الإصحاح السابع والعشرون: الاستقامة والكمال

القسم: سفر أيوب الجزء 2.

أولاً: توكيد الاستقامة والكمال، بالمباينة مع الشرير وقضائه.

كان يلزم لأيوب ستة إصحاحات ليقيم فيها بره الذاتي. هذا كثير وليس كافياً في نفس الوقت. ولو كان أطال الكلام أكثر من ذلك فما كان يكفي لأنه لا يمكن أن يتوازن كل ما يأتي من الإنسان مع البر الإلهي، ولكن البر الإلهي قد تم بالفعل ولا علاقة له بالمجهود الذاتي – ولنلاحظ أن تبرير الذات قاد أيوب إلى اتهام الله بالظلم وبضربه بلا سبب (قارن ص40: 3).

وزيادة على ذلك يوجه صراحة اللوم للقدير الذي نزع حقه وأمرّ نفسه (ع2). وفي (ع6) يقول بكبرياء "تمسكت ببري ولا أرخيه. قلبي لا يعير يوماً من أيامي". ولن ما هو جواب الله على ذلك؟ "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا" (1يوحنا1: 8).

وإن كان قلبنا لا يلومنا على شيء؟ فهذا لا يعني أننا بلا خطية. إنّ الله أكثر حساسية من ضمائرنا بما لا يقاس (1كورنثوس4: 4). قد تبدو ملابسنا نظيفة في الظلام بينما في ملء ضوء الشمس (نور محضر الله) فإن اقل واصغر بقعة تبدو ظاهرة بوضوح.

مع أنّ هذا الإصحاح يؤلف جزءاً من المناجاة، فهو وثيق الصلة برد أيوب على بلدد. ونستطيع أن نعده موجهاً لأصحابه كمجموع لتخليص الخصومة.

يبدو أنّ هذا القسم ينقصه التعادل، ويرى البعض انه كذلك يعوزه الانسجام والتوافق مع ما قاله أيوب قبلاً. تبرير الذات شيء مألوف، لكنه عندما يبدأ في وصف خلق الأشرار وقضاءهم المحتوم، نتصور أنّ واحداً من الثلاثة الأصحاب هو المتكلم والواقع أن الجزء الأخير من الإصحاح محسوب – في رأي البعض- كخطاب ثالث من صوفر، كان قد سقط من مكانه وادخل في هذا الحيّز إلى جانب (ص28). كردٍّ من أيوب. على أنه ليس هنالك اقل إشارة على مثل هذا الاضطراب في النص إنما هي نظرية ينادي البعض بها لكي يتفادوا الاصطدام مزعومة، صعوبة وجدت حلها في دراسة الإصحاح ذاته.

*       *      *

ينقسم هذا الإصحاح إلى أربعة أجزاء رئيسية:

(ع1-7) أيوب يتمسك ببره.

(ع8-12) مباينة مع صفات الشرير.

(ع13-18) قضاء محقق للفجار.

(ع19-23) الفاجر مطرود في شرّه.


(ع1-7) أيوب يتمسك ببره.

"وعاد أيوب ينطق بمثله فقال. حي هو الله الذي نزع حقي والقدير الذي أمرّ نفسي. إنه مادامت نسمتي فيّ ونفخة الله في أنفي لن تتكلم شفتاي إثماً ولا يلفظ لساني بغش".

إن أيوب لا يزال يصر على أن كل تخيلاتهم خاطئة. وهو الآن يقر بإصرار أكثر من ذي قبل. فالعبارة نوع من الحلف المقدس وكأنه يحلف بالله الحي أن ما يقوله صحيح.

"حاشا لي أن أبرركم" إنه الآن يتحول إليهم قائلاً إنهم هم المذنبون وليس هو "حتى أُسلم الروح لا اعزل كمال عني. تمسكت ببري ولا أرخيه. قلبي لا يعير يوماً من أيامي".

وذلك بعكس ما كانوا يقولونه إذ ينسبون إليه الخطأ الشنيع في كل ما نطقوا به من أحاديث.

"ليكن عدوي كالشرير ومعاندي كفاعل الشر".... ومعنى هذا أن أيوب يقول لهم إنكم انتم الذين تعملون عمل الأشرار دون أن تعلموا، وأنتم الأشرار وليس أنا.... "لأنه ما هو رجاء الفاجر (أو المرائي) عندما يقطعه. عندما يسلب الله نفسه".

ومن ذلك يتضح أن أيوب كان يمقت الرياء أكثر مما كانوا يمقتونه. "أفيسمع الله صراخه إذا جاء عليه ضيق؟" وهكذا يستمر أيوب موضحاً هذه العبارة إلى آخر الإصحاح "أم يتلذذ بالقدير" هذا ما كان يفعله أيوب.

"هل يدعو الله في كل حين؟" إن أيوب كان يدعو الله حتى وهو في وسط هذه الضيقة الفظيعة.

هنا يعلن أيوب أنه لن يستسلم لاتهامات أصحابه الظالمة. وبجرأة يقرر أن الله نزع حقه، أي أنه تصرف معه بغير عدالة، جلب المرارة إلى نفس من لا يستحقها!.

للعدد الثالث عدة أوضاع ترجمية. فوضع يظهر لنا أيوب كمن يقول أنه مادام فيه نفس يتردد فإنه يصر على التمسك ببره. غير أن كثيرين يرون أن هذا العدد تفسير اعتراض، وهم يضعونه هكذا "حي هو الله ....فإن نسمتي لا تزال فيّ...الخ" أي أنه في كامل وعيه. يتحدث الصدق في صحو كما يعتقد. ومثل هذا الأداء والتفسير يتفقان على ما يبدو مع الأصل.

إنه لا يسمح لنفسه أن يحتمل الشهادة الباطلة، وحتى إلى الموت سوف يتمسك بكماله. قلبه لا يدينه، وإذ يراجع ماضي حياته فلا يجد يوماً واحداً يترك في سجلاته أساساً للتعبير "قلبي لا يعير يوماً من أيامي" وينبغي أن نأخذ هذا على أنه تصريح متزن لشخص عاش بكل ضمير صالح. لكنه قول لا يخلو من نغمة البر الذاتي الذي لا يتفق مع معرفة حقيقة النفس في حضرة الله. وأيوب ليس في تلك الحضرة بعد. إنما هي صرخة من نفس أمينة لا ترى النور تماماً. أليس هناك شيء من الظلم؟. هو في عدوه، لا في شخصه. لذلك نرى أن أيوب يتكلم كما بين إنسان وإنسان.


(ع8-12) مباينة مع صفات الشرير.

هنا يتحول أيوب إلى نهاية الأشرار. أي رجاء للفاجر الشرير عندما يقطعه الله ويسلب نفسه؟ ما نهاية الإنسان الذي يخاطبه الله بالقول "يا غبي، هذه الليلة تطلب نفسك منك؟" هل يسمع الله صراخه وقد جاء متأخراً؟ أو لم يحذرهم الله التحذير الكافي "أنا أيضاً أضحك عند بليتهم. أشمت عند مجيء خوفهم" (امثال1: 26) هل ضاع الوقت للصراخ إلى الله عندما نؤجل الفرص الحاضرة إلى أن "نحصل على وقت". والوقت لن يجيء؟.

يسألهم أيوب: أليس هذا غاية في الوضوح؟ ألا يعرفون طرق الرب؟ فلماذا يستغرقون في مثل هذه الأفكار الغبية الخاطئة التي عبّروا عنها، ويتهمونه (وهو الرجل الذي يعرفون مدى استقامته، والذي يدرك حقيقة كماله) بأنه مطبوع بمثل الخلق الذي يصفه؟.

وهنا نصل إلى تفسير التغيير الواضح الذي طرأ على اتجاه أيوب. حتى الآن كان يقاوم أصحابه في جدلهم بشأن الأشرار لأنهم ضمنوه تلك الأوصاف التي تحدثوا عنها. وهو الآن يستخدم الأسلوب عينه ليبين كيف أنه يستحيل الخلط بين واحد مثله وبين الأشرار الذين يضمونه بينهم.

إن ردّه يصبح هكذا فعّالاً على اتهاماتهم. فقد تناول فيه كثيراً من الاستثناءات في معاملة الله مع الأشرار. لأن أصحابه أساءوا استغلال هذه المعاملات على أن قوة أقواله سوف تتجلى في الجزء التالي.


(ع13-18) قضاء محقق للفجار.

هنا يتناول القضاء المرعب الذي لا مهرب للفجار منه، وفي أسلوب يتساوى مع أسلوب أصحابه يخبرهم كيف أنهم سيؤخذون آخر المطاف.

"هذا نصيب الإنسان الشرير من عند الله". لقد حصّل ثروة وملذات وكرامة من أيدي الناس، ولكن الميراث الذي يحصلون عليه من القدير الذي امتهنوه. هل تضاعف بنوهم؟ للسيف المهلك قد تركوا، هل عاشوا يوماً مرفهين؟ سيفتقرون إلى الطعام، والذين يستخلفونهم يبتلعهم الموت، دون أن يندبهم المحبون "كهنته سقطوا بالسيف وأرامله لم يبكين" (مزمور78: 64).

هكذا يتناول أيوب نوعاً من الحزن يشبه من بعض الوجوه الحزن الذي يعانيه، ولكنه كم يختلف. فهو أيضاً قد حرم من بنيه، لكن هل كان ذلك تحت غضب الله العقابي، الجزائي؟ وهل تصرّف أولئك الأشرار الذين يصفهم هنا؟ هم قد يكتنزون الفضة والثروة كالتراب، إنما لكي يستمتع به الأشرار "ثروة الخاطئ تذخر للصديق".

فهل كان الأمر هكذا مع أيوب؟ عل فاز الصديق بالثروة التي كانت بين يديه مرة؟ إن مساكن الفجار الفخمة، سوف تتحطم مثل بيت العث السريع الزوال: يتحطم إلى لا شيء، أو يكون مثل مظلة الحارس العابرة الوقتية "كخيمة في مقثأة" إن كلام أيوب هكذا عنه واثبات عظمة هذا العالم يكشف لنا أنه كان يحس بمبلغ ما يختلف به ميراثه الذي حصلّه. فليفسد الدود والصدأ، أما هو فيبدو أنه يقول أنه يعلم قيمة ما لديه، من مال أفضل وباقٍ.


(ع19-23) الفاجر مطرود في شره.

يستطرد أيوب وصفه الخطير لمسلك الأشرار حتى النهاية. فالغني يضطجع، غير متحقق أنها الضجعة الأخيرة. يضطجع في استرخاء عادي مألوف، ويفتح عينيه على يوم جديد، لكن لا ليواصل أعماله القديمة ومسراته. إنما يفتح عينيه لكي يمضي. تلك العينان اللتان طالما أغلقتا دون كل ما شهد به الله، سوف تنفتحان على عالم آخر "رفع عينيه في الهاوية وهو في العذاب"!.

والأهوال التي طالما استبعدها وأقصاها عن ذاكرته كلما كان يتحدث صوت الضمير محذراً، تنهال عليه، وكما في زوبعة تختطفه ليلاً. يحطه الله، ويبتهج الناس أنه زال من عيونهم ظالم ومعتنف.

هكذا يصف أيوب في هدوء نهاية يعلم أنها ليست نهايته هو ما علة الفارق؟ أليس هو الإيمان الذي في وسط كل ضيقة تمسك بالله. الإله الذي عرفه قليلاً، الذي تحت إذلاله قد نضج.


 معاني الكلمات الصعبة

للإصحاح السابع والعشرون

ص             ع                       الكلمة                         معناها

27      :     6                         يعبّر                       يقبّح، يعيّب.

27      :    15                       الموتان            موت يقع في الماشية.

27      :   18                    الناطور               حافظ الكرم – الحارس.