بدع وهرطقات

هل أنت متعصّب؟

القسم: كشف القناع.

2كورنثوس3: 12- 16 "فإذ لنا رجاء مثل هذا نستعمل مجاهرة كثيرة. وليس كما كان موسى يضع برقعاً على وجهه لكي لا ينظر بنو إسرائيل إلى نهاية الزائل. بل أُغلظت أذهانهم لأنّه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باقٍ غير منكشف، الذي يُبطل في المسيح. لكن حتى اليوم حين يُقرأ موسى البرقع موضوع على قلبهم. ولكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع".

2كورنثوس4: 1- 7 "من أجل ذلك إذ لنا هذه الخدمة كما رُحمنا لا نفشل، بل قد رفضنا خفايا الخزي، غير سالكين في مكر ولا غاشين كلمة الله، بل بإظهار الحق مادحين أنفسنا لدى ضمير كل إنسان قدّام الله. ولكن إن كان إنجيلنا مكتوماً فإنّما هو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله. فإنّنا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع رباً، ولكن بأنفسنا عبيداً لكم من أجل يسوع. لأنّ الله الذي قال أن يشرق نور من الظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح. ولكن لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية ليكن فضل القوة لله لا منّا".

مَن مِنّا لم نسمع اللفظة "متعصّب"؟ ومَن مِنّا لم تشمئزّ نفسه من هذه اللفظة؟ إذا عدنا إلى القاموس وجدنا أن الفعل "تعصّب" معناه "وضَعَ العِصابة على عينيه وشدّها" بحيث لا يعود يرى شيئاً. فالمتعصب هو الذي لا يرى- ليس لأنه أعمى، بل لأنّه لا يريد أن يرى. وهذا شرٌّ من العمى. فهو قد تربّى أو تدرّب على التفكير بطريقة معيّنة، وعلى معتقدات واقتناعات معيّنة، بحيث باتَ مغسول الدماغ ولا يستطيع أن يرى الأمور إلاّ من خلال المنظار الذي تدرّب وتربّى على استعماله. هذا هو الموضوع الذي يناقشه بولس الرسول في الإصحاحين الثالث والرابع من رسالته الثانية إلى كورنثوس. ففي تلك الرسالة يخبرنا الرسول قصة التعصُّب والمتعصبين من أوّلها إلى آخرها وإليك التفاصيل:

أوّلاً، التعصب هو من الشيطان.

والرسول بولس يعرف ذلك بالاختبار. فهو كان متعصّباً إلى أقصى حد، بحيث أنّه كان راضياً بقتل استفانوس الشهيد الأول للمسيحية (أعمال8: 1). وكان "ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب، ويسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجرُّ رجالاً ونساءً ويسلّمهم إلى السجن" (أعمال9: 1؛ 8: 3). ولكنه بعدما تعرّف بالرب يسوع على طريق دمشق، اعترف بتعصُّبه الممقوت قائلاً: "إني فعلت (ما فعلت) بجهل في عدم إيمان" (1تيموثاوس1: 13). وهنا، في الفصل الرابع من رسالة كورنثوس الثانية، نسمعه يقول: "إن كان إنجيلنا مكتوماً فإنّما هو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين". فمن هو إله هذا الدهر؟ إنه إبليس المسمّى "رئيس هذا العالم" (يوحنا12: 31؛ 14: 30) و "رئيس سلطان الهواء الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية"(أفسس2: 2). وعندما يطلق عليه الكتاب المقدس اللقب "إله هذا الدهر" فإنّه يعني أنّ الشيطان يسيطر على نظام العالم الحاضر بما فيه من تيّارات وفلسفات، وهو الذي يحرّك الشر والأشرار الذين يشكّلون الأكثرية في هذا العالم. هناك قلّة غير خاضعة له لأنّها انتقلت بالإيمان من سلطان الظلمة إلى ملكوت المسيح (كولوسي1: 13). أمّا الباقون فهم تحت سيطرته وعبوديته، لا بل إنّهم يعبدونه بشكلٍ أو بآخر تحت ستار الصلوات والواجبات الدينية. ولهذا قال يسوع: "ليس كل من يقول لي يا رب، يا رب، يدخل ملكوت السموات" (متى7: 21). وقال للمتعصّبين في أيامه: "أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا" (يوحنا8: 44). فالتعصُّب والجهل هما إذاً من الشيطان.

ثانياً، التعصب يُعمي الأذهان.

يقول بولس في المقطع الذي نحن في صدده: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين". ولو كان التعصب يعمي العينين لكان الأمر سهلاً. فهناك عميان في الجسد ممن عرفوا المسيح وأشرق نور الرب في قلوبهم. ولكنّ التعصّب يعمي الأذهان ويغلّظ الفكر ويضع غشاوة على القلب والبصيرة. والغشاوة تؤدّي في النهاية إلى القساوة، كما حصل مع الشعب في أيام موسى وفي أيام بولس نفسه. فعندما يُشير هذا الأخير إلى الشعب في أيّام موسى في العدد الرابع عشر من الإصحاح الثالث من رسالته الثانية إلى كورنثوس يقول "أُغلِظَت أذهانهم". وعندما يتحدّث عن أهل زمانه يقول: "حتى اليوم ذلك البرقع نفسه، عند قراءة العهد العتيق، باقٍ غير منكشف... والبرقع موضوع على قلبهم". لاحظ أن الإنسان يمكن أن يكون متعصّباً جاهلاً حتى لو قرأ وسمع كلمة الله. فإنّ نور الكلمة لا يدخل إلى القلب إلاّ إذا رُفع البرقع وأٌزيلت الغشاوة عن القلب والبصيرة. وهكذا نقرأ في الإصحاح الأول من رسالة رومية عن الأمم الذين آمنوا بوجود الله بواسطة الطبيعة. ولكن عوض أن يشكروا الله ويمجّدوه وضعوا عِصابة على عيون أذهانهم لكي لا يروا. ولهذا قال عنهم الكتاب إنهم "حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي". ثُمّ أضاف: "وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء". وكل هذا لأنهم "لم يستحسنوا أن يُبقوا الله في معرفتهم". فالتعصُّب إذاً هو من الشيطان ويعمي الأذهان.

ثالثاً، التعصب هو من عدم الإيمان.

ولهذا تقول الآية: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان (أذهانَ مَن؟) أذهان غير المؤمنين". فالمتعصّب ليس مؤمناً لأنّ الجهل والإيمان لا يتفقان. ولكن إبليس يصوّر للمتعصّبين أنّهم أكثر الناس إيماناً وغيرة على أمور الله لدرجةِ أنّه يدفعهم أحياناً كثيرة لارتكاب أفظع القبائح والجرائم باسمْ الدين. فهل هذا هو الإيمان؟ وهل هذا هو الدين؟ إن كان إيماني لا يقودني إلى محبة الله ومحبة قريبي كنفسي، بل محبة عدوي أيضاً، فإيماني ليس إلاّ كلاماً بكلام. لمّا سأل اليهودُ المسيحَ في الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا: "ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله؟" أجاب يسوع وقال لهم: "هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله". والإيمان بالمسيح معناه بناسوته ولاهوته وموته الكفاري على الصليب والالتزام به قلباً وقالباً. أما المتعصّب فيتم فيه قول المسيح: "لأنّي أقول الحق، لستم تؤمنون بي" ؛ "وإن لم تؤمنوا أنّي أنا هو تموتون في خطاياكم" (يوحنا8: 45و 24).

رابعاً، التعصب يؤدي إلى الحرمان.

يقول الرسول إنّ إبليس "قد أعمى أذهان غير المؤمنين". والسبب في ذلك هو "لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله". أي أن الشيطان يريد أن يحرم الناسَ نورَ مجد إنجيل المسيح. ولمّا قال بولس هذا كان يقارن النورَ الزائل الذي شعَّ من وجه موسى عند إنزاله الوصايا العشر، بنور الإنجيل الذي هو نور المسيح الذي لا يزول. فالإنجيل هو إنجيل الحياة والخلاص والغفران في حين أن الناموس يكشف خطية الإنسان ويحكم عليه بالقصاص. من جهة أخرى يحرم التعصُّبُ صاحبَه الحياة الأبدية، ولهذا قال بولس: "إن كان إنجيلنا مكتوماً فإنّما هو مكتوم (أي مستور ومجهول) في الهالكين". والهالكون هم الضالّون القائلون بأن الكرازة بالصليب ضرب من الجهل والسخف، على غرار ما فعل اليونانيون في العصر الرسولي. وهم الذين يُخدعون بالتعاليم والضلالات والعجائب الكاذبة. وبالتالي هم الذين ينتهون في الجحيم لأنهم لم يقبلوا معرفة الحق. وليس ذلك فقط، بل يقودون آخرين في الطريق نفسه. لأنّهم عميان قادة عميان.

خامساً، التعصب يزول بكلمة الرحمان.

نقرأ في العدد السادس من الإصحاح الذي نحن في صدده أن "الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح". ولمّا كتب بولس هذه العبارة كان يفكّر في الإصحاح الأول من سفر التكوين حين قال الله: "ليكن نور" ولمّا قال كلمته هذه، أشرق النور وتبدّد الظلام. وبما أنّ الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، فإن كلمته لم تتغير أيضاً. فكما أنها بدّدت ظلام الكون، هكذا تقدر أن تبدّد ظلام الخطية من القلب وتقود بالإيمان "إلى معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح". فإن أحداً لن يعرف الله إلاّ بواسطة المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا. فهو القائل: "ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي" (يوحنا14: 6). ومعرفة الله هذه هي "كنز" ونحن "أوانٍ خزفيّة". ولذلك فإن الفضل كلّه لله وليس لنا (2كورنثوس4: 7).

إن المتعصّب قلبه مقفل وعقله مقفل لأنّه مغسول الدماغ. ولذلك تراه يشوّش ويقاوم. فلا هو يريد أن يدخل ملكوت السموات ولا يدع الداخلين يدخلون. هكذا كان بولس الرسول نفسه، ولكنه على طريق دمشق أبرق حوله وفيه نور من السماء. وهكذا تبدّد الظلام والعمى والجهل بالتوبة والاعتراف والإيمان.

أضف تعليق


قرأت لك

الخطية والإنقاذ الإلهي

عندما تشعر بالضياع وكأنك تائه في صحراء واسعة لا نهاية لها، وحين تظن أن الأمل مسدود وكأن خيط الرجاء انقطع من سيرة حياتك، وإذا كنت تشعر بأن هموم الكون ومصاعبه ارتمت على