عقائد

إبليس يجرب المسيح

القسم: حياة المسيح - جزء 2.

رأينا في أخبار طفولة يسوع شيئاً من أعمال إبليس التي ظهرت في تصرُّفات هيرودس الملك. لكننا لم نعثر إلى الآن في تاريخ يسوع على ذكر إسم إبليس، ولا على أخبار صريحة عنه. أما الآن فقد وصلنا في درسنا إلى رؤية صورته بجلاء، إذ تُذكر أسماؤه الثلاثة "المجرب" و "إبليس" (أي: المشتكي) و"الشيطان" (أي: العدو). ويصوّره الإنجيل يهاجم يسوع ويريد أن يجعله يخطئ. ويروي لنا قصة تجريب إبليس للمسيح في إنجيل متى 4:1-11 ، ولوقا 4:1-13.

يتبيَّن من الكتاب المقدس أن الشيطان شخص حقيقي روحي، مجرَّد من المادة وشرير جداً، وأنه رئيس ملائكة الشر الذين أشار إليهم المسيح في كلامه عن "النَّارِ الْأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلَائِكَتِهِ" (متى 25:41). قيل "إن الله لم يشفق عليهم لأنهم أخطأوا ولَمْ يَحْفَظُوا رِيَاسَتَهُمْ، بَلْ تَرَكُوا مَسْكَنَهُمْ. ففي سلاسل الظلام طرحهم في جهنم، وسلّمهم محروسين للقضاء، وحَفِظَهُمْ إِلَى دَيْنُونَةِ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ بِقُيُودٍ أَبَدِيَّةٍ تَحْتَ الظَّلَامِ" (يهوذا 6) ويُسمى أيضاً "رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 16:11) و"إِلهُ هذَا الدَّهْرِ" (2 كورنثوس 4:4). و"رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ" (أفسس 2:2) لأنه بذكائه الفائق، يتسلَّط على البشر تسلُّطاً عظيماً وغريباً جداً. وأهم البراهين على أنه شخص حقيقي مهم ومقتدر أمر يسوع لتابعيه أن يذكروه في صلاتهم مهما اختصروها، ويقولوا: "نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ" (متى 6:13) ليس من الشر ولا من الأشرار، بل "من الشرير".

ويتضح أيضاً من الكتاب المقدس أن هذا التسلُّط مقيَّد بالسماح الإلهي، وأن إبليس يعترف بذلك، ويطلب هذا السماح ويُعطاه أحياناً. إنما القصد الإلهي في هذا السماح هو حبّي محض نحو الذين يُجرَّبون، لأن المنتصرين منهم ينالون التزكية والتقوية والتمجيد. والذي يدفع كل ريب في مزية الحب الخالص في هذا السماح هو تجربة المسيح، لأن الروح القدس هو الذي أصعده إلى البرية ليجربه إبليس.

التجربة الأولى: إبليس يطلب أن يحوّل المسيح الحجارة إلى خبز

(تجربة الجوع)

"ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيراً. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً". فَأَجَابَ: "مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللّهِ" (متى 4:1-4).

ولا يخفى الفرق العظيم بين نوعي التجربة. هناك تجربة الألم لأجل الإمتحان الخيري بقصد التزكية والتقوية والتمجيد، مثل ما فعل الله بإبراهيم. وفيه يجد الرسول يعقوب سبباً عظيماً للفرح (يعقوب 1:2) والثاني تجربة الشر لأجل إغواء الإنسان. وفي هذا قال الرسول ذاته: "لَا يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللّهِ، لِأَنَّ اللّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لَا يُجَرِّبُ أَحَداً (بالشرور)" (يعقوب 1:13).

وتجربة المسيح أصعب حوادث حياته تفسيراً. ومن جملة المصاعب: التوفيق بين طهارته التامة والقول بأنه "تجرَّب في كل شيء مثلنا" (عبرانيين 4:15) فأين تجربة القدوس من تجربة الأثيم؟ إن ما نتيقَّنه تماماً من سموّ صفات المسيح لا يدع مجالاً للظن بأن تجربته كانت وهمية أو صورية. وقد أورد خبرها على الصورة الموجودة في الإنجيل المسيحُ وحده، إذ ليس آخر يعرف هذا الأمر ليخبر عنه. ولما كان المسيح يترفع كثيراً عن تصوير الوهم كأنه حقيقة، وعن إفادتنا بمحادثة لم تقع ومع شخص لا وجود له، كما يترفع رسله عن اختلاق خبر سري مهمٍ كهذا عن معلّمهم وسيدهم وربهم - فلا بد أن قصة التجربة حقيقية وليست وهماً.

يكشف المسيح بيده في خبر تجربته الستار عن سرٍ عميق من أسرار اختباراته الروحية، والمحنة الشديدة التي اجتازها منفرداً تماماً عن سائر البشر. وهذا الخبر هو الوحيد بين أخبار الإنجيل الذي يتوقف كشفه على المسيح وحده، فبناءً عليه يجب على المفسِّر أن يتحفَّظ من الجزم في شيء يتعلق بتجربة المسيح إلا ما ذُكر صريحاً، وأن يلتزم أيضاً مزيد الوقار.

يريد البعض أن يعتبروا أن الشيطان ليس إلا خيالاً يُستخدَم للتعبير عن الشر الداخلي الذي يقود الناس إلى الخطيئة، وأن القول باستقلاله الشخصي، هو من الخرافات التي لا تخلو من فائدة. لكن خبر تجربة المسيح يعارض هذا الرأي تماماً، لأن خلوَّ قلب المسيح وأفكاره التام من كل فساد، يؤكد أن التجربة للخطيئة لا يمكن أن تأتيه من داخل، فباب التجربة في قلبه لا يمكن فتحه إلا من خارج. وهذا يعني أن الذي جرّبه شخص شيطاني خارج عنه.

أشرف المسيح بانتهاء سني الاستعداد على بدء خدمته الجهارية. لكن عليه أن يمرَّ أولاً في أتون التجربة ليثبت أهليَّته ليكون المخلّص، فيصارع قائد قوات الشر ويقهره، لتتمّ أول النبوات التي أُعطيت للبشر، لما قال الله في جنة عدن لأبوينا الأولين إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية (تكوين 3:15). فعليه أن يقهر إبليس، هذا العاتي الذي لم يقهره بشرٌ بعد، لكي يفتح لغيره باب الفوز الوحيد بهذا الخصم الجبار، لأن غلبة كل من يَسْلَم من مخالبه المهلكة لا تكون إلا باسم المسيح، وبقوة الروح القدس الذي أصعده إلى برية التجربة، ثم كلله بالنصر.

خضع المسيح كابن الإنسان لقوانين الحياة الأرضية التي هي من وضعه أصلاً. منها أن وراء كل جبل مرتفع وادياً منخفضاً، وبعد كل ابتهاج عظيم انزعاج يضارعه. فارتفاع المسيح وابتهاجه في معموديته بالأمس، أُبدلا سريعاً باتّضاعه وانزعاجه في برية التجربة. وينبئنا التاريخ المقدس بأن الشيطان يترقّب زمن ارتفاع الإنسان ليُسقطه، وبذلك يتضاعف أذى الساقط مع افتخار الذي أسقطه. يكفينا شاهداً على ذلك موسى وإيليا وبطرس ويهوذا الإسخريوطي. لأن إبليس أسقط موسى في خطية الغضب التي حرمته من دخول أرض الميعاد بعد عناء أربعين سنة، وأفقدته نيْلَ أماني حياته الطويلة، وكان ذلك عند بلوغه أوج عظمته الفائقة (العدد 12:3 ، 20:8-13). وإيليا نال انتصاره الباهر على المملكة وملكها وكهنة أوثانها على جبل الكرمل، ولم يمرَّ عليه أكثر من يومٍ إلا ورماه إبليس في خطية اليأس، فهرب مخذولاً إلى برية سيناء بعيداً عن محل مأموريته، وطلب الموت لنفسه (1 ملوك 18:30-40 ، 19:1-9).

وبطرس ارتفع إلى السماء عندما مدحه يسوع بكلام بليغ، فحالاً أسقطه هذا العدو الروحي في خطية الكبرياء، وجعله ينتهر المسيح ليمنعه من طريق الصليب، محاولاً أن يفسد عمله الخلاصي، لذلك عنّفه المسيح تعنيفاً لم يعامل غيره به قائلاً له: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي" (متى 16:13-23). ويهوذا الإسخريوطي لما استكمل سني تمتُّعه بالوسائل الممتازة لترقيته الروحية، بمرافقته الدائمة للمسيح ثلاث سنين ونصفاً، أسقطه هذا المجرب المقتدر في خطيئة الطمع الفاحش، الذي أغرقه في الهوَّة العميقة التي جعلت اسمه إلى آخر الزمان مثال قساوة القلب الفائقة البربرية، والخيانة الشنيعة الدنيئة (أعمال 1:15-20).

وقد اتخذ إبليس الطاغي هذه الخطة عينها مع المسيح. رآه ممجَّداً للغاية وقت المعمودية، ومبتهجاً بحلول الروح القدس عليه، وبرضى الآب الممتاز المعلن بصوته من السماء، فأسرع إلى الهجوم عليه بأقوى تجاربه مدة أربعين يوماً، ليسقطه في خطيئةٍ من الخطايا العديدة. فإنه أسقط قبل هذا الوقت نسل آدم جميعاً دون استثناء. والآن يتوقع أن يفوز على ابن مريم. ويرى أن أحوال المسيح الخارجية تسهّل له ذلك.

بين تجربة آدم وتجربة المسيح

عندما هجم إبليس على آدم الأول وأسقطه أول مرة، كان في جنة فاخرة، حاوية كل أسباب السرور، وكان محيطه خالياً من كل شر أو فساد، حتى أن الحيوانات على أنواعها كانت أليفة وطوع أمره. ولم يكن يعرف من الأتعاب ولا الأوجاع ولا الأحزان ولا الأسقام شيئاً، وهو عالمٌ أن ليس أمامه غير دوام هذا الرغد، ما دام باقياً على الوضع الإلهي الذي أوجده الله فيه.

أما الآن فإن الشيطان يجد المسيح، آدم الثاني، في برية مقفرة، خالية ليس فقط من أسباب الراحة، بل من الطعام الضروري أيضاً، تحيط به الوحوش الضارية. وحياته السابقة كانت بين جماعة كلهم خطاة، وأعظم من ذلك أنه عالمٌ بأنه إنْ لم يرجع عن قصده فليس أمامه سوى سنوات التعب والشقاء والإهانة والآلام المبرحة ثم موت الصليب. فكيف لا يكون إسقاطه سهلاً ومكفولاً؟

كانت الوحوش الضارية رفيقة المسيح في هذه البرية. ونستنتج من الكتاب أن آدم الأول كان قبل سقوطه متسلطاً عليها، وليس على الحيوانات الأليفة فقط، وأن عداوة الوحوش لبني آدم هي إحدى نتائج سقوطه. فلما نقرأ أن المسيح كان مع الوحوش، نتصوره يستعيد تلك السلطة، مُحاطاً بها مثل دانيال في جب الأسود (دانيال 6) تحفظه هيبته المقدسة من أنيابها المسنونة. أوَليس من شأن إزالة الخطيئة إعادة تلك السلطة المفقودة؟ أوَليس الرفق بالحيوانات من مقتضيات الدين والأدب؟.

لم يكن المسيح قد أكل شيئاً مدة الأربعين يوماً والأربعين ليلة التي قضاها في البرية، فاغتنم المجرب فرصة إعيائه الجسدي ليفرغ قواه في ثلاث تجارب قوية. كان صوم المسيح هذا أمراً عرضياً طبيعياً، أولاً لأن البرية لا تقدم له بسهولة طعاماً، وثانياً لأنه مشغول عن التفتيش عن الطعام بانصرافه إلى الأمور الروحية، ولا يرضى أن يترك البرية في طلب الطعام إلا بإرشاد الروح الإلهي الذي أصعده إليها. فلم يشعر كثيراً بالجوع، إلا عند نهاية هذه المدة الطويلة.

في إغواء حواء، اتخذ إبليس صورة حيوان، إذْ لم يكن لديه إنسان يستخدمه، لكن حالما تسلط عليها ترك الحية، واستخدم حواء في إغواء زوجها. ومن ذلك الحين يستغني إبليس عن الحيوانات، لأن الآلات البشرية متوفرة لديه. وللتجربة بواسطة المقرَّبين مفعولٌ مضاعَف. ولما قصد إبليس أن يحوِّل المسيح عن التكفير بموته عن خطايا العالم، استخدم رسول المسيح الممتاز: سمعان بطرس (مرقس 8:33).

قد سكت الوحيُ تماماً عن بيان الصورة التي ظهر فيها إبليس للمسيح لما حاوره، إلا أن العقل يحكم بأنه لم يظهر في هيئة شيطانية، لأن ذلك يحذّر المسيح للكُرْهِ والمقاومة، ويعطّل سعي إبليس. والأغلب أن إبليس ظهر شخصياً للمسيح، فليس في المسيح أساس داخلي للشر حتى تأتيه التجربة من قلبه، ويحتمل أن إبليس ظهر أولاً بهيئة شخص اعتيادي أقبل على المسيح في البرية. فإنْ صحَّ هذا الفرض يكون إبليس قد أظهر تعجُّبه من جوع المسيح الناتج عن قيادة الروح الإلهي له إلى هذا القَفْر، ثم تركه بدون القوت الضروري الذي هو من حاجات الإنسان الأولية. ثم من باب التودُّد، ذكر للمسيح أن قوَّته كابن الله تجعل سدَّ هذه الحاجة أمراً سهلاً عليه جداً، لأن الذي خلق الحجارة في الأصل لا يعسر عليه تحويلها كيف شاء. وإنْ لم يفعل ذلك فإنه يزرع الشك في أنه حقاً ابن الله. وبما أن الآب قد أهمله ولم يعطه خبزاً، فلماذا ينتظر أمره؟ يحقُّ له إذاً أن يشك في محبة الآب، وأن يتذمر على تدبير العناية الإلهية.

ونحن نسأل اليوم: ما المانع من إجابة اقتراح هذا المجرب بأن يحوّل المسيح الحجارة إلى خبز ليسدَّ جوعه؟ وما هي الخطيئة أو الخطايا التي قصد إبليس أن يولِّدها في قلب المسيح؟

لا يصحُّ القول إن المسيح رفض هذا الاقتراح لمجرد أنه صدر من الشيطان، لأن المسيح لم يعترض في جوابه على المصدر، بل على الاقتراح، بغضِّ النظرِ عن مصدره. فلا تُعرَف ماهية التجارب التي ذُكرت في هذا الحادث إلا من شكل اعتراض المسيح وأجوبته على اقتراحات المجرِّب، لأن المسيح أخذ أجوبته من الكتاب المقدس وعليه بنى أحكامه.

ولما كانت إجابة المسيح الأولى "مكتوب" فقد أعلن لمجرِّبه وللعالم أنه قدَّم ذاته للتجربة لا كصاحب سلطان، بل كبشر تحت القانون والطاعة، وكخاضع مثل سائر البشر لأقوال الكتاب. وفي الوقت ذاته أظهر باستناده على أقوال الكتاب ما هو المرجع الحقيقي في أمور الدين. ومع أنه أقدر الناس على إفحام المجرب بالحُجج الفلسفية، أثبت بجوابه "مكتوب" أن قوة الاحتجاج الديني توجد في ما هو مكتوب في كتاب الله، لا فيما يُستنبَط من الفلسفة البشرية، لأن سيف الروح الماضي ذا الحدين الذي به وحده يقهر الإنسان عدوَّه الشيطان هو كلام الله. وقد استخدم المسيح هذا السلاح المُتاح لكل إنسان، وبه نال فوزه على إبليس.

تمسك المجرب بأن المسيح ابن الله، لأن افتخاره يزيد كثيراً إن تغلب على ابن الله لكنه رغم ذكائه الفائق نسي أن ابن الله لا يجوع ولا يأكل خبزاً، ولا يمكن أن يُجرَّب. فأصلح المسيح وَهْمَ إبليس لما أوضح له أنه يقابله، لا كابن الله، بل كابن الإنسان. لم يهتم المسيح كثيراً في كل حياته بتذكير الناس أنه ابن الله. فبينما يشير إلى ذاته في الإنجيل كابن الله أقل من عشر مرات، يشير نحو خمسين مرة إلى كونه ابن الإنسان. فلو أسندت طبيعته الالهية طبيعته البشرية وقت التجربة، لكان ذلك بمثابة اعتراف منه أن الطبيعة البشرية عاجزة عن التغلُّب عليها، ولَمَا صحَّ القول أنه تجرب مثلنا، ولا أن يكون مثالاً للناس. فهو لا يفعل في ساعة التجربة ما يعجز تابعوه عن أن يفعلوه. وهذا سببٌ كافٍ لعدم تحويله الحجارة خبزاً. فضلاً عن أنه يريد أن يذوق بنفسه مصيبة الجوع الشديد، لأن هذا نصيب كثيرين من بني البشر.

هذه التجربة الأولى هي الحيلة التي نجح إبليس بواسطتها لمّا استخدمها في دفع حواء للتذمُّر على الله والاستقلال عنه، لحرمانه إياها الأكل من شجرة معرفة الخير والشر (تكوين 3:3). وفي دفع بني إسرائيل للتذمُّر عليه والاستقلال عنه بحجة الطعام والشراب (خروج 16:3). لكن المسيح أظهر لإبليس أنه لا يتذمر على الآب بسبب جوعه، لأن عنده كلامه، وهذا أهم جداً عنده من الطعام الجسدي، وأنه لا يستقل عن الآب في التدبير، ولا يسعى للتخلُّص من الجوع إلا بأمره. وقد ظهرت أفكاره من هذا القبيل في غير هذا الوقت لما قال: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يوحنا 4:34).

وقد قصد المجرب في هذه التجربة أيضاً أن يُغري المسيح على الاهتمام أولاً بخدمة ذاته. فإنْ أقنعه أن يفعل معجزته الأولى لمنفعته الشخصية، يُعَدُّ ذلك نجاحاً عظيماً له، لأنه يعطل عمل المسيح الخلاصي، إذْ يصير المسيح من الذين يعيشون لذواتهم. لكن المسيح جعل هدف كل معجزاته خدمة الآخرين، حتى أعداءه، كما في حادث شفاء أذن ملخس (لوقا 22:51) ولم يفعل لمنفعته الخصوصية ولا معجزة واحدة، وقد صدق فيه قول الرسول بولس: "لِأَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ" (رومية 15:3) وصحَّ فيه تعيير مبغضيه وهو على الصليب: "خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا" (مرقس 15:31). فصار هذا المبدأ قانونياً لتابعيه الذين وضع لهم شرطاً أولياً هو إنكار الذات. ومن أهم وصاياه "اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللّهِ" (مت 6:33). وفي أقواله كما في أفعاله حذَّرنا بقوة من الأنانية.

ثم أن لهذه التجربة معنى يتعلق بعمل المسيح بين الناس كمخلّص ومُصلح. أراد المجرب أن يغريه على تقديم الأمور الجسدية على الروحية، مراعاةً لمزاج عامة الناس، فينضم كثيرون إليه لهذا السبب، ويكون نجاحه في الظاهر سريعاً. فرفض المسيح هذه الحيلة، لأن مبدأه "اِعْمَلُوا لَا لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ، بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ" (يوحنا 6:27). وبجوابه علّم البشر في كل مكان وزمان أن خدمة الأرواح تُقدَّم على خدمة الأجساد. وأن الإحسان الحقيقي هو ما ينفع النفوس قبل الأجساد. وأن الإحسان إلى الجسم الفاني يُقصد به أولاً أن يصير مقدمة ووسيلة للإحسان إلى النفس الخالدة.

