "الذي فيه القوة". تلك هي ذاتها القوة التي أقامت من الأموات ذاك الذي مات لأجلنا، وأعطته مكاناً عن يمين الله «فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة، وكل اسم يسمى، ليس في هذا الدهر فقط، بل في المستقبل أيضاً» (أف 18:1-23). كذلك نرى أننا قد أحيينا معه، وأُجلسنا في السماويات في المسيح يسوع (أف 5:2 و6). أخيراً، وبعد أن نفهم هذا كله فإننا سنخدم ونسجد، وتكون لنا الشركة العملية مع الآب والابن، مدركين أننا موضوع المحبة والنعمة، وهذا ما رأيناه في معاني أسماء "عوبيد" و"يسى" و"داود". علاوة على ذلك، يكون عندنا الإدراك لحقيقة أنه بالرغم من أننا أفسدنا كل شيء أعطاه لنا الرب إلا أنه ما كان ممكناً أن نفسد عمله.

واسم "يسى" معناه "يهوه الكائن"، وهو يتكلم إلينا عن ربنا يسوع المسيح، الذي هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عب 8:13). لقد قال بفمه الكريم «...أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 18:16)، فهو لابد وأن يحضر الكنيسة لنفسه «مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك» (أف 27:5). بهذا فإننا نأتي إلى اليقين الذي لا يتزعزع ولا يتبدل من جهة كل ما هو من الله. وفقط ننتظر ربنا يسوع آتياً ليأخذ كنيسته لتكون له، وليدخل بها إلى بيت الآب، حيث الراحة الكاملة، ليس فقط لضمائرنا، بل لأجسادنا أيضاً. وسنبلغ كمال الفرح ونحن نرنم الترنيمة الجديدة قائلين «مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنالله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة. وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة» (رؤ 9:5).

هذه هي الطريق، وتلك هي الوسائل التي بها نُحفظ في المكان والحالة التي أتى بنا الرب إليها بواسطة «القوة التي تعمل فينا» عندما نفتح نحن المجال أمامها لتعمل فينا وبنا.

لنطلب إلى الرب فيزيد إيمانك وإيماني، حتى ينتصر على هذا العالم الحاضر الشرير (1يو 4:5) ويكون منتظراً للعالم العتيد. فالعالم الحاضر قد رفض ابن الله، وأما العتيد فسيعرفه. العالم الحاضر قد باعه بثلاثين من الفضة. العالم الحاضر قد صلبه. كل ما فيه هو «هموم هذا العالم وغرور الغنى». وفيه يقبل الناس مجداً من بعضهم البعض. إنه كل يوم فيه يبيعون ويشترون، إنه الزرع والحصاد، إنه الأكل والشرب. هذا هو ما صَلَب رب المجد، وكان المعتبَرون كثيراً في هذا العالم هم الضالعون أكثر في صلبه. ومازال إلى اليوم هؤلاء المعتبَرون كثيراً هم الذين لا يريدون له أن يملك عليهم، ولا يطلبون مجيئه ثانية. ولكنه لا محالة آتٍ يوماً على هذا المشهد كلص في الليل.

أيها الأحباء، لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. اذكروا امرأة لوط، ولنكن من أولئك الذين ينتظرون سيدهم متى يأتي إليهم، الذين ماتوا مع المسيح، الذين لا يفتخرون إلا بصليبه. لنكن من هؤلاء الذين يقدرون قيمة الدم الثمين، دم ابن الله، الذي سفكه العالم، والذي عنه سيعطي حساباً. ليكن عندنا الاستعداد لأن نكون مرفوضين من العالم، فسيعترف هو بأسمائنا المحتقرة أمام ملائكة الله، ثم نقف أمامه قريباً بلا عيب في ابتهاج وفرح عظيم.

وليكن اسمه الكريم مباركاً من الآن وإلى أبد الآبدين

حول بوعزنا الحقيقي على مائدته

كنيسةُ اللهِ
يجمعُها الروحُ
إليك خرجوا
وعنه انفصلوا
 

عارُكَ في العالم
خزيُ صليبِك
سجودُهم لك
تذوقوا منه

 

جسدُك الواحدْ
يخبِّرُ العالمْ
شهادةٌ لك
فوق الجميعِ في الـ

 

نرفِّعُ اسمكَ
وسفكَ الدم
ها إنك آتِ
ويبدأُ العرسُ
 

 

يا ربَنا حولَكْ
كيْ يظهرَ مجدَكْ
من عالمِ الفَنا
وتركوا العَنا
 

أضحى لهمْ ذُخرُ
لهمْ هو الفخرُ
يا سيدَ الملا
حلاوةَ السما

 

ورأسُه أنت
بأنك متَّ
بأنك قمتَ
سماءِ أُجلستَ

 

يا من أحبنا
به غسَّلنا
فنتركُ الغبرا
وتنتهي الذكرى
 

أضف تعليق


قرأت لك

افتد الوقت

توقّف الفلاح عن الحرث، ليلحق بفأر، واستغرق الأمر اكثر من ساعة، داس فيها على الكثير من السنابل، لكنه لم يمسك بالفأر... هكذا مَن يضيع وقته في أمر ثانوي.