عقائد

الدرس الرابع: شقاء الإنسان- تتمة الدرس الثالث

القسم: تعاليم الكتاب المقدس.

رأينا في درسنا السابق أنه لا يكفي للإنسان بأن يعترف يوجود خلل في حياته وأنه من المستحيل للإنسان بان يصل إلى تشخيص حالته الروحية المريضة بواسطة اجتهاده الخاص وأنه من الواجب الذهاب إلى الله تعالى لمعرفة خطورة حالته الروحية وبالفعل يُعطينا الله في كتابه المقدس شريعته المقدسة التي يمكن تلخيصها بهذه الكلمات: تُحبُّ الرب إلهك بكل قلبك، وكل نفسك وكل قدرتك وكل ذهنك وقريبك مثل نفسك" (لوقا 10: 27) وإذ يقسي الإنسان نفسه بهذا المقياس الإلهي يكتشف أنه يفشل بصورة دائمة في القيام بما ينتظر منه كمخلوق عاقل لله تعالى. وهكذا استنتجنا أنه بواسطة الشريعة الإلهية(التي تُدعى غالبا بكلمة ناموس في الكتاب المقدس) يصل الإنسان إلى معرفة خطيته وفداحتها. ورأينا أيضا أن الإنسان إذا ما تأمل في الله وفي صفاته المذكورة في وحيه المقدس لا بد له من أن يرى ظلام نفسه الدامس وبُعْدَه الهائل في الناحيتين الروحية والأخلاقية عن الخالق القدوس. هذا بالرغم من أن الكتاب يُعلِّمنا أن الإنسان خُلق في البدء على صورة الله وشبهه. وهكذا لا بد لكل عاقل من استنتاج أنه قد حدث أمر ذو خطورة قصوى بعد خليقة الإنسان. والكتاب يؤكد حدوث ذلك ويدعوه بسقوط الإنسان في الخطية. وكذلك لاحظنا أن أنبياء الله شعروا بشقائهم وبفداحة خطاياهم لدى رؤيتهم الله في الرؤى التي شاهدوها واستشهدنا بما جرى لأشعياء ودانيال النبيين لإثبات أنه حتى الذين كانوا من أعظم أبناء البشر لم يُحجموا عن الإقرار بأنهم خطاة وبأنهم هالكون لا محالة بدون رحمة الله وغفرانه.

وسنرى الآن أننا إذا ما تأملنا في حياة السيد المسيح على الأرض في مطلع التاريخ الميلادي نرى أيضا هوة سحيقة تفصلنا عنه. ونحن نعلم أن السيد له المجد كان في طبيعته الإنسانية مشابها لنافي كل شيء ما عدا الخطية. ولكن الخطية في حياتنا هي التي تسبب وجود فارق عظيم بين المسيح وبيننا ولولا وجود الخطية في حياتنا لكنا مثل المسيح يسوع في طبيعته البشرية. وهكذا إذا ما قسنا الهوة السحيقة التي تفصلنا عن المسيح نصل إلى معرفة مقدار خطيتنا وكذلك نبدأ بان نقدر حق تقديره ذلك الخلاص العظيم الذي جاء المسيح من أجل إتمامه. وإذ نتأمل مليا في حياة السيد المسيح ونحصل بذلك على صورة واقعية لسموه الأخلاقي ولانسجام حياته بشكل تام مع الإرادة الإلهية نفهم الحقيقة الصارخة بانه ليس لدينا المحبة والطهارة و التواضع التي يتطلبها الله منا. فنحن بني البشر إنما نسعى من أجل مجد أنفسنا عوضا عن أن نعمل من أجل الله ومجده، وعوضا عن أن نحيا في سبيل الله وملكوته نحيا لأنفسنا. القوة الدافعة التي تكمن فينا والتي تُسيَّر حياتنا إنما هي محبة الذات لا محبة الله الخالق.

وقد تكلم الرب يسوع المسيح عن هذا الموضوع مرة أمام جمهور من المعاندين وقال: " إني لست أقبل مجدا من الناس. ولكنني قد عَرَفتكم إن محبة الله ليست فيكم. أنا قد أتيت باسم أبي ولم تقبلوني، وإن أتاكم آخر باسم نفسه تقبلونه. كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون المجد بعضكم من بعض، ولا تطلبون المجد الذي هو من لدن الإله الأوحد؟ لا تظنوا أني أشكوكم لدى الآب، فإن لكم من يشكوكم وهو موسى الذي فيه رجاؤكم. فإنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه كتب عني. ولكن إن كنتم لا تصدقون كتبه فكيف تصدقون كلامي؟" (الإنجيل حسب يوحنا 5: 41- 47)

تتغلغل الخطية إلى جميع نواحي الحياة ولا نقدر بأن نتخلص منها بواسطة قوانا الخاصة. ومهما عملنا وجاهدنا نبقى حسب قول الكتاب تحت سلطة الخطية، وهكذا فإن وجودنا بأسره إنما هو ثورة وتمرد على الله. وكما قال أشعياء النبي في الفصل الثالث والخمسين من نبوته:" كلُّنا كغنم ضللنا، مِلنا كل واحد إلى طريقه" (عد 6) وقال هذا النبي أيضا متكلما باسم الرب عن شعبه في العهد القديم: " ربَّيت بنين ونشَّأتهم، أما هم فَعَصُوا علي. الثور يعرف قانيه، والحمار مَعْلِف صاحبه، أما اسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم. ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدين. تركوا الرب، استهانوا بقدوس اسرائيل، ارتدُّوا إلى وراء"

(1: 2- 4).

وقد تكلم الرب يسوع أيضا بخصوص حالة الإنسان الحاضرة قائلا في الفصل الثالث من الانجيل حسب يوحنا:

" وهذه هي الدينونة: إن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور، لأن أعمالهم كانت شريرة. فإن كل من يفعل السيئات يُبغض النور ولا يُقبل إلى النور لئلا تنكشف أعماله. وأما من يعمل الحق فإنه يقبل إلى النور لكي تظهر أعماله، إنها في الله مصنوعة" (19- 21).

ويجدر بنا أن نؤكد من جديد أن الله خلق الإنسان بدون خطية: ففي سفر التكوين يخبرنا موسى ما يلي عن خلق الإنسان:

" وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرا وأنثى خلقهم" وعندما انتهى الله من أعمال الخليقة يُخبرنا موسى النبي أنه تعالى: " رأى كل ما عَمِلَه فإذا هو حسن جدا" كل شيء في الخليقة كان حسنا والإنسان تاج المخلوقات كان بمثابة ذروة الخليقة الأرضية وبدون أي خلل أو نقص. وهنا لا بد لنا من أن نسأل: كيف سقط الإنسان من مرتبته العالية وجلب الشر والدمار ليس فقط في حياته الخاصة وعلى نسله بل على الطبيعة بأسرها؟ ما هو التعليل الحقيقي لوقوع الإنسان في حالته التعيسة الشقية؟ وسنرى في درسنا المقبل أن وقوع الإنسان في حمأة الخطية جرى فجر التاريخ وأن الله قد سجل تلك الحادثة المؤلمة في كتابه المقدس بواسطة عبده وكليمه موسى. وكما أنه من الضروري أن نقف على عظم خطايانا وفداحتها بواسطة الشريعة هكذا يجدر بنا أن نقف على حقيقة ما حدث في فجر التاريخ لئلا نحرم أنفسنا من معرفة كيفية الخلاص من الشر والموت اللذين جاءت بهما الخطية.

أضف تعليق


قرأت لك

أنت هو الأعظم

"الربّ صخرتي وحصني ومنقذي. إلهي صخرتي به أحتمي. ترسي وقرن خلاصي وملجأي" (مزمور 18-2). هل تعرف من تعبد؟ هل تعلم أن المسيح هو الأعظم في كل شيء؟ هل تثق بأن الله يريد أن يقدم لحياتك أمور مذهلة ورائعة؟ 

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة