تفاسير

الإصحاح الثلاثون: هوان الحاضر

القسم: سفر أيوب الجزء 2.

فهرس المقال

(ع9-12) هو أغنيتهم وأضحوكتهم.

"أما الآن فصرت أغنيتهم وأصبحت لهم مثلاً... يكرهونني" لنتفكر في هذا، إنها أقوال كلها صحيحة.

"يكرهونني... يبتعدون عني"... لا يحتملون التطلع إليّ، إلى ما كان يعانيه من ألم مرير. وإلى الأثر المريع الذي كان لكل هذه القروح في جسمه لا يحتملون الاقتراب منه. "وأمام وجهي لم يمسكوا عن البصق لأنه أطلق العنان" وهذا ما كان يؤلم قلب أيوب المسكين أكثر من أي شيء آخر أن الله هو صاحب الأمر في هذا كله. إن أيوب لا يقصد الشيطان بهذه الإشارة. كلا. ليس الشيطان هو صاحب الأمر في هذا الموضوع لأنه أطلق العنان وقهرني.

ليسخر منهم أيوب ما شاء، فها هو ذا يُضطر بدون أن يعترف بأنهم طالما سخروا به، كان أغنيتهم واضح لهم مثلاً. ولا يسعنا إلا أن نقارن عظمته إزاء تعبيراتهم بوداعة ذاك "الذي إذ شُتم لم يكن يشتم عوضاً وإذ تألم لم يكن يهدد" وفي خلال حياته على الأرض كان أمام شخصه العزيز خلال رفض الإنسان واقعاً عليه، ولكن أقسى الساعات- "ساعتكم وسلطان الظلمة"- صبّوا كل شتائمهم وتعييراتهم. أما هو، فكمن لا يسمع "بذل ظهره للضاربين وخديّه للناتفين، وجهه عن العار والبصق لم يستر" من ذا القائل هذا؟ ليس إنساناً يندب مجداً غابراً، بل هو ذاك الذي طوعاً واختياراً تخلّى في المحبة عن مجده من أجل أعدائه هو ذاك الذي كان في إمكانه أن يخلّص نفسه في أي وقت شاء من متاعبه، إما أن يطلب من أبيه، أو باستخدام سلطانه الشخصي. لكن "كيف تكمل الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون؟ (متى 26: 54). وإنه لا يعوزنا إلا أن نتأمل في مثل هذه الأقوال لكي نتبيّن الفرق، في مباينة أليمة. فقد كان خلال آلامه يحسّ

- كما أعلن مراراً- بيد الله عليه، ويربط هذا بسخرية أولئك الرجال التافهين الذين استغلوا معاملات الله لكي يطلقوا العنان لعدائهم ضده "إن الله قد تركه": ألحقوه (أو اضطهدوه) و أمسكوه" "عن اليمين الفروخ" أو "السوقة الغوغاء" "يقومون"– يضغطون على يمناه، يزيحون رجله من موضع وقوفهم، ويعدون طرقهم الهدامة، طرق البوار، ومرة أخرى لا يسعنا إلاّ أن نلاحظ كيف كان يختلف أيوب عن سيدنا المبارك في ظروف متشابهة.

أضف تعليق


قرأت لك

بين القداسة والنجاسة

أين هو قلبك أيها الإنسان وبماذا تفكر؟ هل بشهوة ومغريات هذا العالم التي لا تنتهي، وبممالكها التي تبهر العيون، وهل أنت تدور حول نفسك باحثا كيف تترسخ في هذه الأرض وتبقى فكرة صراع البقاء والوجود التي تسود على أعماق ذهنك وقلبك هي المسيطرة، بماذا تفكّر يا صديقي وإلى ماذا ترنو في هذه الحياة القصيرة، فالنجاسة والخطية تملىء الشوارع والأزقة فكيفما نظرت تجد الخطية منتظرة من توقع به، والعالم مليء بالظلمة الحالكة فتجعل الإنسان متخبطا غارقا إلى تحت حيث الشر مهيمن على كل الأمور.