تفاسير

الأصحاح الرابع

القسم: سفر راعوث.

فقالت النساء لنعمي مبارك الرب الذي لم يعدمك ولياً اليوم لكي يدعى اسمه في إسرائيل ( ع 14).

حتى ذلك الوقت كانت راعوث عاقراً. فزواجها من محلون لم يثمر أطفالاً، ولكن اقترانها ببوعز أنهى عقمها. هذا حق بالنسبة لكل مؤمن، فالرب يقول «اثبتوا فيَّ وأنا فيكم. كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير. لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو 4:15 و5). هذا المبدأ حق بالنسبة للمؤمن فردياً، وأيضاً هو صحيح للكنيسة كمجموع. إن ساردس وضعت نفسها تحت وصاية العالم، لذا لم تستطع أن تأتي بثمر، ولم تشهد أعمالها إلا بأنها ميتة (رؤ 1:3) وكيف تقترن بالعالم وتبقى في ذات الوقت شهادة للرب المرفوض؟ هذا مستحيل بكل المقاييس. كيف من موضعها هذا تثمر ثمراً يتكلم عن حياة القيامة والصبغة السماوية؟ إن الكنيسة لم تثمر ثمراً حقيقياً إلا بعد أن أدركت حقيقة كونها قد صارت واحداً مع رأسها الممجد في السماء (أف 22:1 و23)، وبعد أن عرفت ذلك عملياً. حينئذ فقط صار في إمكانها أن تسلك في الأعمال الصالحة التي سبق الله فأعدها لكي يسلك فيها أولئك الذين أُقيموا مع المسيح وأُجلسوا معه في السماويات (أف 6:2-10).

هكذا كان مع راعوث أيضاً. فقد أعطاها الرب حبَلاً عندما اقترنت ببوعز، فولدت ابناً. ولنلاحظ أنه من هذه اللحظة لا يذكر اسم راعوث مرة أخرى. فمعنى اسم راعوث "مكتفية". وقد شبعت إلى التمام بالمركز الذي وصلت إليه. وهكذا بالنسبة للكنيسة وهي على الأرض، فلا يوجد ما هو أسمى بالنسبة لها من الاتحاد بالمسيح الذي في السماء. إن إدراك هذه الحقيقة، والتمتع العملي بها هو فقط ما يشبع القلب ويملأه. واللحظة التي وصلت فيها فيلادلفيا إلى امتلاك هذا الحق كانت هي بدايتها، ومنها بدأت الثمر. ولم تعد بعد ذلك حاجة لأحد لأن يبحث عن مركز أسمى للكنيسة أو لمن ينتمون إليها. ولم يبق سوى تحقيق وامتلاك واستعلان ما عمله الرب معها.

لنرجع الآن بذاكرتنا إلى تلك الحالة المظلمة والميئوس منها التي كانت لنعمي وراعوث عند خروجهما من أرض موآب. كانت كلمات نعمي إلى عرفة وراعوث محورها هو استحالة أن يقوم نسل للموتى، أو فداء ميراثهم. ولكن كلمة "مستحيل" لا يجوز إطلاقاً استخدامها في أمور الله. فليس هناك ما يستحيل عليه سوى أن يكذب أو يتصرف بما لا يتفق مع قداسته. فالبداية هي أن نقتنع بعجزنا التام، ولكن في ذات الوقت لا يجب أن نحد قوة الله ومحبته، فذلك إهانة له لا تُقبل.

لا شك أنه فينا الكثير مما يدعونا إلى الاتضاع. وإنه لحسن أن نفعل ذلك. ولكن تأمل كيف فاض وفور فرح نعمي وهي تربي طفل راعوث في حضنها. فعندما فتح الرب أعين البعض في مطلع القرن التاسع عشر، فرأوا الفساد والخراب التام الذي في الكنيسة الكاثوليكية، والموت الذي في الكنائس البروتستانتية، فمن كان منهم يتصور في ذلك الوقت أن هناك إمكانية لاستعادة واسترداد شهادة الله؟ ولكن الله فعل ذلك. فقد صار لهم معرفة بمركز الكنيسة الحقيقي، وكانت نتائج وثمار هذه المعرفة أن انفصل المؤمنون عن العالم، وعن المسيحية الاسمية، وتحققت في حياتهم حقيقة كوننا غرباء سائحين على الأرض، لأن موطننا هو السماء.

وفي وقتنا الحاضر مازال هناك مؤمنون كثيرون مثل راعوث، لم يعرفوا بعد معنى الغنى والسعادة التي وهبها الله للكنيسة، أو ربما هم كنعمي قد أعطوا ظهورهم لهذه البركات ليذهبوا إلى موآب. لمثل هؤلاء المؤمنين نكرر قولنا إن الباب إلى الفادي مازال مفتوحاً. وإنه يجد فرحه وسروره كسيدهم المقام والممجد في أن يمنحهم كل الغنى الذي تركوه خلفهم.

لماذا نجد كثيراً من المؤمنين غير متمتعين بالميراث؟ السبب هو أنهم لا يعرفون حقيقته، بل لا يعرفون حتى أنهم لم يمتلكوا الميراث الذي لهم. إنهم لم يدخلوا إلى التدريبات القلبية العميقة التي جرت مع نعمي. قد يكونوا متيقنين من غفران خطاياهم، وأنهم لابد وأن يختبروا صلاح الله وأمانته في رحلة حياتهم على الأرض، وأنهم يوماً سيذهبون إلى السماء، وهذا أقصى ما تصل إليه مقاييسهم الروحية. ولكن لا دراية عندهم بغنى البركات الروحية التي لهم أن يتمتعوا بها الآن. وما هو السبب الذي يمنعهم من معرفة ما لهم من بركات؟ قد يكون للتعاليم غير الصحيحة والخاطئة دور في هذا. ولكن الأهم هو أنهم غير مهتمين بما للرب. فهم مشغولون بما لهم، بذواتهم وما يخصهم. ولكن عندما يصبح الرب الممجد هو غرض قلوبنا، وتتثبت عيوننا عليه، عندئذ لابد أن يرينا غناه، فتنجذب قلوبنا نحوه، ونختبر كراعوث ونعمي أن المسيح يستطيع أن يعطينا التمتع الكامل بالميراث، وأن يشبع كل رغبة فينا بحسب الله. كذلك فإنه يؤهلنا لأن نسلك حسب الدعوة العليا التي دعينا بها بالروح القدس المعطى لنا. إن مثل هؤلاء المؤمنين لهم أن يُقبِلوا إلى معرفته كمن هو المصدر لكل شيء، وكمن يستطيع أن يرد كل البركات التي أعطاها الله لشعبه أولاً. لأنها كلها أُعطيت منه، وهو قد حفظها لنا كاملة.

أضف تعليق


قرأت لك

هل تعرف نفسك؟

غالبا ما يجهل الإنسان حقيقة نفسه، فهو دائما يظن بأنه الأفضل في كل شيء وبأنه يستطيع أن يقوم بأصعب الأمور من دون مساعدة وبأنه كامل حتى يظن أحيانا بأن الله لم يخلق غيره صالحا

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة