الإصحاح التاسع والعشرون: إحساناته تمدحه

القسم: سفر أيوب الجزء 2.

في بداية السفر كلمنا الله باختصار عن حالة أيوب الأولى وفي هذا الإصحاح تكتمل الصورة ولكن في هذه المرة أيوب نفسه هو الذي يصف ذاته.

كل ما يقوله عن أعماله هو صحيح بالتأكيد وهكذا فإن اتهامات صوفر (ص20: 19) وأليفاز (ص22: 6، 7، 9) كانت كلها افتراءات (قارن ع 12: 13). ترى من منا له هذه الأوصاف التي ترضي الله وتحوز احترام الناس؟

ولكن أيوب وهو يصف حالته الأولى يضع قلبه عليها. لم يكن قد تعلّم مثل الرسول أن يكتفي بما هو فيه من ظروف، فكان أيوب قليل الاحتمال للإتضاع والحرمان ويفضّل أن يستفضل (فيلبي 4: 11، 12)، ويعلن ذلك كثرة استعماله لصيغة المتكلم مثل "أنا" و "نفسي" في هذا الإصحاح حيث تصل إلى حوالي مائة مرة.

وإن كانت كلمات وحروف صغيرة لكنها تكشف عن رأي أيوب العالي عن شخصه وتقديره العظيم لنفسه. إلى هنا كان قد أخفى في قلبه تحت تواضع ظاهري هذا الشعور الذي تفجّر الآن وصار جليّاً. وهذا ما خلّصه الله منه ولكن بعد أن اعترف به.

* * *

وينقسم هذا الإصحاح إلى خمسة أجزاء متميزة واضحة:

(ع1-6) الرخاء في البيت.

(ع7-10) الكرامة في الخارج.

(ع11-17) إحساناته تمتدحه.

(ع18-20) انتظار الرخاء المقيم.

(ع21-25) معزٍّ للمكروب.


(ع1-6) الرخاء في البيت

يستهل أيوب حديثه بالقول "يا ليتني كما في الشهور السابقة" والحقيقة إنها دائماً علاقة رديّة عندما يتطلع الإنسان إلى الخلف ويركز انتباهه فيما مضى. أليس لنا أن نتقدم وننمو؟ أيجوز أن تنحصر كل مشغولية أولاد الله في إحسانه العظيم الماضي وكفى؟ لا شك أن كلاً منا قد انتزع انتزاعاً من بين أنياب الشيطان ولكن ما هذا بالمقارنة مع التقدم في معرفة الله والنمو في النعمة نمواً إيجابياً؟

لا شك أن إنقاذنا من الهلاك شيء عظيم للغاية، ولكن أليست معرفة الله أعظم بما يقاس من مجرد عمل النعمة في خلاص الخاطئ المسكين البائس؟ إنه من الجميل أن يتذكر الخاطئ دائماً أمر خلاصه ويشيد به فرحاً، ولكنه من المحزن أن يرجع ببصره إليه كأسمى وأبهج شيء في حياته المسيحية، فذلك يدل على أنه لم يتقدم في حياته إطلاقاً.

وأنه كان دائماً يتطلع إلى ذلك العمل كالإحسان الإلهي الوحيد الذي استحوذ على كل كيانه. ولكن كلا، فالحياة الإلهية هي بكل يقين حياة استمتاع متزايد لا يقف عند حد، وقوامها النمو في النعمة وفي معرفة المسيح والله. وهذا الكلام يقصد به المؤمنين المتجددين بطبيعة الحال.

ولكن حتى في حالة أيوب لم يترك الله نفسه بلا شاهد، فإن الله يتلاقى دائماً مع النفوس التي تسير معه بإخلاص. فمن ذا الذي يشك في أن أخنوع سار مع الله، وهل يظن أحد أن أخنوع كان يتطلع إلى أول لمحة أخذها عن الله ويقول إنه عرف الله بهذه اللمحة مهما كانت في ذاتها مجيدة وبهيجة. كلا إن أخنوع كان يسير مع الله متشوقاً باستمرار إلى الاستزادة من معرفته.

إن الكثيرين من المسيحيين للأسف يقفون عند نقطة الخلاص، ويجعلونها المحور الذي يدورون حوله حتى لقد صارت لغتهم لا تخرج عن هذه الدائرة، ولكن ذلك في الواقع يدل على إنهم يجهلون معنى المسيحية وما هو المسيحي الحقيقي؟ إنهم يفكرون فقط في اللحظة التي فيها صاروا مؤمنين مسيحيين. ويبدو أنهم يظنون أن هذا هو الشيء الأعظم في حياتهم.

لا شك أن المسيحي بخلاصه قد عبر الحدود وانتقل من دائرة الظلام والموت إلى دائرة النور والحياة- مجرد عبور للحدود- ولكنه ليس الدخول فيما وراء ذلك من أنوار وأمجاد... فأين الوليمة وأين العيد. أين فرح الآب، أين الحلة الأولى ومتعلقاتها الأخرى المجيدة؟. كلا. ولكنه كان تالياً للخلاص ويعطينا بصورة رمزية مكان البركة الإيجابي أو "النعمة التي فيها نقيم" في الوقت الحاضر وليس مجرد النعمة التي أنقذتنا في الماضي. أنه مكان النعمة المستديم نتمتع به أكثر فأكثر على قدر نمونا في معرفة الله والحكم على ذواتنا. ولكن هنا بالذات كان فشل أيوب لقد كان معجباً بنفسه، ولذلك هو يتطلع إلى الوراء. ويقول "يا ليتني كما في الشهور السالفة" ولم يدر أن الله كان معترفاً أن يفعل له ما هو أحسن من ذلك بكثير صحيح أن أيوب اجتاز عملية غربلة قاسية جداً ولكن ذلك لخيره، وليس لخيره فقط بل لخيري وخيرك وخير كل المؤمنين الذين استفادوا من هذا السفر النفيس منذ كتابته. فقد قصد الله به أن يكون بركة للجميع. لم يكن المقصود بطبيعة الحال أن يقوم إنسان آخر يجتاز نفس الاختبار بنجاح، فالله قد سرّ واكتفى بما أظهره أيوب من احتمال للتجربة باعتباره بشر كما هو مكتوب "قد سمعتم بصبر أيوب" ولكن في هذا بالذات- أي الصبر- فشل أيوب، فشل حتى أنه أخيراً أظهر الضجر وعدم الصبر حتى مع الله، والسبب لأنه لم يكن بعد الرجل المنكسر انكساراً تاماً وكان لا بد أن تنكشف له ذاته فيعرف حقيقة نفسه.

آه. ما أندر أن يجد الإنسان حتى الآن قديساً من قديسي الله تنطبق عليه هذه الحالة التي يجب أن يكون عليها كل قديس من قديسي الله، ولكن ذلك في الواقع شيء نادر حتى بين المسيحيين "وكالأيام التي حفظني الله فيها. حين أضاء سراجه على رأسي وبنوره سلكت الظلمة. كما كنت في أيام خريفي (أو أيام شبابي)... ولماذا؟ إن هذا الشيء غريب حقاً. "خريفي أو شبابي"- فلا تقدم مع الله في دور نضوجه أو شيخوخته! فيم كان يفكر أيوب وإلام كان يرمي؟.

"والقدير يعد معي وحولي غلماني". ألم يكن القدير معه وهو ينطق بهذه الأقوال؟ ذلك ما لم يره أيوب عندئذ وذلك ما لم يعرفه. "إن من يحبه يؤدبه" ذلك درس من دروس سفر أيوب العظمى لا شك أنه كان تأديباً مريعاً- لدرجة أن جعل الأصحاب الثلاثة يظنون أنه كان عقاباً جزائياً وقصاصاً انتقامياً وإنه كان من المستحيل على أي شخص أن يتحمل مثل هذه الدرجة القصوى من الألم ما لم يكن منافقاً شريراً إلى أقصى حد وما لم يكن قد اقترف إثماً شنيعاً. ومما زاد الأمر شناعةً أن أيوب كان يبدو بحسب الظاهر رجلاً باراً وصالحاً مما جعلهم يظنونه مرائياً كبيراً. وفي هذا كانوا مخطئين غاية الخطأ وقد ترتب على ذلك أنه كان عليهم أن يدركوا أنهم أقل من أيوب، وأنه كان على أيوب أن يصلي من أجلهم حتى لا يموتوا. وهذا ما فعل أيوب في نهاية الأمر.

"إذا غسلت خطواتي باللبن" طبعاً الكلام هنا مجازي. "والصخر سكب لي جداول زيت". ومن هذا ترى أن البترول شيء قديم في هذا العالم.

هي علامة تكاد تكون دائمة، علامة على الشيخوخة أن يضطر الإنسان للرجوع إلى الماضي ملتمساً فيه آثار الرضا الإلهي. وهي عرضة أن تكون مرتبطة بكبرياء الماضي العابر، وبالعزيمة الخائرة في الوقت الحاضر.

ففيما يتصل بأمور الله، نحن نتمتع برضائه الشخصي، وسراجه يضيء علينا الآن، وبركته على ضيقاتنا. والمستقبل متفتح أمامنا حلواً بهيجاً "نفتخر على رجاء مجد الله". وإذا نظرنا إلى الماضي، فإنما إلى النعمة ننظر النعمة التي خلّصتنا وشعارنا المسيحي، شعار كل مسيحي، هو "أمتد إلى ما هو قدام".

فأن بولس صاحب هذا القول، يعده خسارة ذلك الماضي الذي كان يفتخر فيه ماضيه في اليهودية. حتى الخدمة الماضية، والشركة والفرح في المسيح، قد تركت في لفافة الماضي. فإن منّ الأمس لا يصلح لغذاء اليوم. ونور شمعة الأمس إنما هي فتيلة اليوم. لكنّ مسيحياً حاضراً في كل ملئه، لكنّ روحاً حاضراً يسدد بالكلمة حاجتنا، هذان هما الموضوعان الرئيسيان اللذان يشغلان من فكر المؤمن كل حيّز. فأيوب إذاً كان- من الخطوة الأولى- ينصرف إلى الاتجاه الخاطئ.

"كما كنت في خريفي". المقصود بالخريف الإشارة إلى وقت جمع الحصاد. وقت النضج الكامل، يوم كان كل شيء ناجحاً من حوله غلمانه- أي أولاده- كانوا حوله، كما نرى في الإصحاح الأول. والعدد السادس يبيّن لنا أنه كان مترفهاً في وفرة خيراته وموارده.


(ع7-10) الكرامة في الخارج.

"حين كنت أخرج إلى الباب في القرية وأهيئ في الساحة مجلسي. رآني الغلمان فاختبأوا والأشياخ قاموا ووقفوا".

كل ذلك كان شيئاً مرضياً جداً لأيوب. ونحن معرضون لأن نفكر نفس التفكير، فالناس يقولون أنه لا يوجد شيء ينجح مثل النجاح ولكنه قول خبيث وبعيد كل البعد عن طريق الله وتفكيره. فهو قول فيه إنكار للحقيقة الإلهية وهي أننا الآن في مكان الألم وفي مكان الاحتقار والرفض من أجل المسيح ولكنه على كل حال قول عالمي وهو أمر يفتخر به العالم ويجد فيه لذّته، فالناس يمدحونك إذا كنت تصنع حسناً لنفسك، أي إذا كنت ناجحاً. تصنع ثروة، تقيم حفلات وولائم وسهرات سمر وغير ذلك. "العظماء أمسكوا عن الكلام ووضعوا أيديهم على أفواههم".

ومن صفات أيوب الجميلة أنه لم يزعم أنه عظيم أو نبيل ولم يسع لأن يكون من العظماء أو النبلاء، لقد كان كملك في عظمته ونبل أخلاقه، أي ما يجب أن يكون عليه الملك. كان نبيلاً حقاً في صفاته وتصرفاته، وكل ذلك يكون جميلاً وعجيباً لو لم يتحدث عنه أو يفكر فيه لأن هذه هي النقطة المهمة "لا تعرّف شمالك ما تفعله يمينك". ليس معنى أن الناس الآخرين لا يعرفونه ولكن الخطأ هو أن شمالنا تعرف ما تفعله يميننا. أن أننا يجب أن لا نفكر فيه فمهما فعلنا إنما نفعله لله وما هو في الحقيقة إلا إرجاع لفائدة ضئيلة جداً لرأس المال العجيب. رأس المال الروحي الذي أودعه الرب في سلطاننا. أما هنا فالحال لم يكن كذلك. فأيوب كان مسروراً للغاية وكان فخوراً جداً بتفكير الناس فيه.

وبعد ما ألقى نظرة على رخائه الماضي في بيته، يتنقّل بذاكرته من خلال أبوابه، ليأخذ مكانه المرموق بين أصحابه. ومن المؤسف حقاً أن نستمع إلى رجل عظيم بحق، وهو يصف تفوقه على الآخرين.

يومئذ كان الغلمان يختبئون، والأشياخ يقومون ويظلّون وقوفاً حتى يجلس. أو لم يكن هذا الإحساس بعظمته ليغذي فيه الكبرياء التي جعلت سقوطه نوعاً من معادلة الله لابدّ منه؟ لقد كان أمير الأمراء، الشرفاء ران الصمت عليهم في حضوره فهو يصف مكانته بين مستشاري المدينة، حيث كان رئيسهم وزعيمهم.


(ع11-17) إحساناته تمتدحه.

كان أيوب يتطلع إلى ما يمكن أن نسميهم موضوع عطفه ومحبته لأن أيوب كان يضم بين جوانحه عطفاً ومحبة.

"والعين رأت فشهدت لي" وهو يشير إلى الناس الذين أعانهم في شدائدهم وأنقذهم من ضيقاتهم فيقول "لأني أنقذت المسكين المستغيث، واليتيم ولا معين لي". وذلك كان حقاً، فإن الله كان في الواقع مسروراً به، لكنه لم يعرف ذلك أيوب إلاّ بعد التجربة. أما قبل التجربة فكان أيوب مشغولاً بما يقوله الناس عنه وكان مرفوعاً فوق مشغوليات الناس العادية بواسطة ما يلقاه من مظاهر الخضوع والتكريم والإحساس بعطفه الفائق. كل ذلك كان يرفعه ويملأ نفسه بالرضا. وهذا شيء طبيعي جداً ولكنه ليس شيئاً روحياً، وهو ذات الشيء الذي كان الله يحطمه بشدة في أيوب، أكثر جداً مما لو كان الأمر مختصاً بإنسان أقل من أيوب ارتباطاً بالله. إن أكبر التجارب هي التي يوقعها الله على أقوى المؤمنين أي الذين يستطيعون أن يحتملوا التجربة. أولئك الذين يعرفون معظم طرقه، هكذا كان الحال مع أيوب.

"بركة الهالك حلّت عليّ وجعلت قلب الأرملة يُسّر، لبست البر فكساني" ذلك كان صحيحاً للغاية، وقد تطلع إلى لباسه أيضاً وكجبة وعمامة كان عدلي، أي نعم، لقد كان أيوب مسروراً جداً وراضياً بنفسه" كنت عيوناً للعمى وأرجلاً للعرج أب أنا للفقراء، ودعوى لم أعرفها فحصت عنها، هشّمت أضراس الظالم ومن بين أسنانه خطفت الفريسة".

على أن هذه المكانة البارزة لم يكن مردّها إلى الحكمة والكرامة فإن الأذن التي سمعته طوبته. والعين كانت ترمق فيه محسناً رحيباً. وإنها في الحق لصورة جذابة، تفسدها- بكل أسف- كبرياء القصة الشخصية. "ليمدحك الغريب لا فمك". لقد اكتسب أيوب احترام الجميع ومشاعرهم. فكان معواناً لمن لا معين له. ومخبأ لليتامى والأرامل. اكتسى البر كجبة. ربطه على هامته كتاج حقاً، هي أقوال شديدة، نشتّم منها قليلاً من التواضع الذي يليق بنا. لقد كان أيوب مزيجاً من الإنسان "البار" الذي بالجهد يموت لأجله أحد، ومن الإنسان "الصالح" المحسن الذي لأجله ربما يجسر أحد أيضاً أن يموت كان عيوناً للعمى، وأرجلاً للعرج، كان يسعى باجتهاد من أجل دعاوى المعوزين الغامضة، وإلى جانب ذلك كان يوقع العقوبة الصارمة على فاعل الشر: لقد كان حقاً رجلاً مثالياً. أما من جهتنا فلا نفتخرنّ إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح.


(ع18-20) انتظار الرخاء المقيم.

"فقلت إني في وكري (أي عُشّي) أسلّم الروح" كلا. إن الله كان مزمعاً أن يقلب ذلك العش الجميل الدافئ المريح. "ومثل السمندل أكثر أياماً (أي حبات الرمل)". آه، إنه الآن يتمنى لو أن الله قصّر أيامه، لأنه كان الطريق الوحيد الذي يراه لإخراجه من كل المتاعب التي كان يجتازها.

"أصلي كان منبسطاً إلى المياه والطل بات على أغصاني كرامتي بقيت حديثة عندي وقوسي تجددت في يدي".

كل هذه الكرامات، إلى جانب إحساناته للآخرين، جعلت الحياة جذابة في عين أيوب. وإذا ما جاءت النهاية، التي كان يباعدها طويلاً، فإنها ستجده هادئاً في "وكره" كان يتمنى أن تطول أيام حياته كعديد من حبات الرمل (كالترجمة الإنجليزية) أو "كالسمندل" أي العنقاء، ذلك العصفور الحزاني الطويل العمر. وهنالك اقتراح آخر يقول أن أيوب يشير إلى النخلة قياساً إلى القول "الصديق كالنخلة يزهو". وعلى أية حال فالمعنى واضح، وهو أن أيوب كان يتمنى أن يعيش طويلاً، وبلا توقف، كشجرة مرتوية وهكذا تكون له جدة الطل، وبيت قوسه في شدة.


(ع21-25) معزٍّ المكروب.

"لي سمعوا وانتظروا وأنصتوا عند مشورتي، بعد كلامي لم يثنوا. وقولي قطر عليهم وانتظروني مثل المطر وفغروا أفواههم كما للمطر المتأخر. إن ضحكت عليهم لم يصدقوا" أي أنهم كانوا يعتبرون ذلك شيئاً أسمى من أن يكون حقيقياً (ونور وجهي لم يعبسوا. كنت أختار طريقهم وأجلس رأساً (أو رئيساً) وأسكن كملك في جيش، كمن يعزي النائحين" إنه لا يدهشنا أن يكون اليهود أول الناقدين الناكرين لهذا السفر فهم. أي اليهود المتفلسفون- لم يصدقوا أن قصة أيوب حقيقية شأنهم في ذلك شأن سائر النقاد العقليين.

أما إلى أي مدى وجدت هذه القصة طريقها إلى المجمع اليهودي بصفة عامة فهذا ما لا نستطيع أن نقرره على وجه التحقيق سوى إننا نؤمن أنه كان هناك ولا شك أناس بسطاء القلب كانوا يؤمنون بكل كلمة في هذا السفر الإلهي ولكن من أكبر الأسباب التي جعلت اليهود لا يقبلون هذا السفر هو أن أيوب لم يكن يهودياً، إن هذا لا يمكن أن يكون إن جميع الأمم في نظر اليهود كلاب- كل شخص ماعدا اليهودي- هذه هي عقيدتهم. أما أن يقال عن أيوب الأممي أنه كان من الاستقامة بحيث لم يكن مثله في كل الأرض وهو ما لم يقله الله عن إبراهيم ولا عن اسحق أو يعقوب فهذا ما لا يمكن تصديقه من جهة اليهود. كانوا يعرفون أن الأمر يتعلق بواحد من آباء تلك الأيام ولذلك فإنهم رفضوا رفضاً باتاً إمكان تعظيم الله لواحد لم يكن من الجنس المختار ولا من العائلة أو الأمة التي لها المواعيد.

وهنا نسأل ما هو الباعث الحقيقي الذي يجعل الناس كفرة ملحدين أو فلاسفة ناقدين. الجواب هو أنهم يفضلون أفكارهم الشخصية عن كلام الله. ذلك هو السر في عدم الإيمان هذا ما يجعل الشخص عديم الإيمان وقد يتطور الأمر فيصير كافراً ملحداً. أو بمعنى آخر إنساناً هالكاً.

يبدو أن هذا الجزء الأخير من الإصحاح يعود إلى عظمته وحكمته. غير أن هنالك قدراً من التطور بالنسبة للتعبيرات السابقة. فعلى صنائع إحساناته- لا على رفقائه المستشارين- كانت تبدو آثار قراراته. فكان القرار الذي يصدره بمثابة الكلمة الأخيرة بالنسبة إليهم، ومع ذلك فلم تكن أقواله كالأحكام القاسية يصدرها قاضي لا يرحم، بل رقيقة مثل قطر الندى وبسمته كانت شعاع من نور تضيء لهم. على أن الفكرة هنا غامضة نوعاً ما.

هل يقصد أيوب أن يقول أن ابتسامته كانت بركة لهم، أو إنها كانت علامة على رضائه الدائم؟ غير أن الفكرة المألوفة ليست غامضة فإذا كانوا هم في شك أو مشقة فإن ابتسامته كانت طمأنينة لهم، وليس في مقدور أي حزن من جانبهم أن يغيّر ابتهاجه. لقد كان ملكاً بينهم يحملون له من التوقير ما يكاد يقارب حدّ العبادة.

ولكن، أين هو الآن من تلك الكرامة؟ التفكير في وضعه الراهن إنما كان يضاعف تعاسته.

ولن يستطيع ما تخلّف عن تلك المباهج العابرة من رماد، أن يحمل الدفء لقلبه العاني التعيس، إنما ذرات الرماد تغذي لهيب تلك الكبرياء التي تشتعل ويزداد اشتعالها وسط خرائب ماضيها.


معاني الكلمات الصعبة

للإصحاح التاسع والعشرين

ص   ع               الكلمة                                                  معناها

29: 3          سراج                           يذكر في العهد القديم السراج الذي يحمل النور    طبيعياً أو معنوياً. وقال الحكيم أن "سراج الأثمة ينطفئ" (أمثال 24: 20) وقال                                       عن المرأة الفاضلة الحكيمة "سراجها لا ينطفئ في الليل" (أمثال31: 18).

  وفي العهد الجديد يقصد بالسراج المعنى الرمزي أي الشهادة لله. إن  الذين هم للرب ينبغي أن تكون شهادتهم ظاهرة ولامعة ولا تختفي تحت إناء أو تحت سرير (لوقا 8: 16، 11: 33) وعن أورشليم المقدسة يقول إنها لا تحتاج إلى سراج نور أرضي لأن الرب الإله ينير عليهم (رؤيا 22: 5) وكلمة سراج هي نفسها كلمة مصباح. إن العشر العذارى عندما خرجن لملاقاة العريس أخذن مصابيح لكن المصباح بدون زيت لا يعطي نوراً فهو مثل واضح أن مجرد الاعتراف بالمسيح بدون الحصول على الروح القدس لا قيمة له (متى 25: 1-8) والزيت لأجل النور نراه أيضاً في منارة زكريا (زكريا 4) حيث السرج السبعة  تزود بالزيـت بواسطة سبع أنابيب من زيتونتين- قارن (رؤيا 11: 4) في المستقبل سيقيم الرب شهادة مشبهة بزيتونتين ومنارتين.

29: 13    الهالك       المراد الجائع والفقير.

29: 18    وكر         عش الطائر.

29: 18    السمندل    طائر يعيش بالهند. وقيل الرمل.

29: 19    أصلي       أصل الشيء أسفله.

29: 20    قوس       المراد هنا القوة (تكوين 9: 13).