ذاك الذي تجرب مثلنا ولأجلنا وانتصر، حاضرٌ معنا في كل معركة يثيرها علينا إبليس، فإن انتبهنا لحضوره حالاً في ساعات التجربة، يعطينا نصراً كانتصاره على عدوّنا وعدوه، فنتهلل مع الرسول مرنمين: "شُكْراً لِلّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1 كورنثوس 15:57).

وهكذا انتصر المسيح على إبليس في أول تجربة جرّبه بها، ورفض أن يحوّل الحجارة إلى خبز ليُشبع جوعه. انتصر عندما قال: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله".

التجربة الثانية: إبليس يطلب من المسيح أن يطرح نفسه إلى أسفل

(تجربة حب الظهور)

"ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، وَقَالَ لَهُ: "إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلَائِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لَا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ". قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لَا تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ" (متى 4:5-7).

أسفرت التجربة الأولى عن انكسار إبليس أمام المسيح. لكن إبليس لا ينثني بسهولة عن مشروعه الخبيث، إنما لفرط ذكائه يجدّد الهجوم على صورةٍ تخالف الأولى على خطٍ مستقيم، فقد ترك خُطة البساطة وأبدلها بخُطة الاحتيال، لأنه يعلم أن كل انتصار يفتح الباب لغيره، فيتظاهر بالرضى التام عن تصريح المسيح أنه تحت حكم ما هو مكتوب، وسلّم أيضاً بمبدأ أن المسيح لا ينفصل عن الآب، فطلب منه أن يتمسك بهذا الارتباط ويبرهن على ذلك. وتظاهر أنه سلم للمسيح بأفضلية الأمور الروحية على الجسدية، فطلب منه عملاً خطيراً خالياً من المنافع الجسدية، لكن فيه تعريض الجسد لخطرٍ عظيم.. طلب من المسيح عملاً يكون له تأثير ديني عظيم، فيه إنكار للنفس وتمسُّك بخدمة الآخرين، ليظهر لشعب الله المجتمع في الهيكل من رئيس الكهنة فما دون، أنه حقاً ابن الله ليؤمنوا به. والنقطة الوحيدة في تجربته الأولى التي تكررت في التجربة الثانية هي قوله: "إن كنت ابن الله".

يقول الإنجيل إن إبليس جاء بالمسيح إلى المدينة المقدسة أورشليم، وأوقفه على جناح الهيكل، وقال له: "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل، لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على أيديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجرٍ رجلك".

نظن أن الشيطان أخذ في هذه التجربة صورة ملاك نور، وأن بولس يشير إلى ذلك بقوله: "لِأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلَاكِ نُورٍ" (2 كورنثوس 11:14) وأنه ظهر كأحد الملائكة المشار إليهم في كلام المزمور، المكلَّفين أن يحملوه على أيديهم، لئلا تصدم بحجر رجله. وهو هنا كأنه يضمن للمسيح أن يصونه من الأذى في كل الأحوال، حتى ولو رمى بنفسه من هذا المرتَفَع، ولا سيما لأنه بذلك يقدم للجمهور وللعالم برهان نزوله من السماء من عند الله.

من جواب المسيح على هذه التجربة نستخلص ماهيتها. أجاب: "مكتوب أيضاً لا تجرب الرب إلهك". إذاً ما كُتب في مكان من الكتاب يُفسَّر وفقاً لما كُتب في باقي الكتاب، إذْ يجب أن نفسر كلام الوحي بمثله، فيكون مفتاح التفسير الصائب لكل آيات الكتاب ما ورد في الموضوع ذاته من الآيات الأخرى، مع مراعاة روح الكتاب إجمالاً. ويدل الاختبار على أن إِفراد بعض الآيات المقدسة، والتشبُّث بظاهر معناها فقط، قد أدى ويؤدي إلى ضلالات كثيرة ومضرة.

دعا إبليس المسيح في هذه التجربة ليفتخر بالقوة التي له، فيظهرها أمام الجمهور. لكن روح الكتاب وفحوى آياته هي أساسٌ كافٍ للقول إن الله لا يسمح للإنسان أن يقتحم المخاطر دون داعٍ يوجب ذلك، لأن الإتكال على حمايته في ذلك الاقتحام، يكون تجاسراً مُنكراً. فهل يليق أن يطلب إنسان من الرب أن يحفظه من أضرار تعرَّض لها تطفُّلاً أو افتخاراً أو امتحاناً؟ لقد تجنَّب المسيح في كل حياته المخاطر، إلى أن أتت الساعة التي وجب أن يقدم حياته ذبيحة إثم.

ثم أن الوجه الآخر في هذه التجربة هو دعوة إبليس للمسيح ليتخذ سياسة الإدهاش العقلي وسيلةً بها يجعل الناس يؤمنون به، فيعتمد على قوة المعجزة لا على قوة الحق وعلى الإقناع الفكري لا على الشعور القلبي، وعلى الإدهاش لا التعليم. ولو نجح إبليس في تحويل المسيح عن الاهتمام بالتأثير الروحي في القلوب، يكون إبليس قد حفظ سلطته على الناس، ولو شاهدوا من المسيح مدهشات كثيرة.

لم يسقط المسيح في هذه الحفرة التي حفرها له المجرِّب. ومع أنه مزمع أن يصنع معجزات كثيرة فيما بعد، فإنه لا يصنعها لأجل الإدهاش، ولا كوسيلةٍ لجذب الناس إلى الإيمان به، بل سيصنعها تثبيتاً للذين قد آمنوا. فلا يُبنى إيمان الناس به على قوته بل على قوة الحق، وعلى أساس صفاته المقدسة، وعلى أساس المحبة له. لأن مركز الدين هو القلب لا الرأس. وعبثاً يستنير إن لم يُمَسّ القلب أيضاً. لذلك رفض المسيح كثيراً طلب اليهود أن يريهم آيات السماء.

التجربة الثالثة: إبليس يطلب من المسيح أن يسجد له

(تجربة الشرك بالله)

"ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، وَقَالَ لَهُ: "أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي". حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ". ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلَائِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ" (متى 4:8-11).

بعد فشل إبليس في خُطة البساطة ثم الاحتيال، لجأ إلى خطة الوقاحة، فنراه يغيّر نوع الطلب ويدعو المسيح إلى أمر منكر، هو السجود له، ويقدم مقابل ذلك شيئاً لا تُقدَّر قيمته. لأنه على كيفية نجهلها أصعده إلى جبل عالٍ جداً، وأراه جميع ممالك المسكونة ومجدها في لحظة من الزمان وقال له: "لك أعطي هذا السلطان كله، وهذه جميعها ومجدهنَّ، لأنه إليَّ دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد. فإنْ خررْتَ وسجدتَ لي يكون لك الجميع".

ليس في جواب المسيح على هذه التجربة أقل إشارة إلى أن اقتراح إبليس كاذب ومواعيده فارغة، مع أن باستطاعة المسيح أن يرغم إبليس على القيام بما وعد، إن شاء ذلك. بل بنى رفضه على نوعية ما كلّفه إبليس به، وهو أن يقدّم السجود لغير الله، أو أن يقدم هذا السجود من باب النفاق لشخص لا يسجد له قلبياً. وأن يتخذ لأجل غاية حسنة وسيلةً سيئة، متساهلاً مع الشر القليل لأجل الخير الجزيل. وهذه على الدوام خدعة شيطانية تضيِّع على المتساهل كل ما يريده من الخير، وتجلب على رأسه ويلاً وبيلاً عقاباً على تساهله، فالغاية لا تبرِّر الوسيلة أبداً.

كانت هذه التجربة الشيطانية الثالثة تطلب من المسيح أن يتبنَّى خطة المجد العالمي في أمور الدين، كما يفعل رجال الدين جميعاً، حتى رسله، ويوحنا المعمدان، الذين كانوا يشتهون ويتوقَّعون ملكوتاً زمنياً مجيداً يقيمه المسيح متى جاء. وتعهد إبليس للمسيح أن يسهّل له إتمام هذه الرغائب اليهودية السائدة عند الجميع. وفي الوقت ذاته يغنيه عن الأتعاب والإهانات والآلام والصلب، وعن الصبر طويلاً مئات السنين لتأييد سلطته على البشر مكان سلطة إبليس. فينال المسيح غايته السامية بسرعة وسهولة.

ولا يُستبعَد أن هيئة إبليس في هذه التجربة أيضاً لم تكن شيطانية ظاهرة تولّد النفور منه مباشرة والاشمئزاز من تقديم السجود له. لكن وقاحة اقتراحه في طلبه من المسيح الطاهر أن يفعل أمراً منكراً في الدين، تكفي لتكشف عن حقيقة شخصه. لذلك قابله المسيح بالرفض القوي، وانتهره بقوله: "اذهب يا شيطان". ومع ذلك لم يمسك عنه قوة البرهان، بل سرد له عبارة من نفس خطاب موسى الذي اقتبس منه سابقاً: "مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (تثنية 6:13، 10:20).

لما أمر المسيح إبليس بالذهاب، ولَّى مخذولاً. ولكنه فارقه إلى حين فقط. وحالما تقرر فوز زعيم البر على زعيم الإثم وهرب إبليس خاسراً، ظهرت مراقبة أهل السماء لهذا العراك الفاصل الخطير. لأنه يُقال: "وإذا ملائكة قد جاءت فصارت تخدمه". كأنها تنقل إليه التهاني السماوية على فوزه، وبشائر الرضى الإلهي الممتاز، لأن الملائكة هم "أَرْوَاحٌ خَادِمَةً مُرْسَلَةٌ لِلْخِدْمَةِ لِأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلَاصَ" (عبرانيين 1:14). فكم يكون فرحهم وافتخارهم أن يخدموا الآن - ليس ورثة الخلاص - بل رئيس الخلاص ورئيس الإيمان ومكمّله.

في هذه البرية هاجمت المسيح أنواع التجربة الثلاثة "شَهْوَةَ الْجَسَدِ، وَشَهْوَةَ الْعُيُونِ، وَتَعَظُّمَ الْمَعِيشَةِ" (1 يوحنا 2:16) تجربة للجسد في أمر الطعام، وتجربة للعقل في أمر إعجاب الناس، وتجربة للنفس في أمر المجد العالمي. وفي هذه كلها تجرَّب مثلنا لكي يرثي لضعفاتنا. وبها تزكَّى وتقوى وتمجد، وشهد له إبليس شهادة ضمنية قوية، لأنه لم يقدم له أول الأمر تجربة في أمر شرير رديء، لكنه أتاه أولاً بتجارب ظاهرها شريف، حتى إذا سقط فيها يجذبه تدريجياً إلى ما وراءها من المنكرات.

وتعتبر تجربة المسيح في البرية معمودية المسيح الثالثة، وهي معموديته بالنار، بعد أن تعمد بالماء ثم بالروح القدس. وبقيت عليه معمودية رابعة هي المعمودية بالدم على الصليب.

في آدم الأول تمثَّل الجنس البشري كله، فلما تجرب وسقط، هوى مع كل نسله إلى الجحيم، فهبطوا جميعاً من الجنة وصاروا بعضهم لبعض عدو. وفي آدم الثاني (المسيح) تمثَّل الجنس البشري مرة ثانية، فلما تجرب ثبت ليصعد جنسُه معه إلى النعيم. بسقوط آدم الأول تحولت جنة عدن إلى برية، وبثبات آدم الثاني تتحول البرية جنة، فإذا برية الشر تصبح جنة البر، وبرية الخصام جنة السلام، وبرية السخط الإلهي والدينونة الأبدية جنة الرضى الإلهي والرحمة والحياة الأبدية، وبرية العداوة لله جنة البنوَّة لله، وبرية اليأس والهلاك جنة الرجاء والخلاص.

أضف تعليق


قرأت لك

الملائكة - مقدمة

أردتُ يوماً أن أعدَّ عظةً في موضوع الملائكة. بحثتُ في مكتبتي فلم أجد كتاباً أستطيع الاستعانة به. وتبين لي في ما بعد أنه لم يُكتب عن الملائكة في هذا القرن إلا القليل، وقد هالتني فداحة هذا النقص.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة