عقائد

الفصل الثالث: سفر راعوث

القسم: المسيح في جميع الكتب.

بالرغم من الجهل السائد في ذلك الزمان نقرأ عن سيرة امرأة فاضلة هي راعوث. وسط الاضطرابات والحروب وعبادة الأصنام التي تفشت بين إسرائيل في زمن القضاة كان يوجد قوم يخافون الله، أغنياء وفقراء يمجدون الله بسيرتهم اليومية.

كان بيت اليمالك بلا شك من ضمن الذين خافوا الله وأكرموه. هذا إذا تجاوزنا عن زلتهم إذ ذهبوا إلى أرض الموآبين في طلب الرزق. ومعنى كلمة "اليمالك" "إلهي الملك". ولو أنه اعتمد على ملكه لأمِنَ ضيقات كثيرة. أصاب البلاد جوع شمل حتى بيت لحم أي "بيت الخبز". فسافر اليمالك إلى أرض الموآبين عساه يجد ما يقتات به. ثم أقام في بلاد الغربة ولم يعد إلى وطنه كما هي عادة الكثيرين. فتوالت المصائب على ذلك البيت فمات اليمالك وتزوج ابناه ولم يقيما طويلاً حتى لحقا به.

مضت عشر سنين على هذه العائلة في دار الغربة. ثم سمعت نعمي أن بلادها صارت في رخاء فعزمت على الرجوع. وخرجت معها كنَّتاها لتودعاها. وهنا تجيء سيرة راعوث المشهورة التي التصقت بحماتها شديداً ورافقتها إلى بلاد غريبة عنها لتقضي مع حماتها حياة كانت تبدو لها حياة عزلة وتعب. ولما رأت حماتها إلحاحها في مرافقتها استصحبتها.

إن نعمي بقبولها راعوث اكتسبت صديقة من أكرم الصديقات لنفسها ولإلهها. وكان الأولى بها أن تستبقي اسمها الأول نعمي (الذي معناه سارّة). ولما بلغتا إلى بيت لحم كان أوان حصاد الشعير، وكانت الخيرات تتدفق على السكان. وصارت تنظر نعمي إلى بيت لحم على ما عهدتها عليه من قبل أي بيت الخبز، وترى الحقول تتماوج بسنابلها الناضجة البيضاء والحصادون ينشدون أغاني السرور وجماعة الملتقطين يجمعون السنابل الساقطة في مزاودهم والسرور شامل الجميع.

"فاتفق نصيبها لقطعة أرض لبوعز". هناك يد غير منظورة تقودنا في كل طرقنا وشؤوننا وترتب نتائج عظيمة الشأن حتى من الأمور التي تبدو لنا تافهة.

بوغز: أحد أنسباء اليمالك، رجل جبار بأس وغني ذو أخلاق حسنة يجدر الاقتداء بها، بسيط المعيشة لطيف المعشر وواطئ الجناب لجميع الذين جمعتهم به الظروف والأحوال، كريم في البذل شديد الرعاية والحرص لشريعة الله. وبالجملة كان كمصباح منير يرسل أشعته الساطعة وسط جيل شرير ملتوٍ.

بوعز هو الرجل الذي دلت إليه نعمي راعوث أن يقضي لها حق الوالي. الكلمة المترجمة إلى "ولي" يصح أن تترجم إلى "فادٍ" وهو من يفتدي ميراث المتوفي بغير عقب، من الضياع ويفتدي اسمه من الانقراض. والسبيل إلى ذلك أن يتزوج امرأة المتوفي ويقيم نسلاً لقريبه في إسرائيل (انظر لاويين 25: 25 – 31 وتثنية 25: 5 – 10). وحيث أن حق الولي يقضيه من كان أكثر قرابة إلى الميت أجاب بوعز بأن هنالك من هو أقرب منه إلى راعوث. فإن لم يقبل ذلك القريب أن يقوم بالواجب الذي لها عليه يقوم به هو.

فاطمأنت نفس نعمي وكنتها راعوث . وألقيا رجاءهما على الله، وعرضت المسألة على شيوخ البلدة حسب الطرق المتبعة في مثل هذه الأحوال. أما ذلك النسيب الأقرب فكان بوده أن يشتري حصة نعمي، ولكنه لم يرد أن يتزوج بالفتاة لئلا يفسد ميراثه. وبهذا الرفض أصبح بوغز مخيراً في قضاء حق الولي لراعوث. فاشترى ميراث اليمالك وتزوج براعوث وأقام لقريبه اسماً في إسرائيل.

السلسلة الملوكية: "فأخذ بوعز راعوث امرأة ودخل عليها فأعطاها الرب حبلاً فولدت ابناً. فقالت النساء لنعمي مبارك الرب الذي لم يُعدمك ولياً اليوم لكي يدعى اسمه في إسرائيل. ويكون لك لإرجاع نفس وإعالة شيبتك لأن كنّتك التي أحبتك قد ولدّته وهي خير لك من سبعة بنين. فأخذت نعمي الولد ووضعته في حضنها وصارت له مربية. وسمَّته الجارات اسماً قائلات قد وُلد ابن لنعمي ودعَوْن اسمه عوبيد هو أبو يسّي أبي داود".

نتعلم من هذه القصة أن من يضحي مصالحه الشخصية حباً بالله والقريب لا يعدم جزاء حسناً. إن عرفة التي اقتصرت على إظهار عواطفها لحماتها ومجاملتها مجاملة سطحية ثم رجعت إلى قومها وآلهتها، حُرِمت من تسجيل اسمها مع شعب الله وخسرت ميراث زوجها. وكذلك النسيب الذي خوفاً على مصلحته الشخصية لم ينقص حق الولي لراعوث حُسِب غير مستحق للذكر. وأما راعوث التي ضحت كل مالها حباً بحماتها وبإلهها، وبوعز الذي قام بالحق الذي عليه، تسجل اسمهما في سلسة أنساب داود الملك. وأعظم من ذلك أنهما صارا من جدود المسيح ابن الله.

دقة النبوة: من أقوى الأدلة على إثبات الحقائق الإلهية التي في الكتاب المقدس النبوات الواردة عن ولادة مسيا. لأنه ما من نبوة تخبرنا عن نسب جديد له حتى تأتي به بعزة وكرامة كمختار من الله. ولولا ذلك ربما كنا ضللنا عن المسيح وتعلقنا بغيره. أما وقد أوحى الروح القدس إلى الأنبياء بتعيين أنسابه واختيار أجداده فلم يبق في النفس مجال للشك. فمن بني نوح عُيِّن سام، ومن بني ابراهيم اسحق، ومن بني إسحاق يعقوب، ومن بني يعقوب يهوذا. ثم وقع الاختيار على داود من سبط يهوذا وجُدِّد له الوعد. وكما أن الوحي عيَّن أسلاف المسيح هكذا عين المكان الذي سيولد فيه وأحاطه بالقرائن الدالة على حصره، وكل ذلك لئلا نقع في الخطأ. فاختار من القارات المعروفة قارة آسيا، ومن بين بلادها المتباعدة الأطراف اختار أرض الموعد، ومن بين أقسامها الثلاثة اختار إقليم اليهودية، ومن بين ألوف البلدان والضياع التي في اليهودية اختار بيت لحم. وعلى الجملة وضع النبي إصبعه على بلدة مجهولة من خريطة العالم وأكد وحقق أنها هي بعينها البلدة التي سيولد فيها مخلص العالم، لأن علام الغيوب الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة أرشده إلى هذه البلدة.

محور سفر راعوث هو مسألة حق الأخ على أخيه أو حق القريب على قريبه في إقامة نسل لمن يموت بغير عقب يرث ميراثه. ولفظة قريب ونسيب وولي تكررت في هذا السفر على قصره نحواً من ثلاثين مرة. نفهم من ذلك أن غايته الخصوصية هي تمثيل الفداء وبسط حقائقه في صورة الشراء والفكاك. راجع ص 4: 4 – 10 فترى لفظتي "اشترى وفك" التي هما بمعنى افتدى فإنه كررها عدة مرات. وفي الآية العاشرة يخبرنا بوعز أنه بافتدائه الميراث يحق له اقتناء أرملة محلون زوجة له. فاهتمام الوحي بهذه المسألة وبتدوينها في أحد أسفار العهد القديم دليل على أن هذه المسألة رمز إلى فداء المسيح. فلو كانت المسألة مسألة شخصية فحسب لما كان الكتاب أحاطها بهذا الاعتناء.

ومن بدائع التمثيل بين الولي والمسيح أن الأول لا بد أن يكون أقرب الأقرباء حتى يحق له أن يفتدي ميراث الميت وأرملته؛ كذلك اشترك المسيح معنا في اللحم والدم ليكون أخاً لنا في البشرية بجميع خواصها ما عدا الخطية حتى يكون له حق الولاية علينا والفداء. ومنها أيضاً أن بوعز الذي كان له حق الولاية معنى اسمه قدرة أو أهلية؛ كذلك المسيح قادر أن يخلص إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين. وأما لو كان المسيح أخاً لنا في البشرية ومولوداً بالتناسل الطبيعي للزمته الخطية الأصلية، ومن ثم لا يكون أهلاً للفداء. من أجل ذلك وُلد بغير زرع بشر، بقوة الروح القدس، حتى يكون قدوساً بلا عيب ولا إثم. فهو الفادي بكل حق، ومن ذلك قوله "كنيسة الله التي اقتناها (المسيح) بدمه وقوله ".... أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك".

الحياة المسيحية: في هذا السفر تعاليم كثيرة لأفراد المسيحيين. أولاً الاختيار، ثم الاحتماء تحت جناحي الإله الحي، ثم الالتقاط في الحقل، ثم دق السنابل الملتقطة واستخراج الحنطة منها لأجل الاقتيات وإطعام الغير كما فعلت راعوث (2: 18). الحنطة طعام الجسد، وكلمة الله طعام النفس. ثم إن العمل في حقل الحصاد يشبه العمل البشري في حقل النفوس في جميع أقطار العالم. فجدير بكل واحد منا أن يسأل نفسه "أين التقطت اليوم وأين اشتغلت"؟

الاتحاد بالمسيح: إن اتحاد بوعز براعوث رمز إلى اتحاد المسيح بالكنيسة على وجه عام. ولكن ثمة اتحاداً آخر بين المسيح وكلٍ من أفراد المؤمنين. وجاء في هذا المعنى أقوال كثيرة منها مثل الكرمة والأغصان (يو 15: 1 – 12) وخلاصته كما أن الغصن ثابت في الكرمة ينبغي للمؤمن أن يثبت في المسيح. فإذا أصابك في حياتك فتور أو ارتداد كما أصاب بني إسرائيل في زمن القضاة فاعلم أن دواءك الوحيد هو الاتحاد بالمسيح مصدر الحياة الصالحة حتى تستمد منه انتعاشاً جديداً. ولكيلا تفشل من الإطلاع على سيرة بني إسرائيل في سفر القضاة أرادت العناية الإلهية أن يحاط هذا السفر من جانبيه بسفرين آخرين مشجعين – سفر يشوع وسفر راعوث. هذان السفران يجددان لنا ذكرى الراحة والسلام، فنعود إلى مخلصنا القدير.

أضف تعليق


قرأت لك

العاطفة، عاصفة خاطفة ام هادفة!

خلق الله الانسان من روح ونفس وجسد ... الروح يحتوي على المنطق والعقل وهي الوسيلة او الاداة التي تتواصل مع خالقها.... اما النفس فتحتوي على العواطف والاحاسيس والمشاعر المتنوعة. والجسد هو الجانب المادي الملموس للتواصل مع العالم الفيزيائي المادي من حولنا.. ووظيفة المشاعر التي اوجدها الله هي حتى لا تكون علاقات الانسان سواء مع خالقه او مع العالم من حوله او مع الناس لكي لا تكون ناشفة جامدة وقاسية..

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة