عقائد

الفصل الثالث: سفر أرميا النبي

القسم: المسيح في جميع الكتب.

قد يختار الله واسطة ضعيفة لإنفاذ قصده. اختار أرميا مثلاً ولم يكن يخطر لأرميا ببال أنه سيبعث رسولاً كما تعلم ذلك من جوابه الذي أجاب به الرب عندما أرسله: "فقلت آه يا سيد الرب إني لا أعرف أن أتكلم لأني ولد. فقال الرب لي لا تقل إني ولد لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب وتتكلم بكل ما آمرك به. لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب" (أر 1: 6 – 8). أما أرميا فإن كانت هذه المأمورية التي ألقيت على عاتقه أرجفت قلبه وأدرك ما يلحقه بسببها من الاضطهاد، لم ينثن عزمه عن تأدية الواجب. وقد سجن، ووضع في المقطرة، وألقي في الجب حتى غاص في الوحل (20: 2 وص 38: 6)، وسُخر به (20: 7)، وصار عرضة للخصام والنـزاع في كل الأرض (15: 10)، واتهم بخيانة أمته (38: 4)، وكابد مقاومة الأنبياء الكذبة (23، 28)، ووقع تحت تهديد القتل (26) وطرد إلى مصر. كابد هذه الشدائد كلها، وما فرط في شيء من رسالة الله، بل بلّغها إلى الأمة بأمانة وثبات مدة أربعين سنة.

تنبأ أرميا ثماني عشرة سنة مدة حكم يوشيا. ثم تنبأ مدة حكم أربعة ملوك آخرين من يهوذا إلى ما بعد سبي أورشليم وانقراض المملكة. فيكون متأخراً عن سلفه أشعياء بمئة سنة على وجه التقريب. وكان مسقط رأسه ضيعة بأرض بنيامين تسمى عناثوث واقعة على بضعة أميال من شمال أورشليم. كان من سلالة الكهنة؛ ومن المحتمل أن والده حلقيا هو رئيس الكهنة الذي عثر على سفر الشريعة في الهيكل مدة حكم يوشيا. وعلى كل حال ففما لا شك فيه أن اكتشاف ذلك السفر أثر في نبوة النبي الشاب كما أثر في سياسة الملك الشاب أيضاً. ولا ريب أن ارميا عضد الملك في مشروعاته الخطيرة. ومع أنه قد كان له أعداء كثيرون منحه الله أصدقاء مخلصين من الملك فما دونه إلى عبد ملك الكوشي الذي أصعده من جب الحمأة.

الشجاعة: جراءة أرميا وإقدامه تلقاء الخطر يظهران جلياً في إصحاح 26 حينما أرسله الرب برسالة إلى دار الهيكل وأوصاه أن يبلغها إلى التمام. فهاج عليه جماعة الكهنة والشعب فقبضوا عليه قائلين "تموت موتاً". فقال لهم "أما أنا فهأنذا بيدكم. اصنعوا بي كما هو حسن ومستقيم في أعينكم. لكن اعلموا علماً أنكم إن قتلتموني تجعلون دماً زكياً على أنفسكم وعلى هذه المدينة وعلى سكانها لأنه حقاً قد أرسلني الرب إليكم لأتكلم في آذانكم بكل هذا الكلام.

ثلاث وقائع عظيمة: حدثت في أيام نبوة أرميا ثلاث حوادث ذات شأن. الأولى معركة مجدو بين يوشيا وفرعون ملك مصر، وفي هذه الواقعة قتل يوشيا ذلك الملك الصالح. وحزن عليه الشعب حزناً مفرطاً، ورثاه أرميا النبي. والثانية معركة كركميش بقرب موقع المعركة الأولى وحدثت بعدها بأربع سنوات في حكم يهوياقيم الذي أصبح تابعاً لسيادة الحكومة المصرية إلا أنه في هذه المعركة دارت الدائرة على المصريين واستظهرت عليهم جيوش بابل تحت قيادة نبوخذ نصر. والحادثة الثالثة خراب أورشليم والهيكل وسبي الجانب الأعظم من الشعب إلى بابل.

بين هذه الأهوال والقلاقل قضى أرميا الحزين أيامه. وزد على ذلك أن الشعب أفسدوا طرقهم، وبلغوا منتهى الشر، وذلك من أيام منسى جد يهوشيا فصاعداً، حتى أن الإصلاحات التي قام بها يوشيا لم تفد إلا سطحياً وموقتاً. فلما مات عادت المياه إلى مجاريها وازدادوا شراً أكثر من قبل. فبعث إليهم أرميا النبي رسولاً يردهم عن فجورهم إلى عبادة الله الحين فهددهم بالويلات والرزايا العظام التي تحيق بهم وبأرضهم إن هم أصروا على حالتهم السيئة. كان في حيز الإمكان أن يتوبوا فيرتد غضب الله عنهم، لكنهم لم يتوبوا بل تمادوا في غرورهم.

إذ ذاك سخَّر الله نبوخذ نصر لينفذ قضاءه عليهم، وأمده بالقوة والسلطان والنفوذ العريض حتى دعاه بهذا اللفظ "عبدي". وأعلن الله ذلك لأرميا مقدماً فرأى أن التسليم لنبوخذ نصر أسلم عاقبة. فأشار على قومه بالتسليم فنسبوا إليه الخيانة. ونفذ قضاء الله وخربت أورشليم وسبي الشعب. أما أرميا النبي فأطلقت له الحرية وخُيّر بين الرحيل مع المسبيين وبين الإقامة مع البقية الباقية، فاستحسن الإقامة في بلاده. ثم توالت عليه أيام الظلمة وذلك انه نصح للشعب الذي تبقى من السبي أن لا يهربوا إلى مصر بل أن يقيموا في بلادهم ويطيعوا الرب إلههم فيدركهم برحمته. فلم يسمعوا لنصحه، وهربوا لمصر واخذوه معهم قسراً. وفي التقليد أنهم رجموه هناك فمات شهيداً.

مسطبة أو رصيف بمصر: لما أبى يوحانان ورؤساء الجيوش أن يطيعوا أمر الله الذي أمرهم به على يد أرميا وأصروا على الرحيل إلى مصر هم والبقية التي بقيت من السبي – رجالاً ونساء وبنين وبنات وفي جملتهم بنات الملك – نـزلوا وأقاموا في تحفنحيس. فأخذ أرميا حجارة، كما أمره الرب، وطمرها في البلاط في الملبن الذي عند باب بيت فرعون في تحفنحيس، وتنبأ أنه على هذه الحجارة يضع نبوخذ نصر كرسيه ويبسط سرادقة عليهاز إن الأستاذ فلندرز باتري، الأثري الشهير، اكتشف أطلال قصر ابنة الملك اليهودية في تحفنحيس التي هي على الترجيح حصن قديم على تخوم سوريا اعتصم به اليهود الهاربون إلى مصر. وبإزاء هذا الحصن مستوىً مرتفع من الأرض يصلح لمهام الحصن كنصب الخيام. قال الدكتور باتري: إن أرميا أشار إلى هذا كنصب الخيام. قال الدكتور باتري: إن أرميا أشار إلى هذا المستوى الواقع أمام تحفنحيس الذي لم يهتدِ المترجمون إلى معناه الحقيقي. وهو بالتمام على شكل مسطبة إنما كبيرة جداً. وعلى هذا المستوى ضرب نبوخذ نصر خيامه كما تنبأ أرميا.

القلب: كان أرميا، بين رسل العهد القديم، أعظم رسول إلى القلب البشري. لام قلوب سامعيه فنسب الحرب والجوع والوباء الذي دهم يهوذا إلى قلوبهم، ومن قلوبهم دلهم أنه يأتي الفرج. فالقلب عند أرميا سبب الضيق والفرج وهو الداء القاتل كما أنه الدواء الشافي.

خدمته إنذار وخصام عام. وقف أرميا وحده في وجه ملوك يهوذا ورؤساء الشعب والكهنة والأنبياء الكذبه واعظاً ومنذراً. شد حقويه بمنطقة الحق وبلغهم ما يحل بهم من قضاء إلهه الرهيب. ما ارتاع من وجوههم لأن الرب جعله أمامهم كمدينة حصينة وعمود جديد وأسوار نحاس يطاردهم بإنذاراته المخيفة من مكان إلى آخر: في دار الهيكل والبلاط الملوكي والطرق، سواء سمعوا أو امتنعوا. وبالجملة كان نبياً يتنبأ عن حقائق إلهية لا بد منها ولو كانت ثقيلة على مسامعهم، فناصبوه العداوة غير أنهم هابوا جانبه واتقوا غضبه.

كانت مأمورية أرميا أن يعمل على رد بني جنسه إلى عبادة الله والخضوع لشريعته المقدسة. فتنبأ عن سبعين سنة هي مدة الأسر البابلي محرضاً إياهم أن يهتموا بحياة أورشليم ويطلبوا سلامتها. وأكد لهم أنهم سيعودون من السبي وأن محبة الله من نحوهم ومقاصده لا تتغير. ونرى أرميا في وقت حصار أورشليم، وهو سجين، يشتري حقل ابن عمه حنمئيل الذي في عناثوث كما أمره الرب إقناعاً لهم بأن أرضهم ستعمر ويرجع سبيهم.

الانباء بالمستقبل: في إصحاح 50 و 51 أنباء وافية بمستقبل بابل. وهنا نقول إن جماعة المنتقدين أنكروا نسبة هذين الإصحاحين إلى أرميا لعدم اعتقادهم بإمكانية الأنباء بالغيب. وزعموا أنه قد كتبهما كاتب آخر قلد عبارة النبي أرميا ونهج مناهجه الخاصة في أساليب التعبير فأفلح وكان ذلك حوالي الوقت الذي سقطت فيه بابل. ولنا على بطلان زعمهم البراهين الآتية: أولاً تسليمهم بأن لغة الإصحاحين المذكورين كلغة بقية السفر، وعليه يلزم أن يكون أرميا كتب الكل. ثانياً إن ذينك الإصحاحين مشهود لهما بنوع خاص أنهما من قلم أرميا لأن الإصحاح الخمسين يبتدئ بهده العبارة "الكلمة التي تكلم بها الرب عن بابل وعن أرض الكلدانيين على يد أرميا النبي"، وينتهي الإصحاح الحادي والخمسون بهذه الشهادة الصريحة: "إلى هنا كلام أرميا". والطعن في الشهادتين المشار إليهما طعن في أمانة الكاتب. ثالثاً تأخير كتابة الإصحاحين المذكورين إلى الوقت الذي أوشكت فيه بابل على السقوط لا يبطل وجه الإعجاز من النبوات الواردة فيهما وذلك لأنها تتضمن تفصيلات دقيقة لم تكن تخطر على البال عند حصار بابل وسقوط سوارها. وكثير من هذه التفصيلات لم يتم ويتحقق إلا من بعد مرور سنين عديدة على سقوطها. ومن تلك التفصيلات أن ينقرض من أرضها الزارع والحاصد ويهجرها أهلها قاعاً صفصفاً ويبسط عليها الخراب الدائم ظلاله إلى غير ذلك.

الذبائح والمحرقات: اعترض المنتقدون على العبارة الآتية "لأني لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة. بل إنما أوصيتم بهذا الأمر قائلاً اسمعوا صوتي فأكون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً" (7: 22 و 23). لا يؤخذ من عبارة النبي ما يضاد تصريحات أسفار موسى الخمسة من جهة الذبائح والمحرقات، ولا فيها دليلٌ على ما يحتجون به من أن تلك الأسفار الخمسة لم تكن في حيز الوجود في عصر أرميا، بل إنما العبارة اصطلاح جرى عليه كتبة أسفار العهد القديم والجديد للتعبير عن المقابلة الصحيحة بين شيئين قابل بينهما الناس خطأ فيصدر أحدهما بأداة نفي لا لينفي حقيقته بل ليظهر فضل الآخر عليه. ومن أمثلة ذلك قوله "إني أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات" (هو 6: 6). وقال يوسف بن يعقوب لإخوته "ليس أنتم أرسلتموني لي هنا بل الله" (تك 45: 8) وهو لا يقصد بهذا التصريح أن ينفي وقائع القصة المعروفة بل أن يرد علم إخوته إلى مسبب الأسباب أي الله. وقال موسى لقومه "ليس علينا تذمركم بل على الرب" يعني أن هذا التذمر كان على الله أكثر مما هو عليه وعلى أخيه هرون (خر 16: 8). وقال الرب لصموئيل "لم يرفضوك أنت بل إياي رفضوا" (1 صم 8: 7) أي رفض إسرائيل الرب أكثر مما رفضوا صموئيل. وجاء في الأمثال (إصحاح 8: 10) "خذوا تأديبي لا الفضة. والمعرفة أكثر من الذهب المختار".

ومن أمثلة ذلك في العهد الجديد "اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية" (يو 6: 27) وقوله "لا تفرحوا بهذا إن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري إن أسماءكم كتبت في السموات" (لو 10: 20) وقوله "الكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني" (يو 14: 24). في كل هذه المواضع لا يراد بأدة النفي سوى المقابلة بين شيئين من حيث السبب أو الأفضلية، وترجيح أحدهما على الآخر.

ثم نقول إن جوهر العهد الذي أخذه الله على شعبه المختار في جبل سيناء إنما هو الطاعة "إن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب" (خر 19: 5) والشريعة اللاوية من ضمن الطاعة التي هي جوهر العهد.

أرميا مثال للمسيح: لا عجب إن كان بعض اليهود حسبوا رجل الأوجاع ومختبر الحزن هو أرميا النبي قام من بين الأموات (مت 16: 14)، للمشابهة بين الاثنين في الحزن على خطايا الناس، فكما بكى يسوع على أورشليم بكى أرميا، وكل من الاثنين ناله ما ناله بسبب توبيخ الخطاة على خطاياهم بدون محاباة ولا خوف. أرميا يكني عن نفسه بإحدى كنى المسيح الشهيرة حيث يقول "وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح" (11: 19).

المسيا المنتظر: لم يبين لنا أرميا حقائق كثيرة عن المسيا المنتظر كما بيَّن أشعياء، غير أنه لمح إليه تلميحات تستحق الاعتبار. فكنى عنه بينبوع المياه لحية (2: 13) وبطبيب (8: 22) وبالراعي الصالح (31: 10؛ 33: 4) وبغصن البر (23: 5) وبداود الملك (30: 9) وبالوالي أي الفادي (50: 34) ودعاه بهذا الاسم "الرب برنا" (23: 6). ومما يستحق العجب أن يتنبأ أرميا عن الملك الذي يجلس على كرسي داود في حين أن كرسي داود تداعت أركانه وتقلص سلطانه وباد العدل وساد الظلم بين الناس حيث يقول "وأُقيم لداود غصن بر فيملك ملك وينجح ويجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا ويسكن إسرائيل آمناً وهذا هو اسمه الذي يدعونه به الرب برنا" فهذا الوصف ينطبق على مخلصنا: أما كونه غصن بر لداود فيدل على ناسوته وولادته من ذرية داود، وأما كونه يدعى "الرب برنا" فيدل على لاهوته.

العهد الجديد: قال الله على لسان عبده أرميا أنه سيعقد عهداً مع بيت يهوذا وإسرائيل (31: 31 – 37). ويوجه الرسول بولس هذا ليهود العصور المقبلة (رو 11: 26 و 27 وعب 8: 8 و 13). وأما وسيط هذا العهد الجديد فهو يسوع المسيح (عب 12: 24). وتشير النبوة إلى زمن الإنجيل وتشمل لا اليهود فقط بل كل الذين يؤمنون بيسوع أنه الوسيط الوحيد بين الله والناس وتشرح لنا روحانية العهد الجديد الذي فيه تكتب وصاياه لا على لوحين من الحجر كوصايا العهد الأول بل على صحائف القلوب، وفيه نُوعد بمعونة الروح القدس للعمل بهذه الوصايا.

الارتداد: إن القحط الشديد المشار إليه في إصحاح 14: 1 – 9 يمثل روحياً حالة المرتدين الذين بعدما عرفوا الرب يسوع تحولوا عنه فيشبهون أرضاً يابسة بلا ماء ولا مطر ولا زرع ولا عشب. ويكون الرب "كغريب في هذه الأرض" و "كجبار لا يستطيع أن يخلص". حقاً إن هذا لسان حال القلب المرتد الذي لكثرة خطاياه وعدم إيمانه يقنط من رحمة الله تعالى. فكم يلائم هذا السفر حالة المرتدينّ فإنه يعلن لهم تعطفات المحبة الإلهية ودعوة نعمته الفائقة وماذا يكون لذلك من التأثير في قلوبهم حيث يقول "ارجعوا أيها البنون العصاة فأشفي عصيانكم. ها قد أتينا إليك لأنك أنت الرب إلهنا" (3: 22).

سؤالات : يتضمن سفر أرميا أسئلة لا توجد أجوبتها إلا في إنجيل ربنا يسوع المسيح:

"كيف اصفح لك" (5: 7 أف 1: 7)

"كيف أضعك بين البنين" (3: 19؛ يو 1: 12).

"أليس بلسان في جلعاد أم ليس هناك طبيب" (8: 22؛ مت 9: 12)

"هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه" (13: 23؛ أع 8: 37 و 2 بط 3: 14)

"كيف تعلم في كبرياء الأردن" (12: 5؛ 1 كو 15: 55 – 57)

"اين القطيع الذي أعطي لك غنم مجدك" (13: 20؛ كو 1: 28 وعب 13: 17)

آيات ذهبية: في سفر أرميا آيات في مواضيع مختلفة، جديرة بأن نمعن فيها التأمل:

"ماذا تقولين حين يعاقبك" 13: 21

"القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه" 17: 9

"اهربوا نجوا أنفسكم وكونوا كعرعر في البرية" 48: 6

"كلمتي كنار ... وكمطرقة تحطم الصخر" (23: 29)

"احرثوا لأنفسكم حرثاً" 15: 9

"غربت شمسها إذ بعد نهار" 15: 9

"عرفت الأفكار التي أنا مفتكر بها عنكم يقول الرب أفكار سلام لا شر لأعطيكم آخرة ورجاء" 29: 11

"محبة أبدية أحببتك من أجل ذلك أدمت لك الرحمة" 31: 3

"وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم" 29: 13

"اسألوا عن السبل القديمة ... فتجدوا راحة لنفوسكم" 6: 16

"يسألون عن طريق صهيون ووجوههم إلى هناك" 50: 5

"كان شعبي خرافاً ضالة ... نسوا مربضهم" 50: 6

"وقت معاقبتهم" 8: 7 و 12

"مضى الحصاد انتهى الصيف ونحن لم نخلص" (8: 20)

"لا يعسر عليك شيء" 32: 17

مبراة الكاتب: سفر أرميا يفيض الشرح في موضوع الوحي. فإن تصفحته من الإصحاح الأول فما بعد وأعلمتَ على كل عبارة تفيد أن الله أوحى إلى عبده – كقوله مثلاً "هكذا قال الرب" "وصارت إلي كلمة الرب" "فقال الرب لي" – لوجدت عبارات كثيرة بهذا المعنى تتجاوز العشر في بعض الاصحاحات. وفي كل هذه المواضع يصرح أرميا بدون تردد بأنه موحى إليه من الله.

وعند تحقيق المسألة المطروحة أمامنا نرى الطريقة التي كتب بها أرميا سفره بالوحي. ألقى الرؤساء في السجن لكي لا يصدع خواطرهم بكلمة الرب في ما بعد. فأمره الرب "خذ لنفسك درج سفر واكتب فيه كل الكلام الذي كلمتك به من أيام يوشيا إلى هذا اليوم". فتصور أرميا في سجنه الضئيل النور، وبجانبه رفيقه الأمين باروخ يكتب ما يمليه عليه: "فكتب باروخ عن فم أرميا كل كلام الرب الذي كلمه به في درج السفر. وأوصى أرميا كل كلام الرب الذي كلمه به في درج السفر. وأوصى أرميا باروخ قائلاً: أنا محبوس لا أقدر أن أدخل بيت الرب. فادخل أنت واقرأ في الدرج الذي كتبت عن فمي كل كلام الرب في آذان الشعب في بيت الرب في يوم الصوم" (36: 4 – 6). فالسفر الذي كان بيمين باروخ وقرأه على مسامع الرؤساء والكهنة والشعب لم يكن إلا "كلام الرب".

وبعدما قرأ باروخ السفر على مسامع الشعب مثل أمام مجلس الرؤساء وأعاد عليهم السفر. فسأله واحد منهم "أخبرنا كيف كتبت كل هذا الكلام عن فمه. فقال لهم باروخ بفمه كان يقرأ لي كل هذا الكلام وأنا كنت أكتب في السفر بالحبر". فأتوا بالسفر إلى الملك وعرضوه عليه. وهنا المشهد الأخير المحزن. لم يتمثل هذا المشهد بين جدران السجن المظلم حيث كان أرميا محبوساً بل في قصر الملك الشتائي المتوفرة فيه وسائل النعيم والترف. فلما سمع يهوياقيم الملك بضع صفحات من السفر استشاط غضباً وأمر به أن يمزق ويطرح في الموقد الذي كان يصطلي عليه فمزقه كاتب الملك بمبراته وألقاه في النار. قال بعضهم نادباً حظ ذلك الملك الشقي: "لقد كانت له فرصة للتوبة وهو يسمع كلام الله. أما وقد طرح السفر في النار فلم يطرح فيها بالحقيقة سوى نفسه وبيته ومدينته وشعبه"

وشدد الملك على تعذيب النبي وباروخ "لكن الرب خبأهما". وفيما كان النبي في خلوته مع رفيقه الأمين أمره الرب أن يكتب من جديد "كل الكلام الأول الذي كان في الدرج الأول الذي أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا" "وزيدَ عليه أيضاً كلام كثير مثله".

تعساً للإنسان غير المؤمن! فإنه قادر أن يمزق كلمة الله بمبراة ذهنه أي يزيفها بعقله ولكنه كمثل يهوياقيم لا يمزق سوى رجائه ويطرحه في النار. أما "كلمة الله فثابتة إلى الأبد" وبها يقضي عليه في يوم الدين (انظر 1 بط 1: 25 ويوحنا 12: 48).

كلمتي – نار: لم يكن يُنتظر من أرميا ذي الإحساس الرقيق أن يأتي بهذه الأنباء القاسية من عند ذاته لو لم يتحقق أنها كلام الله. فإنه كأيوب ندب اليوم الذي ولد فيه، ورثى نفسه رثاءً يذوب له الفؤاد. قال "صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي" "كل أصحابي يراقبون ظلعي". فهل يُعقل أن يمضي أرميا قُدماً في أداء رسالته ويغرر بنفسه إلى موارد العطب والهلاك لو لم يكن على يقين تام بأنه يبلغ رسالة الله! ومن فرط ما أصابه من الضيم والهوان في أداء رسالة الله رواد نفسه أن لا يعود يذكر اسمه كما يدل على ذلك قوله "لأن كلمة الرب صارت بي للعار وللسخرة كل النهار فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه". ولكنه لم يجد مناصاً من هذا التكليف كما يقول "فكان: (كلام الله) في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع". ولا غرابة في ذلك لأن الله وعده قائلاً "هأنذا جاعل كلامي في فمك ناراً" وقال "إذا أخرجت الثمين من المرذول فمثل فمي تكون". وقال أرميا: "وُجد كلامك فأكلته فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي". واعلم أن الصلاة كانت سر نجاح الرجل ومناجاته السرية.

أضف تعليق


قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.