عقائد

الفصل الرابع: التقديس

القسم: بين العقل والإيمان - الجزء الرابع.

نظراً لأن صورة الله لم يكن قوامها المعرفة والبرّ فقط بل القداسة أيضاً، فإن رد الإنسان ينبغي أن لا يكون فقط إلى علاقة صحيحة بالله بل أيضاً أن يجدده من الداخل وفقاً لما يطلبه ناموس الله المقدس. فالخطية إثم، ولكنها أيضاً دنس. فالتبرير يُعفي الإنسان من إثمه، والتقديس يطهرّه من دنس الخطية. بالتبرير تغيّر ضميره، وبالتقديس تبدل كيانه، بفضل الأول استعاد الإنسان علاقته السليمة مع الله، وبفضل الثاني صار الإنسان صالحاً وقادراً على فعل الخير.

تكاد كلمة "قداسة" ومشتقاتها ترد على كل صفحة من صفحات الوحي المقدس. ومهما يكن المعنى الأصلي الذي به استُخدمت هذه الكلمة أولاً، فإنها في الكتاب المقدس لا تُستعمل البتة بمعناها المألوف عامةً بل إن لها في كل حين دلالة دينية. على أن الكلمة المستعملة في الكتاب المقدس جاءت على أكثر ترجيحٍ من أصل يعني "فرز" أو "فصل" أو "خصَّص". كذلك أيضاً لا يمكننا أن نحدد في أي معنى أُدخلت هذه الكلمة في مجال البحث الديني. فبحسب ما يرى بعضهم، نُسبت إلى الأشخاص والأشياء صفة القداسة أولاً لأنهم كانوا ينفصلون عن سائر الأشخاص والأشياء صفة القداسة أولاً لأنهم كانوا ينفصلون عن سائر الأشخاص والأشياء، فيُعزلون بالتالي عن الاستعمال العام - إذا صحّ التعبير. ومن هنا كان نقيض القداسة هو النجاسة والدنس وعدم القداسة والحقارة.[117] وبحسبما يرى آخرون، قُصِدَ بهذه الكلمة أولاً، فيما يتعلق بالأمور الدينية، أنه جُعلت للأشخاص والأشياء علاقة خاصة بالله، فكانوا بهذا المعنى مختلفين عن سواهم. ويمكن القول، بالنسبة إلى هذا الرأي، أن الأشخاص والأشياء ليسوا بالطبيعة مقدَّسين في ذواتهم البتة، بل يمكن أن يصيروا كذلك فقط من خلال عملٍ معيّن يُجرى لهم. وليس في وسطهم أيضاً أن يقدسوا أنفسهم، لأن مصدر كل قداسة وتقديس إنما هو الله. فالرب قدوس، ولذلك يطلب لنفسه شعباً مقدساً وكهنوتاً مقدسا وهيكلاً مقدساً.[118] وهو الذي يبيّن من هو له ومن المقدَّسون (عد 16: 5).

وعليه، فكثيراً ما دعى الله في العهد القديم باسم "القدوس". وفقط في (دانيال 4: 8، 9، 18؛ 5: 11) يتحدث نبوخذ نصر أيضاً عن آلهته القدوسين. وإذ تُستعمل لفظة "القدوس" هذه بالإشارة إلى الكائن الإلهي لا يُقصد بها إلصاق صفة خاصة إليه ضمن صفاته التي له، بل إنها تُستخدم بالأحرى للتعبير عن عظمة الله وسموه وجلاله ونـزاهته. فليس قدوس مثل الرب، لأنه ليس غيره؛ وليس صخرة مثل إلهنا (1صم 2: 2). إنه الله وليس إنساناً (هو 11: 9). وما من أحد يقوى على الوقوف أمام الرب الإله القدوس (1صم 6: 20). وهو مرتفع جداً على جميع الآلهة، معتزّ في القداسة، مَخوفٌ بالتسابيح، صانع عجائب (خر 15: 11). إنه مَخوف من مقادسه (مز 68: 35)، واسمه عظيم ومهوب (مز 99: 2، 3)، والقسم بقدسه هو قسمٌ بنفسه (عا 4: 2؛ 6: 8). وباختصار، فإن القداسة تشير إلى الله في تنـزهه عن جميع الخلائق وتعاليه عليها. إنه القدوس لأنه هو الله. وإشعياء على الخصوص يؤثر إطلاق هذه الكلمة على الله.[119]

وتتجلى قداسة الله في جميع علاقاته مع شعبه. فإن إعطاءه الشريعة لبني إسرائيل يرتكز بجملته على قداسة الله باعتبارها المبدأ الأول كما يهدف إلى تقديس الشعب. إنه قدوس في جميع إعلانه وفي كل ما يصدر عنه تعالى: فاسمه قدوس (لا 20: 3)، وذراعه مقدسة (مز 98: 1)، وعهده تقديس (دا 11: 28)، وكلمته مقدسة (مز 105: 42)، وروحه قدوس (مز 51: 11؛ إش 63: 10، 17). ومن هنا يريد لشعبه أيضاً أن يكونوا قديسين.[120] وبين ذلك الشعب يريد خصوصاً من الكهنة واللاويين، الذين يخدمون في المقدسات والمُفرزين لعملهم بإجراءات طقسية معينة، أن يكونوا قديسين (خر 29). وفي الواقع ينبغي أن يكرّس للرب ويُعتبر مقدساً كل شيء له علاقة ما بخدمته، سواء في تلك الأمكنة والأزمنة أو التقدمات وأثواب الكهنة أو الهيكل وما شابه. وكامل المغزى من إعطاء الشريعة هو أن يكون الشعب مملكة كهنة وأمة مقدسة للرب (خر 19: 6). ويكون الشعب مقدساً بالفعل إذا تجاوب في كل شيء مع الشريعة التي أعطاه الله إياها.

وينبغي لنا أن نذكر أن هذه الشريعة لم تقتصر على الوصايا الأدبية بل شملت أيضاً عدة وصايا مدنية وطقسية. لذلك كان قوام القداسة هو الكمال أو الامتثال الكلي للشريعة، ولكن هذا الكمال لم يكن ذا طبيعة أدبية فقط بل ذا طبيعة مدنية وطقسية. على أن الشعب كثيراً ما جنحوا إلى ناحية واحدة والتمسوا جوهر الدين في الطهارة اللاوية الخارجية. وتبعاً لذلك كان على الأنبياء أن يعترضوا على ذلك ويُعلنوا أن الطاعة أفضل من الذبيحة والإصغاء خير من شحم الكباش (1صم 15: 22). وكان عليهم أن يقولوا إن الله يريد رحمةً لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من المحرقات (هو 6: 6). كان عليهم أن يعلنوا أن الله لا يطلب من الإنسان شيئاً غير أن يصنع الحق ويحب الرحمة ويسلك متواضعاً أمامه تعالى (مي 6: 8). وقد أشار الأنبياء إلى أن قداسة الله تكمن في كماله الأدبي، في تعاليه عن نجاسة خلائقه ومناقضته لها (إش 6: 3 - 7). وعندما يدنس البشر اسم الله وعهده، يتقدس هو بالبرّ (إش 5: 16؛ حز 28: 22). وبوصفه القدوس فلابد من أن يعاقب العدو ليعرف شعبهُ أنه هو الرب (إر 50: 29؛ حز 36: 23؛ 39: 7)، لكنه سيُنجي شعبه بتطهيرهم من كلِّ إثم، وإقامته معهم عهداً جديداً، وجعلهم يسلكون في طرقه بقلب جديد (إر 31: 31 – 34؛ حز 36: 25 - 29). وهو يفعل ذلك لا لأجل الشعب، بل لأجل اسمه العظيم (إش 43: 34؛ حز 36: 22).

ومثلما أعطى الله شعبه في العهد الجديد برّاً في المسيح هكذا أعطاهم قداسة في ابن محبته. والمسيح هو قداستنا أو تقديسنا، مثلما هو حكمتنا وفداؤنا، بالطريقة عينها وبالمعنى نفسه. وعلينا أن نعرف أنه كان، أول كلِّ شيء، متمتعاً بقداسة شخصية، وإلا فما كان له أن يحرز قداسة لنا. فذاك الذي حُبِلَ به في مريم من الروح القدس ووُلد منها إنما هو القدوس وقد دُعي ابن الله (لو 1: 35). وعند معموديته فيما بعد، نـزل عليه الروح القدس بغير كيل، وكان ممتلئاً من الروح القدس (لو 3: 22؛ 4: 1). والمسكونون بالأرواح الشريرة اعترفوا به أنه قدوس الله (مر 1: 24؛ لو 4: 34). والرسل، بلسان بطرس، أقروا هذا الإقرار: يا ربّ إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك، ونحن قد آمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحيّ (يو 6: 68). وفي (أع 4: 27) (قارن 3: 14)، يتكلم الرسول نفسه عن المسيح بوصفه فتى الله القدوس (ابنه أو خادمه)، والمسيح في (رؤيا 3: 7) يدعو نفسه "القدوس الحق". فكما كان المسيح مدركاً كماله وخلوّه من الإثم،[121] كذلك يشهد رسله أيضاً بأنه لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه مكر.[122]

على أنه ينبغي لنا، فيما يتعلق بالمسيح، أن نميز بين القداسة التي كانت له بطبيعته وتلك التي أحرزها بطاعته الكاملة. فإن الحبل به بغير دنس وولادته قدوساً كان لهما، في المقام الأول، فضل أن يكون وسيطنا (التعليم المسيحي لهيدلبرج – الجواب 16)؛ ولكن كان لهما أيضاً فضل أنه - وهو وسيطنا منذ لحظة الحبل به - يستر الخطية التي فيها حُبل بنا ووُلدنا، يسترها ببراءته وقداسته الكاملة أمام وجه الله (التعليم المسيحي لهيدلبرج - الجواب 36). فالقداسة التي وُلد فيها جعلها حالاً جزءاً من القداسة التي كانت له طيلة حياته، بل حتى مماته، أن ينجزها لكنيسته. ونحن نعلم مثلاً أن الآب كان قد قدسه قبل تجسده، خاصاً إياه بدور الوسيط، ولأجل هذه الغاية بالتحديد أرسله إلى العالم (يو 10: 36). والمسيح أيضاً قدس نفسه وسلّم ذاته لمشيئة الآب قبل الحبل به في مريم والولادة منها. إذ كان تجسده إتماماً لمشيئة الآب السابقة وفعل تقديس (عب 10: 5 - 9). فلم يكن يكفي أن يكون المسيح قدوساً، بل كان عليه أيضاً أن يقدس نفسه من لحظة الحبل به حتى ساعة موته.

وبوصفه الوسيط، فقد خضع رغم كل شيء لأقسى التجارب والمحن، خصوصاً بعد قبوله المعمودية ومسحه بالروح القدس وانطلاقه في خدمته العلنية. وما التجربة التي نقرأ خبرها في الأناجيل إلا مبتدأ حياة ملؤها الجهاد؛ فلما كملت تلك التجربة، فارقه إبليس إلى حين (لو 4: 13). ولا يمكننا أن نتصور ماهية تلك التجارب، لكنه يُقال لنا صراحة إنه أشبه إخوته "في كل شيء" وجُرِّب في كل شيء مثلنا، إنما بلا خطية (عب 2: 17؛ 4: 15). فليس لنا من ضعف إلا وهو عليم به، وما من تجربة إلا ويقدر أن يعيننا عليها. ولكن بينما نتعثر نحن كل حين يبقى هو أميناً إلى النهاية. فهو قد جُرِّب في كل شيء، لكنه كان بغير خطية، وقد أطاع حتى الموت - موت الصليب (في 2: 8). وهو لم يُصلِّ طالباً أن يُعفى من الموت، بل قدّم، بصراخ شديد ودموع، طلبات وتضرعات للقادر أن ينجيه من الموت، لكي يظل على ثباته في آلامه ويحرز في موته الحياة. ولقد استجيبت له هذه الصلاة (عب 5: 7).

لكنه، مع كونه ابناً، كان لابد من أن يتعلم الطاعة مما تألم به (عب 5: 8). فقد كان مطيعاً منذ البداية، وكان راغباً في أن يكون مطيعاً، إذ كان طعامه هو أن يعمل مشيئة الآب (يو 4: 34). غير أنه، في آلامه، قبل الفرصة للبرهنة على تلك الطاعة - ففي آلامه وبواسطتها تسنى له أن يترجم رغبته في الطاعة وعزمه عليها إلى فعلٍ ملموس. وهكذا تقدس بما عاناه من الآلام (عب 2: 11؛ 5: 9) تقدّس لا بالمعنى الأدبي بل بمعنى التكميل وبلوغ الغاية المنشودة دائماً وأبداً، ومن أجل الموت كُلّل بالمجد والكرامة (عب 2: 9؛ 12: 2). وهكذا صار رائد الخلاص ومكمل الإيمان بالنسبة إلى أولاد الله (عب 2: 10؛ 12: 2). فباحتماله للصليب واستهانته بالخزي، ناظراً إلى السرور المُعدّ له بعد اتضاعه، صار منشئ الخلاص لخاصته، رائد ذلك الخلاص وصانعه، كما صار في الوقت عينه من يُوجد ذلك الإيمان فيهم ويوصله إلى غايته. إنه بتكميل نفسه في طريق الطاعة بسعيه إلى المجد عن يمين الآب عن طريق الاتضاع الأعمق، صار موجد الخلاص الأبدي لجميع الذين يطيعونه (عب 5: 9). أجل لقد قدس المسيح نفسه، فقدم نفسه ذبيحة حتى الموت، في سبيل أن يُقدَّس تلاميذه في الحق (يو 17: 19). وهكذا أُعطي لنا من الله لأجل تقديسنا (1كو 1: 30).

ولكي نفهم تقديس المسيح للمؤمنين حق الفهم، ينبغي لنا أن ندرك يقيناً أنه هو قداستنا مثلما هو برُّنا، بالمعنى عينه. فهو مخلِّصٌ كاملٌ وكافٍ، إذ لا يتمّم عمله جزئياً فحسب، بل يخلصنا فعلاً إلى التمام؛ وهو لا يرجئ عمله ريثما يوصلنا إلى نصيبنا في الحياة الأبدية والسعادة السماوية. وعليه، فبواسطة برِّه لا يعيدنا فقط إلى مقام الأبرار، الذي يقفون أمام قضاء الله أبرياء من الذنب، لكي يترك المسألة بين أيدينا فيما عدا ذلك، بحيث إننا - إذا جاز التعبير - ننطلق الآن كي نكسب الحياة الأبدية عن طريق القيام بالأعمال الصالحة ونجعل أنفسنا مشابهين للصورة التي يريدها لنا الله. كلا، بل إن المسيح يكمّل كل هذا العمل عنا. فهو قد حمل عنّا ذنب الخطية وعقابها، وهو أيضاً حفظ الشريعة عنّا وأحرز لنا الحياة الأبدية. فقد كانت طاعته طاعة "خضوع" وطاعة "عمل" في آن واحد.

وقد كانت قيامة المسيح هي البيّنة على ذلك. فبها نعلم أن الله لم يترك نفس المسيح في الهاوية (والمقصود بها طبعاً في هذا السياق لا موضع المحكوم عليهم بالعذاب، لأن نفس المسيح بعد موته كانت في الفردوس، بل القبر أو عالم الأموات الذي انضمّ إليه المسيح أيضاً مدة بقائه في حال الموت) ولم يدع قدوسه يرى فساداً، بل عرّفه سبل الحياة وملأه سروراً بمعاينة محيّاه تعالى (أع 2: 27، 28؛ 13: 35 - 37). وبحسب روح القداسة الذي كان مقيماً في المسيح، فإنه بعد قيامته من بين الأموات تبيّن وتعيّن من قبل الله أنه ابنه بقوة (رو 1: 4)، وجُعل رئيساً ومخلصاً لكي يعطي الشعب التوبة ومغفرة الخطايا (أع 5: 31) فكان رئيس الحياة الذي أحرز الحياة الأبدية ويعطيها الآن لخاصته (أع 3: 15).

غير أن هذا التقديس الذي أنجزه المسيح لكنيسته لا يبقى خارجاً عنا، بل بالأحرى نُعطى نصيباً فيه. ففي التبرير تُعلن براءتنا من الذنب والعقاب على أساس برّ خارج عنا وموجود في المسيح يسوع، وبنعمة الله يُحسب لنا ويُقبل بالإيمان من جانبنا. أما في التقديس فإن قداسة المسيح، بكل يقين، تُسكب فينا بالروح القدس. وعليه فعندما يتحدث الكاثوليك عن نعمة تُسكب فينا، لا يكون لنا اعتراض على هذا الأمر في حدّ ذاته، بل نعترض على القول بأن هذه النعمة تُحسب لنا جزءاً من البرّ الذي على أساسه تُعلن براءتنا أمام الله. فلو كان ذلك صحيحاً، لاختلط التبرير والتقديس - أي الإعفاء من الذنب والتطهير من الدنس - بعضهما ببعض، وسُلب المسيح كمال برّه المحرز، وحُرمت النفس راحتها ويقينها. على أن هنالك فعلاً نعمةً مسكوبة؛ إذ هنالك حقاً "المسيح فينا" كما أن هنالك "المسيح عنا". ويوجد شيء يسمى التجدّد حسب صورة الله، كما يوجد ما يدعى نقلاً إلى مقام الأبرار. كما أن ثمة تغييراً في حالتنا الأدبية مثلما يوجد تغيير في مقامنا أمام الله.

وفي الواقع أن هذا التقديس يجب أن يتم تحقيقه بتصميم وقوة لا يقلان عنهما فيما يتعلق بالتبرير. فلطالما اعتبر كثيرون أن غفران الخطايا هو بركة المسيح العظمى، وأنكروا تجدّد الإنسان الداخلي حسب صورة الله، أو على الأقل أهملوا هذا التجدّد وتركوا سبر أغواره. فهؤلاء يذهبون إلى أنه ما دام المرء قد تبرر وهو يعي ذلك بالإيمان فلا حاجة إلى حصول شيء أكثر من ذلك. ويقولون بأن إدراكه لمغفرة الخطايا يجعله بالفعل شخصاً مختلفاً. وبكلمة موجزة، فإن التبرير والتجديد في نظر أمثال هؤلاء ليسا إلا اسمين لمسمى واحد.

إنه لصحيح كلياً أن المسيحي الذي يؤمن إيماناً صادقاً بأن جميع خطاياه - بمحض النعمة وباستحقاقات المسيح فقط - قد غُفرت له، يصير بكل يقين شخصاً مختلفاً بوعيٍ منه. فهو يشعر بأنه معفىً من كل ذنب، وقد وجد سلاماً مع الله إذ تبرر بالإيمان، وله الثبات في الحرية التي بها حرره المسيح، وهو يستطيع أن يقول مع داود: طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته، طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطيةً (مز 32: 1، 2)! حتى إن تغييراً كهذا يمكن أن يُدعى تجديداً للوعي.

ولكن إذا استطرد المرء ليستدلّ بهذا على أن التبرير والتجديد سيّان، يكون مخطئاً ومناقضاً بالكلية لشهادة الكلمة المقدسة. فعلى الرغم من كل شيء، نعلم أن الإيمان الحقيقي الخلاصي الذي يقبل برّ المسيح ويصير واعياً لغفران الخطايا لا يصدر عن الإنسان الطبيعي إطلاقاً، بل هو من ثمار الولادة الجديدة، ولذلك فهو يفترض حدوث تغيير روحي سابق جرى بالروح القدس وما يتمتع به المؤمن من فرح وسلام في القلب من جراء تيقنه من مغفرة خطاياه، إنما هو من خصال الإنسان الروحي الذي أُقيم من موت الخطية بفضل المسيح.

أضف إلى هذا أنه لابد من التمييز بين الوضع الشرعي الذي يكون الإنسان فيه والحالة التي يجد نفسه فيها. فهذان يختلف أحدهما عن الآخر كثيراً، بحيث إن شخصاً بريئاً في بعض الأحيان قد يُتهم ويُحكم عليه وآخر مذنباً قد يبرئه القاضي. وعليه فإن وضع المرء الشرعي لا يغير حالته رغم ذلك، والعكس صحيح أيضاً. وهذا لا يصحّ في المجال الطبيعي فقط بل في الروحي أيضاً. فالخطية ليست ذنباً وحسب، بل هي دنس أيضاً. ونحن نُحرَّر من الأول بالتبرير، ومن الثاني بالتقديس. فالخلاص الكامل لا يقتصر على المعرفة والبر، بل يتعداهما إلى التقديس والتحرير. ولذلك أعطانا المسيح عطيتين مقترنتين، هما غفران الخطايا والحياة الأبدية.

ثم إن ما يحسم الأمر في هذا الموضوع هو أن الكلمة المقدسة تميز بين التبرير والتجديد بكل وضوح. فقد تضمّن وعد العهد القديم الفكرة التي مفادها أن الرب في العهد الجديد سوف يصفح عن إثم شعبه، ولكنه أيضاً تضمن الفكرة التي تفيد أنه سيعطيهم قلباً جديداً يكتب عليه شريعته.[123] وسوف يضع روحه في داخلهم، ويجعلهم يسلكون في فرائضه ويحفظون أحكامه ليعملوا بها (حز 36: 27). ولكي يتمّ المسيح ذلك الوعد لم يكتفي ببذل نفسه فديةً عن كثيرين، بل إنه بعد ارتفاعه إلى يمين الآب أرسل أيضاً الروح القدس حتى يسكن ذلك الروح في الكنيسة ويعمل فيها. وقد سبق لنا أن أشرنا إلى ما ينجزه الروح في الكنيسة: ففي الروح وبه يقدم المسيح نفسه وجميع بركاته ليتشارك فيها شعبه.

وتبعاً لذلك، فبعدما عالج الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية موضوع التبرير أولاً، يتقدم في الإصحاح السادس إلى موضوع التقديس. وكما كان فيما بعد، كذلك كان في أيام الرسل، قوم يعتقدون أن تعليم التبرير المجاني من شأنه أن يؤثر سلبياً في الحياة الأخلاقية. فقد خشي هؤلاء أن يبيح الناس لأنفسهم - إنطلاقاً من الاعتراف بهذا التعليم - ارتكاب الخطية لكي تنتج الخيرات من ذلك وتتوافر النعمة (رو 3: 8؛ 6: 1). هذه التهمة يردها بولس ويقول إنه يستحيل على الذين ماتوا بالنسبة إلى الخطية أن يعيشوا بعد فيها (رو 6: 2).

ويبرهن بولس ذلك بالإشارة إلى أن المؤمنين الذي نالوا بالإيمان غفران الخطايا والسلام مع الله قد دُفنوا أيضاً - كما تشهد معموديتهم - مع المسيح في موته وأُقيموا معه للسلوك في حياة جديدة. (رو 6: 3 - 11). فعند بولس أن المؤمنين هم دائماً أشخاص لم يكتفوا بقبول برّ الله في المسيح لمغفرة خطاياهم فقط، بل إنهم شخصياً قد ماتوا وأُقيموا بشركتهم مع المسيح، ولذلك هم أموات عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح.[124] وبعبارة أخرى، إن لموت المسيح قوة تقديسية أيضاً كما أن له قوة تبريرية (2كو 5: 13). والإيمان الذي له الختم الصحيح عليه لا يقبل المسيح باعتباره برّاً فقط بل باعتباره قداسة أيضاً، حتى أنه يستحيل في الواقع فصل هذين أحدهما عن الآخر. فلا يجوز أن ينقسم المسيح، ولا يمكن أن تُفصل هباته عن شخصه. وهو لنا في آن واحد الحكمة والبرّ والقداسة والفداء (1كو 1: 30). فهكذا صار لنا من الله، وهكذا أعطانا الله إياه.

إذاً القداسة التي علينا أن نشترك فيها تكمن لنا مُحرزةً في المسيح بالكمال والتمام. غير أن كثيرين من المسيحيين، على الأقل في حياتهم العملية، يفكرون في هذا الأمر تفكيراً مختلفاً جداً. فهم يقرّون بأنهم مبررون بالبر الذي أنجزه المسيح، لكنهم يعتقدون، أو على الأقل يتصرفون بوحي من اعتقاد كهذا، أنه ينبغي لهم أن يقدَّسوا بقداسة يجب أن يحرزوها هم أنفسهم. ولو كان هذا صحيحاً، لما كنا نعيش تحت النعمة في الحرية بل تحت عبودية الناموس، الأمر الذي يناقض الشهادة الرسولية مناقضةً صريحة.[125] على أن التقديس الإنجيلي يتميز أيضاً عن التقديس الشرعي كما أن برّ الله المُعلَن في الإنجيل يتميز أيضاً، لا في مضمونه بل في أسلوب الإفادة منه، عن البرّ الذي كان مطلوباً في الناموس. وهذه هي حقيقة الأمر: أن الله يعطينا في المسيح التقديس الكامل مع التبرير، وهو يعطينا ذلك كعطية داخلية نمتلكها بالولادة الجديدة وعمل الروح القدس التجديدي.

وعليه، فالتقديس هو عمل الله، عمل برّه ونعمته في وقت واحد. إذ إن الله يحسب المسيح وكل خيراته في حسابنا، ومن ثم يقدمه لنا بكل ملئه لنستفيد منه. فالله هو الذي يختن القلوب (تث 31: 6)، ومن ينـزع قلب الحجر ويُحلَّ محله قلب لحم (حز 11: 19)، ويسكب روحه على البشر (يؤ 2: 28)، ويجعل روحاً جديدة في داخلهم (حز 11: 19، 36: 26)، ويكتب شريعته في قلوبهم ويجعلهم يسلكون في طرقه ويتخذهم له شعباً.[126] ويوضح العهد الجديد هذا الأمر بأكثر ما يمكن من القوة حيث نقرأ أن المؤمنين هم عمل الله (رائعته أو تحفته) وقد خُلقوا في المسيح يسوع (أف 2: 10) خليقةً جديدة (2كو 5: 17؛ غل 6: 15) وهم عمل الله (رو 14: 20). وهنا يُدعى المؤمنون أيضاً فلاحة الله وبناء الله، [127] ونُفادُ أن الكل هو من الله (2كو 5: 18). ولمّا دُفن المؤمنون مع المسيح وأُقيموا معه، غُسلوا أيضاً وقُدِّسوا؛[128] ويظلّون يُقدَّسون بعد أن يصيروا في النهاية مشابهين كلياً لصورة الابن.[129] فإن سلسلة الخلاص لا يمكن كسرها لأنها، من البداية إلى النهاية، عمل الله. والذين عرفهم ودعاهم وبرّرهم، فهؤلاء مجَّدهم أيضاً (رو 8: 30).

وعلى أساس عمل التقديس هذا الذي يجريه الله بروح المسيح في الكنيسة، يدعى المؤمنون "قديسين" مراراً وتكراراً في الكتاب المقدس. وكان بنو إسرائيل قد دُعوا كذلك في القديم (حز 19: 6). فقد ميزهم الرب من بين الشعوب ليكونوا له (لا 20: 26) ولكي يسلكوا في طرقه (خر 19: 5). وفي المستقبل، عندما يقيم الله عهده الجديد الوطيد، سيدعي شعبه مفديّي الرب،[130] وذلك بمزيد من الحق وبمعنىً أعمق. قدَّس رئيس الكهنة العظيم، في أيام العهد الجديد، ذاته لأجل خاصته ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق، (يو 17: 19)، يُضفي على المؤمنين لهذا في الحال أيضاً اسم المقدَّسين أو القديسين.[131] ولا يتضمن هذا الاسم أنهم، بمعنىً أدبي، خلوٌ من أية خطية وفوق كل خطية، بل بمعنى أن كنيسة العهد الجديد قد حلّت الآن محل إسرائيل القديم إذ صارت خاصة الرب،[132] كما أنها أيضاً قد تقدّست في المسيح وصارت هيكلاً للروح القدس.[133]

على أن هذا التقديس الذي أعطاه المسيح للكنيسة، والذي أُعطي لها أولاً بالروح القدس، يُلقي مسؤولية شاقة على المؤمنين. فالتقديس مع أنه عملٌ إلهي، لكنه يُقصد به أن يكون عملاً فيه ينشط المؤمنون بقوة الله. وفي العهد القديم نقرأ مرة أن الرب نفسه يقدّس شعبه،[134] ومرة أخرى أنه يجب على الشعب أن يقدسوا أنفسهم.[135] وحيناً نقرأ أن الرب يختن القلب، وآخر أن بني إسرائيل مدعوون لأن يختنوا غرلة قلوبهم (تث 30: 6؛ تث 10: 16؛ إر 4: 4). وآناً يدعى التجديد عمل الله (إر 31: 18؛ مرا 5: 21)، وآناً آخر مسؤولية الإنسان نفسه (إر 3: 12، 13؛ وآيات أخر). كذلك أيضاً في العهد الجديد يقدَّم التجديد كعطية من الله في المسيح وكعمل الروح القدس الذي يقدَّس به المؤمنون.[136] ولكن هؤلاء المؤمنين، رغم ذلك، يدعون أن يكونوا كاملين كما أن أباهم الذي في السماء هو كامل (مت 5: 48)، وأن يعملوا أعمالاً حسنة تمجد الآب الذي في السماء (مت 5: 16؛ يو 15: 8)، وأن يقدموا أعضاءهم آلات برّ للقداسة (رو 6: 19)، ويكونوا قديسين في كل سيرة وعمل (1بط 1: 15؛ 2بط 3: 11)، وينشدون القداسة ويكملوها في مخافة الرب، ويتبعون،[137] السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لا يرى أحد الرب (عب 12: 14).

ولكن القداسة الموهوبة لا تتعارض والقداسة المطلوبة على الإطلاق. بل الأصح أن يُقال إن سعي المؤمنين في العمل على تقديس ذواتهم لا يُتاح لهم إلا بواقع كون ذلك عملاً من أعمال الله ينجزه فيهم. فيقيناً أن النعمة تُصلِح حال الطبيعة بدلاً من أن تلغيها كلياً. ولما كان الإنسان، بسبب من الخطية، قد فقد الرغبة والقدرة على السير في طرق الرب، فإنه بفضل الخليقة الجديدة قد صار فيه ميلاً بل توجهاً، من حيث المبدأ على الأقل، لأن يسلك باستقامة لا في بعض وصايا الله بل فيها جميعاً. فعندما يخترق الله الأجزاء الداخلية من الكائن البشري بالعمل الفعال بالروح المجدِّد، فإنه يفتح القلب المغلق، ويليّن ما هو قاسٍ، ويختن ما هو أغلف. إنه يغرس في الإرادة إمكانيات جديدة، يحيي الإرادة الميتة ويصلح الإرادة الشريرة والإرادة التي كانت ميتة تحيا من جديد، والإرادة التي كانت شريرة تصبح صالحة، والإرادة التي لم تكن تريد الطاعة تختار طُرقه، والإرادة التي كانت عاصية تصير مطيعة. فهو يحوّل تلك الإرادة ويقويها بحيث تصير قادرة على إتيان الأعمال الصالحة كما تثمر الشجرة الجيدة ثمراً جيداً.

وتبعاً لذلك، فعندما تعبِّر الكنائس المُصلحة عن فكرها على هذا النحو في إقرار إيمانها (قوانين دورت)، فإنها تضع بذلك نفسها على أساس الكلمة المقدسة وتجد دعماً وثيقاً في القول البعيد الغور الذي قال الرسول بولس: تمموا خلاصكم (عملياً) بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تُريدوا وأن تعملوا من أجل المسرّة (الإلهية) (في 2: 12، 13)، فكما أنه التبرير يكون غفران الخطايا مُعدَّا لنا كاملاً في المسيح، ولكن لا يمكن قبوله والتمتع به من جانبنا إلا بإيمان حيٍّ وفعال، فكذلك أيضاً يقدسنا الله مستخدماً إيانا شخصياً. إنه لا يلغي شخصيتنا بل يرقيها، ولا يقتل عقلنا وإرادتنا ورغباتنا بل بالأحرى يحييها نظراً لأنها كانت ميتة ويجعلها عاملة. إنه تعالى يجعلنا حلفاءه وشركاء عمل.

ولكن تقديس المؤمنين هذا ينبغي أن يفهم على حقيقته. فلا يجوز أن يصير تقديساً شرعياً، وإنما هو تقديس كرازي - وهكذا ينبغي أن يظل. فهو لا يقوم على حقيقة كون المؤمنين ينطلقون ليقدسوا أنفسهم بقداسة أوجدوها هم بأنفسهم، أو بقداسة موجودة سابقاً لكن عليهم أن يخصصوها لذواتهم بمجهودهم وأعمالهم الصالحة. فالقداسة التي يعلنها الله في الإنجيل ليست فقط مُعدَّة بالكامل على يد المسيح، بل إنها أيضاً تتم بواسطة روحه وتُطبَّق على قلوبنا وتتحقق هناك عملياً. وما أحسن ما يقوله بولس بصدد هذا في (أفسس 2: 10)، "ونحن عمله (رائعته) مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها"! وكما أن الخليقة الأولى برزت إلى الوجود بواسطة الكلمة، هكذا الخليقة الثانية تنال وجودها بالشركة مع المسيح. فالمؤمنون قد صلبوا، ماتوا، دفنوا بالشركة مع المسيح، ومعه أيضاً أُقيموا وولدوا ثانيةً إلى حياة جديدة.

ولهذه الخليقة الجديدة غرضٌ محدد، فإن غايتها الأعمال الصالحة التي يعملها المؤمنون. فالله لا تهمه الشجرة بقدر الثمار، كما يهمه تمجيده بهذه الثمار. ولكن هذه الأعمال الصالحة لا تبرز إلى الوجود على نحوٍ مستقل وجديد بأيدي المؤمنين أنفسهم. فهي مُعدَّة لهم جميعاً، ولكل منهم شخصياُ، بحسب رأي مشيئة الله. إن هذه الأعمال قد أُنجزت وأُحرزت لهم على يد المسيح الذي ناب عنهم في تتميم برّ الناموس كلِّه، وهي عاملة فيهم بالروح القدس الذي يأخذ كل شيء من المسيح ويوزع على كل واحد بحسب مشيئة المسيح. وعلى هذا، ففي وسعنا أن نقول عن التقديس بجملته، وعن أعمال الكنيسة الصالحة كلِّها، أي عن أعمال جميع المؤمنين معاً وكل مؤمن بمفرده، إنها لا تبرز إلى الوجود أولاً على أيدي المؤمنين، ولكنها موجودة قبل ذلك بزمن طويل جداً في مسرّة الآب الصالحة، وفي عمل الابن، وفي توزيع الروح القدس. من هنا يُنحى جانباً كل افتخار من جانب الإنسان في مسألة التقديس هذه. فعلينا أن نعلم أن الله لا يصير مديناً لنا بحالٍ من الأحوال، ولذلك لا يمكن البتة أن يكون معترفاً بجميلنا، عندما نقوم بأعمال صالحة. بل إننا نحن، على النقيض من ذلك، ندين لله بالفضل فيما يتعلق بالأعمال الصالحة التي نؤديها، ومن واجبنا أن نكون شاكرين له عليها.

على ذلك تترتب أيضاً أهمية الإيمان في عمل التقديس. فنحن بالإيمان مخلَّصون، لا من حيث التبرير فقط، بل من حيث التقديس أيضاً. إذ إننا، من جهتنا، لا يمكننا أن نقبل المسيح وبركاته ونخصصها لنا إلا بالإيمان. ولو كان البر والقداسة من ثمار الناموس، لكان من واجبنا أن نحققهما كلتيهما بإتيان الأعمال الصالحة. لكنهما، في الإنجيل، عطية من الله تُمنح لنا في شخص المسيح: فإن فيه ملء النعمة والحق (يو 1: 17)، والحكمة والمعرفة (كو 2: 3)، والبرّ والقداسة (1كو 1: 30). وفيه توجد كل بركة روحية (أف 1: 3)، ويحلّ ملء اللاهوت جسدياً (كو 2: 9). هذا المسيح يعطينا ذاته بالروح القدس، ويتّحد بنا اتحاداً وثيقاً كما تتحد الكرمة بأغصانها (يو 15: 2 وما يلي)، والرأس بالجسد (ف 1: 22، 23)، والعريس بالعروس (ف 5: 32)،وكما يتحد هو، في كونه الوسيط، بالآب (يو 14: 20؛ 17: 21 - 23). والمؤمنون هم معه روحٌ واحد (1كو 6: 17) وجسدٌ واحد (أف 5: 30، 31). إن المسيح يحيا فيهم، وهم فيه (غل 2: 20). فهو الكل فيهم جميعاً (كو 3: 11).

وما دام المسيح بهذه الطريقة هو العامل في تقديسنا، فإن عمل التقديس لا يتمّ من جانبنا إذ ذاك بالإيمان. ذلك لأن التقديس - شأنه شأن سائر بركات المسيح الأخرى - مرتبط بشخص المسيح ارتباطاً لا ينفصم بحيث لا نستطيع أن نقبله بغير الشركة مع المسيح بالذات. وهذا الأمر، منظور إليه من جانبنا نحن، ولا يتم الحصول عليه والتمتع به إلا بالإيمان. ومهما يكن، فبالإيمان وحده يسكن المسيح في قلوبنا (أف 3: 17) ونحيا نحن في المسيح (غل 2: 20). بالإيمان وحده نصير أبناء الله (غل 3: 27) وننال موعد الروح (غل 3: 14)، وننال غفران الخطايا (رو 4: 6) والحياة الأبدية (يو 3: 16). وأن نحيا بالإيمان فذلك ببساطة هو الوجه الآخر للقول إن المسيح يسكن فينا (2كو 13: 5؛ غل 2: 20). وهكذا تبدو لنا حياة المسيح بجملتها حياة إيمان، كما أن قديسي الكتاب المقدس يمثَّلون أمامنا في (عبرانيين 11) بوصفهم أبطال الإيمان. ونحن أيضاً نُحرَّض على أن نحيا بالإيمان (2كو 5: 7)، وندع الإيمان يعمل بالمحبة (غل 5: 6)، ونطفئ سهام الشرير الملتهبة بترس الإيمان (أف 6: 16)، ونغلب العالم بالإيمان (1يو 5: 4). وجميع هذه التحريضات تتوافق كلياً مع تلك التي تُلقي على المؤمنين واجب عدم السلوك بحسب الجسد بل حسب الروح (رو 8: 4 وما يلي)، وخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد،[138] وقبول الرب يسوع المسيح والسلوك فيه (كو 2: 6؛ 1بط 3: 16)، ولبس الرب يسوع والقيام بكل شيء باسمه (رو 13: 14؛ كو 3: 17)، وأن نتقوى بالرب وفي شدة قوته (أف 6: 10؛ 2تي 2: 1) والنمو في معرفة ربنا ومخلّصنا (2بط 3:18). وباختصار، إن التقديس، بالمفهوم الإنجيلي، هو نشاط مستمر للإيمان وممارسة دائمة له.

ويعترض كثيرون على هذا التعليم الكتابيّ. لأنهم يعتبرونه متحيزاً وخطراً على الحياة الأخلاقية. فهم يقرّون أن الناموس لا دور له في التبرير وأن الإيمان وحده العامل الحاسم. ولكن عندما يناقشون في التقديس يذهبون إلى أن الإيمان وحده يكفي إلا أن الناموس، بكل أوامره ونواهيه، وبكل مكافآته وعقوباته، لابد أن يكون له أيضاً دوره الفعال إذا شئنا أن ننشد سيرةً مقدسة على نحوٍ مثمر وإذا طلبنا حافزاً على الأعمال الصالحة. بيد أنه، ولو صح تماماً أن الناموس يبقى قاعدة السلوك المسيحي، لا يستمد الإنجيل البتة التحريضات على الجهاد المقدس من أهوال الناموس، بل بالأحرى من الدعوة العليا التي إليها يُدعى المؤمنون في المسيح. فمطلوب منا أن نكون كاملين كما أن الآب السماوي كامل (مت 5: 48). والرب يسوع هو الكرمة وتلاميذه هم الأغصان: فالثابتون فيه يأتون ثمراً وفيراً، إذ بدونه لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً (يو 15: 5). ومع المسيح قد مات المؤمنون عن الخطية لكنهم فيه أيضاً صاروا أحياء لله (رو 6: 11). وهم ليسوا تحت الناموس بل تحت النعمة، ولذلك ينبغي ألا تسودهم الخطية (رو 6: 14). إنهم بالناموس قد ماتوا للناموس، وهم للمسيح لكي يحيوا لله (رو 7: 4؛ غل 2: 19). وليسوا في الجسد بل في الروح، ولذلك يجب أن يسلكوا بالروح (رو 8: 5). لقد تناهى الليل وتقارب النهار؛ فمن الواجب أن نخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور (رو 13: 12). وأجساد المؤمنين أعضاء للمسيح وهياكل للروح القدس، ولذا يجب أن يهربوا من خطيئة الزنا (1كو 6: 15 وما يلي). وهم قد اشتروا بثمن، ولذلك يجب أن يمجدوا الله في أجسادهم وفي أرواحهم التي هي لله (1كو 6: 20). إنهم يقومون في الحرية - الحرية التي قد حررهم المسيح بها، وفي ذلك لا شيء ينفع، غير الإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 1، 6). ومن ذلك المسيح سمعوا، ومنه تعلموا أنه ينبغي أن يخلعوا الإنسان العتيق ويلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر الحقيقي والقداسة الحقيقية (أف 4: 21 وما يلي). وكأولاد أحباء، فعليهم أن يتمثلوا بالله (أف 5: 1)، وأن يسلكوا في المحبة كما أحبهم المسيح (أف 5: 2). إنهم نور في الربّ، وتالياً يجب أن يسلكوا كأولاد نور (أف 5: 8).

وبالاختصار، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار جميع التحريضات الخلقية في العهد الجديد إذا شئنا أن نلخّص على نحوٍ وافٍ جميع المناشدات المقدمة لتشجيع المؤمنين على السلوك في سيرة مقدسة. ولكن في الآيات التي اقتبسناها ما يكفي للدلالة على أنها كلها مستمدة من الإنجيل لا من التوراة. وسواء كان الرسل يخاطبون رجالاً أونساءً، آباءً أو أولاداً، سادةً أو عبيداً، سيدات أو إماء، حكاماً أو رعايا، فإنهم في كل حال يناشدون الجميع في الرب.[139] فإن أساس الله الراسخ قد ثبت وله هذا الختم... ليتجنب الإثم كل من يسمي اسم المسيح (2تي 2: 19).

فالإيمان إذاً هو العمل العظيم الذي ينبغي للمسيحي أن يفي به في تقديسه وفقاً لمبادئ الإنجيل (يو 6: 29). ومع أن هذا الإيمان فيما يتعلق بالتقديس يتجلى بطريقة مختلفة، ويُنظر إليه من زاوية مختلفة، عما هو فيما يتعلق بالتبرير، فإنه في كلتا هاتين البركتين هو السبيل الوحيد والوافي الذي به يصير لنا نصيب في كلتيهما. فالإنجيل لا يطلب منا شيئاً إلا الإيمان، أي اتكال القلب على نعمة الله في المسيح. وذلك الإيمان لا يبررنا وحسب بل يقدسنا أيضاً ويخلصنا. وتتجلى قوة الإيمان المقدسة، بكل وضوح، في الاعتبارات التالية.

ففي المقام الأول، لابد من الإشارة إلى أن الإيمان الحقيقي العديم الرياء يحطم ثقتنا المزيفة في ذواتنا، ويطيح بكبريائنا من على عرشها، ويضع حداً لكل برّ ذاتي فينا. فإذا صرفنا النظر عن أولئك الذين لا يكلفون أنفسهم عناء التفكير بالله وبوصاياه، والذين يشربون الإثم كالماء، وإذا صرفنا النظر أيضاً عن جميع الذين يعملون الصلاح خارجياً فقط بدافع الخوف من العقاب أو الخسارة أو الخزي، يتبقى بعد أولئك الذين يجاهدون جدياً للوفاء بمطالب الناموس الأدبي بقوتهم الخاصة. إلا أنهم، بعملهم هذا، لا يستطيعون البتة أن يهتدوا إلى الموقف الصحيح الذي ينبغي إتمام مطاليبه بواسطته. فهم يقفون من الناموس إما فوقه وإما دونه، ويجعلون أنفسهم في خدمته أو يجعلونه في خدمتهم. وفي الحالة الأولى يقولون إن الخير يجب أن يُصنع لأجل النفع والفائدة الذين يتكاثران لمصلحة الفرد أو الجماعة من جراء ذلك. أما في الثانية، فإنهم يضعون الناموس الأدبي أعلى كثيراً من متناول الإنسان، ونتيجةً لذلك يجعلون بالتالي الوفاء بمطالبه أصعب كثيراً جداً إذ يُنظر إليه باعتباره أمراً كليّ الخطورة. وهكذا يتأرجح الإنسان الطبيعي بين الصدوقية والفريسية، بين الحرية والناموسية. إذ يُعييه أن يجد التوازي بين مطالب الناموس الأدبي وإرادة الإنسان. غير أن الإيمان يضع حداً لهذا التأرجح. فهو يمكننا من أن ندرك أن الناموس الأدبي أسمى منا جداً، وأنه يطلب منا طاعة غير مشروطة، وإننا بالتالي عاجزون عن تتميمه فعلاً على أية حال، وإنه لن يعطينا حياة أبدية. وفي هذا الوضع المتعارض والمتعذر إصلاحه ظاهرياً، يخضع الإيمان لنعمة الله، ويثق برحمته، ويفتخر بالبرّ الذي أتى به هو تعالى. فالمؤمن الصادق يتخلى عن كل ادعاء بكونه قادراً على العمل بمقتضى مطالب الناموس الأدبي. إنه يدع ذلك المثال الأخلاقي في مقامه الرفيع من حيث مطاليبه السامية، لكنه في الوقت عينه يتخلى عن كل أمل بأنه يستطيع يوماً، بجهده الخاص، أن يفي ذلك المثال حقه. وهكذا يضع المؤمن رجاءه في الله وحده، وهو الذي أعلن برّه في الناموس ولكن أيضاً في الإنجيل من بعده. وبالتالي، فإن مثل هذا الإيمان هو نبع فضائل عدة: فهو يُنشئ في الإنسان تواضعاً ويعزز الثقة والاتكال، وهذه السجايا جميعاً ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى الحياة الخلقية. وبذا يستمد فعل الخير من الدين أساساً راسخاً وقوةً لا تُقهر.

وتمتزج بهذه فضائل أخرى بعد. فبحسب النظام الذي أقامه الله نفسه في الكنيسة، تتقدم مواعيد الإنجيل على وصايا الناموس. إذ إنه يطمئنُنا أولاً إلى نعمته وإحسانه وغفران خطايانا وميراثنا مع القديسين، ومن ثم يهدينا سبيل شهاداته وفرائضه. فالشجرة الجيدة تأتي قبل الثمر الجيد. ونحن لا نحيا بالأعمال الصالحة بل لأجلها. ونعمل بالوصايا لا طلباً للحياة الأبدية بل نتيجةً لها، لأن هذه الحياة قد غُرست في قلوبنا بالإيمان. بحسب هذا النظام وحده تصير الحياة الخُلُقية الحقيقية ممكنة. وأيُّ من شاء أن يعكس هذا النظام وأراد أن يستمد راحته ويقينه وخلاصه من أعماله، فلن يحقق غايته البتة، وسيظلُّ عرضةً للشكوك المُمِضة، ويحيا كل أيام حياته في الخوف. إنما الله قد رسم طريقاً آخر. ففي الإنجيل، يُعطينا تعالى كل شيء مقابل لا شيء: غفران الخطايا، المصالحة، إسقاط العقاب كلياً، الخلاص، السعادة الأبدية. وهو يقول لنا أننا بواسطة الإيمان بنعمته، نستطيع أن نتكل عليه كلياً، وهو أيضاً يؤكد لنا هذا يقيناً من خلال شهادة الروح القدس. وعليه، فالإيمان - بفضل طبيعته وفي حد ذاته - يمنحنا العزاء والسلام والفرح والسعادة، وهذه بدورها سجايا لا تُقدَّر بثمن فيما يخصّ الحياة الخلقية. فهي جميعاً منابع ودوافع للسيرة المقدسة. ذلك أن تطهير الضمير من جميع الأعمال الميتة يُفضي إلى غايته القائمة في خدمة الله الحي (عب 9: 14). والذين يعزي الله قلوبهم يقويهم بالتالي في كلِّ كلامٍ وعمل صالح (2تس 2: 17). وفرح الرب هو قوة شعبه (نح 8: 10).

وفي المقام الثاني، ينبغي أن نشير إلى أن الإيمان الخلاصي الذي يركن كلياً إلى نعمة الله في المسيح يتميز بنشاطٍ مزدوج يتمثل في الإقلاع والإتباع، كما في الهدم والبناء. فهو يحمل الابن الضال على الإقلاع عن سيرته الأثيمة والرجوع إلى بيت الأب. وهو يجعلنا في شركة مع المسيح في موته وقيامته، فيصلبنا ثم يقيمنا إلى حياةٍ جديدة. فكلُّ من يؤمن بالمسيح حقاً يموت عن الخطية؛ إنه يشعر في قرارة نفسه بالأسف والأسى لأنه استنـزل بالخطية غضب الله، وبالتالي يكرهها ويهرب منها. وهو يُحدِث فاصلاً بينها وبين نفسه بحيث يمكنه أن يقول بحق: لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل (رو 7: 19). ومن الناحية الثانية، يتّبع الإيمان المسيح وبرَّه بتخصيصهما للذات؛ إنه يجعل المسيح يحلُّ في القلب فيعيش دائماً في شركة معه أوثق وأعمق. بل إنه يجعل المسيح يتصور فينا ويغير شكلنا أكثر فأكثر على حسب صورته. وبالاختصار، يقدر المؤمن أن يقول مع بولس: أستطيع كلَّ شيء في المسيح الذي يقوّيني (في 4: 13).

وفي المقام الأخير، ولا نـزيد على هذا شيئاً، نقول إن الإيمان غالباً ما يُشبَّه حسناً باليد. ولكن اليد ليست فقط العضو الذي به نتناول الشيء ونخصِّصه لأنفسنا، بل هي أيضاً الأدلة التي بها نترجم فكرنا وإرادتنا بصورة عملية. وعليه فإن الإيمان ليس عضواً متلقياً وحسب، بل هو قوة فعالة أيضاً. والإيمان الذي يبرِّر ويخلِّص ليس إيماناً ميتاً، بل هو إيمانٌ حيّ. وهو، بطبيعته الخاصة، يُنتج ثمر الأعمال الصالحة، عاملاً بالمحبة (غل 5: 6). فالإنسان لا يبرَّر بالمحبة، بل إن الإيمان الذي يبرره يبين قوته الفعالة بالمحبة. وبغير المحبة لا يكون الإيمان من النوع الخلاصي الحقيقي (1كو 13: 1)، كما أن عمل المحبة مقترن دائماً بالإيمان الحق (1تس 1: 3)، لأن غاية الوصية (أو غاية الكرازة الرسولية كلها بالأحرى) إنما هي المحبة من قلبٍ طاهر وضميرٍ صالح وإيمانٍ عديم الرياء (1تي 1: 5). وهذه المحبة، لكونها ثمر الإيمان، هي محبة كاملة تطرد الخوف خارجاً (1يو 4: 18) كما أنها في الوقت عينه تكميلٌ للناموس.[140]

وفاقاً لذلك، لا يُبطل الإنجيل الناموس، بل يثبته ويضعه في مكانه الصحيح. صحيحٌ أنه قد وضع حدّ نهائي لحكم الناموس ولعنته، لأن المسيح وضع نفسه تحت الناموس ووفى بحكمه لعنته.[141] ومن هنا لم نعد عبيداً بل صرنا نسلك بالروح وفي الحرية.[142] وحيث روح الرب، فهناك حرية (2كو 3: 17؛ غل 5: 18). غير أن حرية الإيمان هذه لا تُبطِّل الناموس، بل بالأحرى تكمّله؛ إذ إن بر الناموس، أي ما يطلبه في وصاياه، يتم تحديداً في السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح (رو 8: 4). وبينما يجعل الجسد الناموس عديم الفاعلية لأنه لا يريد ولا يستطيع أن يخضع له (رو 8: 3، 7)، فإن روح المسيح تحديداً هو الذي يعطي البشر الحياة (2كو 3: 6) وهو الذي يعطي النور أيضاً ليختبر الإنسان ما هي مشيئة الله الصالحة المرضية.[143]

ومشيئة الله، عند المسيح ورسله، لم تزل تُعرف من العهد القديم، على الرغم من حقيقة كون الناموس - بمعناه المبين أعلاه - قد نُحِّي جانباً. فالمسيح ما جاء لينقض الناموس والأنبياء، بل ليكمّل (مت 5: 17). وهو لا يلمّح إطلاقاً بما يفيد إبطال الناموس إلا في معرض نبوءته عن سقوط المدينة وخراب الهيكل وانهيار النظام المدني والعبادة الجمهورية (مت 24؛ يو 4: 21 - 24)، لكنه نقّى الناموس فعلاً من التعاليم البشرية التي أضافتها إليه المدارس اليهودية (مت 5: 20 وما يلي). ففي تصوّره للناموس يعود من الفريسيين إلى الأنبياء، ويخترق الظاهر إلى لبّ الناموس، ويضع الجوهر في مكانة أسمى كثيراً من الصفات الخارجية (مر 7: 15)، مقدِّماً الرحمة على الذبيحة (مت 9: 13؛ 12: 7) ويقرن الناموس بالأنبياء في التنبيه على المحبة لله والقريب.[144] فالوصايا الأدبية تظلّ محتفظة بقوتها.

وجميع الرسل يقفون موقفاً واحداً من الناموس والأنبياء. فهم يعتبرون أن العهد القديم هو مرجعٌ إلهيٌّ ذو سلطان. فهو قد أُعطي من قبل الله (2تي 3: 15) وكتبه أناسٌ قديسون ساقهم الروح القدس (2بط 1: 21) وقد أُعطي لنا لتعليمنا وعزائنا.[145] ولذلك يُقتبس العهد القديم مراراً وتكراراً لإطلاع الكنيسة المسيحية على مشيئة الله. فبولس، مثلاً، يستند إلى (تكوين 3: 16) في (1كورنثوس 14: 34) للتعليم عن خضوع المرأة للرجل، وإلى (المزمور 112: 9) في (2كورنثوس 9: 9) للتحريض على إعانة المحتاجين بسخاء؛ وإلى (إرميا 9: 23) في (1كورنثوس 1: 31) للحضّ على الافتخار بالرب. وبعبارة أخرى، إن الناموس الأدبي، فيما يتعلق بمضمونه، هو هو في العهد القديم كما في العهد الجديد،ويشتمل عليه ناموس المحبة الواحد.[146] حقاً، إن المسيح يتكلم عن المحبة التي ينبغي أن يمارسها أتباعه بعضُهم نحو بعض باعتبارها وصيةً جديدة.[147] لكنه لا يعني بهذا أن الوصية بأن يحب المؤمنون بعضهم بعضاً كانت غير معروفة قط من قبل، إذ إن في (لاويين 19: 18) تعليم صريح عنه، كما أن (المزمور 133) يتحدث عن حلاوة سُكنى الإخوة معاً في شركة المحبة.

إلا أن هذه المحبة التي ينبغي أن تربط المؤمنين معاً بالتبادل، أُضيفت عليها في العهد الجديد صفة خاصة جديدة. فلأنه في أيام العهد القديم كانت الكنيسة والأمة متطابقتين، لم يكن ممكناً إذ ذاك أن يتم التمييز بوضوح بين محبة الإخوة ومحبة القريب. ولكن الحال تغيرت في العهد الجديد: فقد فُصلت الكنيسة عن تاريخ بني إسرائيل القومي وجُعلت جماعة مستقلة. وفي الروح القدس أُعطيت الكنيسة مبدأ حياتها الخاص. فالآن بدأ التمييز بين محبة الأخ ومحبة الجميع.[148] إلى هذا الحدّ يمكن أن تُدعى المحبة الأخوية وصيةً جديدة. فهي تربط المؤمنين معاً في اختلافهم عن العالم. أمام في ما عدا ذلك فإن العهدين القديم والجديد ديانةً واحدة وقانوناً أخلاقياً واحداً. صحيح أن بعض التوضيح قد طرأ، وكذلك أيضاً حصل تطويرٌ وتطبيقٌ مختلفان، ولكن لم تجرِ أية إضافة خارجية أو أية عملية تضخيم آلية. فالمسيح لم يكن مشترعاً آخر مثل موسى وأسمى منه، بل إنه بحياته وموته أكمل هو نفسه الناموس، وهو بروحه يكمِّله في جميع الذين هم تلاميذ له.

ومع أن المسيح ورسله يخصون دائماً الناموس الأدبي التابع للعهد القديم بمحبة الله والقريب، فقد نمت تدريجياً في التعليم الأخلاقي المسيحي عادة تفسير فضائل الإنسان وواجباته في ضوء الوصايا العشر. وقد كانت هذه الطريقة على نحوٍ خاص محبوبة لدى المُصلحين لأنهم رأوا أن إحدى العلامات المميزة للأعمال الصالح في كونها تُجرى بحسب مشيئة الله. وبعملهم هذا اتخذوا موقفاً مناقضاً للكنيسة الكاثوليكية التي حسبت ضمن الأعمال الصالحة أيضاً أفعالاً مؤسسة على الوصايا والفرائض البشرية (قارن التعليم المسيحي لهيدلبرج - الجواب 91).

تميز كنيسة روما بين الوصايا والنصائح، وتعتقد أن هذه النصائح قد زادها المسيح على شريعة موسى، بوصفه - له المجد - مشترعاً جديداً وأسمى. والكنيسة المسيحية في أو لعهدها لم تُقم مثل هذا التمييز، ولكن لما انقضت فترة اضطهاد الكنيسة وانضم إليها أجناس مختلفة من الناس الذين انضموا تحت لوائها طلباً فقط للمقام والاعتبار، هبط حينئذ المستوى الخُلُقي. حتى فضّل كثيرون من ذوي المواقف الجادّة أن يعتزلوا. وقد حاولت الرهبانية التي ظهرت على هذا النحو أن تلتزم المثالية الأخلاقية، إلا أنها فعلت ذلك بطريقة لا يستطيع المسيحيون العاديون أن يتقلدوها فيما هم يعيشون حياتهم بين أُسرهم وفي أشغالهم. وهكذا حدث بالتدريج فاصل بين رجال الدين أو الإكليريكيين والعامة أو العلمانيين، وعلى هذا النحو حصل فرق بين أخلاقية عليا وأخرى دنيا، وفرقٌ بين وصايا ونصائح. بعبارة أخرى، عُدَّت الوصايا، وهي المتضمنة في الكلمات العشر، مُلزِمة لجميع المسيحيين، فيما تُركت النصائح لاختيار الناس طوعاً. وسرعان ما برزت بين هذه الإضافات الفضيلة المسماة "عفة أو حالة العزوبية"، على أساس (متى 19: 11، 12) و (1كورنثوس 7: 7 وما يلي)؛ و"الفقر" أو التنازل عن جميع الممتلكات الأرضية استجابة لما جاء في (متى 19: 21) و(1كورنثوس 9: 14)؛ و"الطاعة المطلقة" للرؤساء الذين يخضع المسيحي لإرشاداتهم، استناداً إلى (متى 16: 24) و (لوقا 14: 26، 27). ولكن في الرهبانيات غالباً ما يعقب هذه النصائح أنواع شتى من التقشفات والتدريبات، وجميعها بالتجاوب مع (متى 5: 29، 39، 42). صحيح أن الكنيسة الكاثوليكية بعملها هذا تريد أن تؤكد أن مثال الكمال الخُلُقي هو بالذات لجميع المؤمنين وينبغي لهم جميعاً أن ينشدوه بالطاعة للوصايا. غير أن من يزيد النصائح على الوصايا ينهج سبيلاً أسرع وآمن إلى بلوغ تلك الغاية، كما أنه يحرز أيضاً اعتباراً أعظم وثواباً أجزل. وبينما يبقى المؤمن العادي الذي يتمم الناموس عبداً بطّالاً، لأنه إنما عمل ما طُلب منه (لو 17: 10)، لابُدَّ أن يسمع المسيحي الآخر الذي عمل بالنصائح أيضاً المديح القائل: نعمّا أيها العبد الصالح والأمين، كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير (مت 25: 21).

ومن الطبيعي جداً ألا يوافق الإصلاح على هذا التمييز. فاقتناعاً كلياً منه بعجز الطبيعة البشرية وقصورها، نادى بأن المولود ثانية أيضاً لا يستطيع أن يحفظ الناموس بكامله، وأن أفضل أعماله ما تزال ملوثة بالخطية، وأنه حتى أقدس القديسين لا يستطيعون أن ينجزوا ما يعدو كونه بداءة يسيرة من الطاعة الكاملة (التعليم المسيحي لهيدلبرج – الجوابان 62، 114). بعبارة أخرى، إن المؤمن لن يمكنه البتة أن يبلغ نقطة إتمام النصائح لمجرد أن ينبغي له أن يقوم بأكثر مما يستطيع لإتمام الوصايا وحدها. وعلى أية حال، يطلب الله في الناموس الأدبي أن نحبه بكل فكرنا وكل قوتنا وأن نحب القريب كالنفس (مت 22: 37؛ لو 10: 27). فكيف يمكن بعد أن يُضاف أيُّ شيء إلى هذه الوصية؟ ما دام الله يطلبنا بجملتنا، في كل زمان زمكان، لنكون في خدمته، فلا يتبقى أيُّ شيء يمثل خياراً يمكننا إما أن نتخذه وإما أن نرفضه ويمكننا - وفقاً لحرية اختيارنا - أن نقدِّمه له أو أن نمسكه عنه.

وبالتالي، فليس من أساسٍ للزعم بأن المسيح قد زاد أي شيء كنوع من ناموس الحرية، على الوصايا المطلوبة في ناموس موسى. فمع أنه قد تكون حالاتٌ فيها ينبغي أن يمتنع المرء عن الزواج ويتنازل عن أملاكه، ويبرح محيطه المعتاد وشغله المعهود، فلا خيار يُعرض عليه هنا فيقبله أو يرفضه. حتى إن الشاب الغني لم يتلقَّ من المسيح خياراً إما أن يقبله أو يرفضه، بل تلقى وصيةً بأن يبيع كل ما له ويوزَّع على الفقراء، كمحكٍّ لاستقامة قلبه وصدق عزمه فقد كان من شأن نوع تجاوبه يتضح هل هو مكرَّسٌ كلياً للمسيح وملكوته أو لا. إذاً، علينا أن نميز بين الناموس والواجب: فالناموس هو بذاته للجميع، غير أن الواجب هو الطريقة الخاصة التي بها ينبغي أن يُطبَّق الناموس العام من قِبَل كلِّ فردٍ بمقتضى طبيعته وظروفه.

وعلى ذلك رفض المُصلحون جميع الأعمال التي تعتمد على نيّات الإنسان أو إرشادات الكنيسة، ورجعوا إلى مشيئة الله كمعيارٍ للعمل الصالح. وقد وجدوا هذه المشيئة معبّراً عنها، بإيجاز وعلى نحوٍ جوهري، في الوصايا العشر. غير أن ناموس الوصايا العشر لا يقوم وحده بصورة مستقلة وغير محددة، بل إنه بالأحرى يوجد في وسط بيئة غنية. ومن حيث مادته التي يحتويها، كان مكتوباً في الأصل على قلب الإنسان منذ خلقه الله. وهو ما زال، بصورة جزئية، محفوظاً هنالك إذ يفعل الناس بالطبيعة ما هو في الناموس، وبذلك يُظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم (رو 2: 14، 15). فإن لكل كائن بشري وعياً بأنه في وجوده وسلوكه مُلزَم قوانين خلقية معينة، وهو يشعر أنه عندما يتعداها يشتكي عليه ضميرُه. وفيما يتعلق ببني إسرائيل، أُعيد ذلك الناموس إلى نقاوته الأصلية عن طريق إعلانٍ خاص، وجُعِل في خدمة عهد النعمة الذي كان الله - وفقاً لما جاء في استهلال الناموس بالذات - قد أقامه مع الشعب، والذي تم التعبير عنه بجملة حقوق وفرائض كان واجباً أن تتحكم في حياة الشعب بجميع نواحيها. ثم إن هذا الناموس قد جرى تفسيره وتطويره وتطبيقه على مرّ تاريخ الشعب من قبل كتبة المزامير والأمثال والأنبياء، حتى إنه كان في وسع المسيح أن يقول إن مجمل الناموس وكتب الأنبياء تتعلق بالوصيتين الداعيتين إلى محبة الله والقريب (مت 22: 40).

وعليه، فعندما يحقق المسيح إتمام مواعيد الخلاص التي في العهد القديم، لا يبطل الناموس، بل يتمّ كلَّ برِّه. وهو، بطاعته الكاملة يمهِّد السبيل - وفي الروح القدس يَهب القو - لكي يتسنى لتلاميذه بالفعل، من حيث المبدأ، أن يسلكوا بمقتضى الوصايا. وبالحقيقة، لنا أن نقول إن غاية الإنجيل بمجمله هو أن برّ الناموس يتم في الذين يسلكون ليس حسب الجسد بل حسب الروح. فالحياة الروحية الحاصلة بالولادة الجديدة توضع في الخدمة لإعادة الحياة الخُلقية إلى نصابها الصحيح. وما لوائح التحريضات المطولة التي يُنهي بها الرسل رسائلهم كقاعدة عامة، إلا تفسيرٌ وتطبيق لناموس الرب المقدس، والمقصود بها أن تعين المؤمنين على أن يعيشوا، في جميع علائقهم وأحوالهم، بمقتضى مشيئة الله وتمجيد اسمه. وناموس الوصايا العشر لا يجوز فصله عن هذا السياق الغني. بل إن هذه الكلمات العشر ينبغي بالحقيقة أن يُنظر إليها وتُفسّر في ضوء إعلان الله بكامله سواءٌ في الطبيعة أو في الكلمة المقدسة.

فإذا ما فهمنا الوصايا العشر على هذا النحو، وجدناها خلاصة موجزة للمفهوم المسيحي للأخلاق وقاعدةً لا مثيل لها للسلوك. كما أن هنالك أيضاً قوانين أخرى عديدة نحن مُلزمون بها فقد أرسى الله أيضاً القوانين اللازمة لتفكيرنا، ولتقدير ما هو جميل، ولحياتنا الاجتماعية، ولدراستنا للطبيعة واستعمالها. لقد أرسى قوانين لخلائقه جميعاً، للسماء والأرض، للشمس والقمر والنجوم، للنهار والليل، للصيف والشتاء، للزرع والحصاد.[149] غير أن الناموس الأدبي يتفوق على هذه الأحكام جميعها، لأنه - على خلافها جميعاً - يتوجه إلى إرادة الإنسان، أو بالحري إلى الإنسان نفسه باعتباره كائناً ذا إرادة، وبالتالي إلى جوهر كيانه الداخلي ولبّ شخصيته. ويضع الناموس الأدبي أمامنا المطلب القاضي بأن يُحفظ لا بالكلام والأفعال فقط كذلك أيضاً في الأفكار والرغبات، فإن الناموس روحي (رو 7: 14)، وعلينا أن نكوم كاملين كما أن أبانا الذي في السماء كامل (مت 5: 48)، وفي الوصية العاشرة يبلغ الناموس جذر الخطية إذ يتحدث عن الاشتهاء أو الحسد، ويعتبر ذلك أيضاً أمراً أثيماً وغير طاهر أمام الله.

ثم إن هذا الناموس يتحكم في جميع العلاقات التي يجد الإنسان نفسه فيها، سواءٌ نحو الله أو نحو أخيه الإنسان، وسواءٌ تجاه نفسه أو تجاه الطبيعة كلِّها. إنه يتحكم في علاقة الإنسان بالكائنات البشرية نظيره، في مختلف طبقاتهم ودرجاتهم، في حياتهم وأشغالهم وممتلكاتهم. ويتحكم أيضاً في علاقة الإنسان برجاحة عقله وسلامة قلبه. وفي ذلك كلِّه يتحكم في علاقة الإنسان بالطبيعة كلِّها من حيث هي بيئته، وبوظيفته ودعوته، وبعمله واستجمامه، وبكل ما في الطبيعة من مخلوقات حية أو جامدة. وفي لبّ كيان الإنسان الداخلي، كما فيما يخصّ هذه العلائق المتشعبة، يطلب الناموس الأدبي من الإنسان أن يقوم بكلِّ ما يفعله لمجد الله (1كو 10: 31؛ كو 3: 17).

وحالما ندرك الناموس، بمعناه الروحي العميق هذا، نروع ونيأس من الوفاء بمطاليبه. وإ، كنا لا نعرف غير البرّ الذي يطلبه الناموس منا، لا نكون في وضع يمكننا من تلبية مطاليبه ولا تكون لنا حتى الرغبة في القيام بذلك. ولكُنا آنذاك نحاول دائماً أن نسلب الناموس مضمونه الروحي ونجعله يقتصر على المظاهر كي يتناسب وحالتنا الساقطة، ولَكُنَّا نخدع أنفُسنا باعتقادنا أننا نستطيع الوفاء بمطاليبه السامية عن طريق حياة المواطنية الصالحة. ذلك أن الإنسان الطبيعي يخيفه سموّ الشأن الروحي في الناموس، أي الكمال الذي يتصف به؛ فإن الإنسان في دخيلة نفسه يقاوم البرّ والقداسة المطلقين اللذين يطلبهما الناموس. ولكن ما إن ندرك معرفة البرّ والقداسة اللذين قدمهما الله في المسيح اللذين يجعلهما ملكاً لنا بالإيمان، حتى يتغير بالكامل موقفُنا من الناموس وإدراكُنا لمغزاه المهم. حقاً، قد نشكو - مثل بولس - من أننا ما نـزال مَبيعين تحت الخطية جسدياً، ولكنا رُغم ذلك ندع الناموس قائماً في سموه الرفيع ولا نبذل أي جهد لإطاحته من على قاعدته العالية. نظلُّ نُكرمه بوصفه مقدساً وعادلاً وصالحاً لكونه ناموس الله، ونُحبُّه بالتحديد لأنه روحيٌّ بطبيعته، كما نُسرّ به بحسب الإنسان الباطن. ونحن نشكر الله لا على الإنجيل وحده. بل على ناموسه أيضاً، ناموسه المقدس والعادل والكامل. عندئذٍ يصير ذلك الناموس أيضاً في نظرنا إعلاناً لنعمة الله وعطية من عطايا هذه النعمة. كم أحببت شريعتك؛ اليوم كلَّه هي لهجي!

ومع أن المؤمنون ينالون بالولادة الجديدة في الحال رغبةً ومحبةً داخليتين، فيريدون بالتالي أن يعيشوا بحسب مشيئة الله سالكين في كل عملٍ صالح، فإنهم لا يصيرون كاملين في الحال، بل إنهم في الواقع لا يُحرزون هذا الكمال في هذه الحياة. وينبغي التمييز بين التقديس والتبرير. فالتبرير قوامه إعفاءُ إلهي مُكمَّل في الحال. صحيحُ أنه يطبَّق على الضمير مرة بعد مرة، غير أنه لا يتطور ولا يزداد. ولكن حياة التقديس، شأنها شأن حياة المخلوق كلِّها، رهنٌ بقانون التطور. فلها في التجديد نقطة الانطلاق، وهي بحاجة للغذاء كي تتقوّى، ولن تبلغ ذروتها إلا عندما تُستعلن كلياً مع المسيح.

وقد سبق أن قيل في العهد القديم عن المسيح إنه يرعى قطيعه كراعٍ ويجمع بذراعه الحُملان ويحملها في حضنه، ويقود المُرضعات (إش 40: 11). بل نقرأ عنه في موضعٍ آخر، وعلى نحوٍ أكثر وفاءً بالمُرام، أن الرب قد مسحه ليبشّر المساكين، ويعصب منكسري القلب، ويُعلن الحرية للمأسورين، ويعزّي النائحين، ويعطيهم رداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة، وجمالاً عوضاً عن الرماد، لكي يُدعوا أشجار البرّ، غرس الرب، للتمجيد (إش 61: 1 - 3؛ قارن حز 34: 16).

ومن هنا لم يتوجّه المسيح، خلال خدمته على الأرض، فقط إلى الراشدين في الشعب، بل جاء إلى الأطفال أيضاً ونسب إليهم ملكوت السماوات (مت 18: 1 - 6؛ 19: 13، 14). ولم يدعُ إلى التوبة فقط أهالي كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم أورشليم، بل أيضاً العشارين والخطاة، وقد دعا إليه جميع المتعبين والرازحين تحت الأحمال الثقيلة لكي يريحهم. ودعا وارثي الملكوت بأسماء شتىً، واصفاً إياهم بأنهم المساكين بالروح والحزانى، والجياع والعطاش، والودعاء وصانعي السلام (مت 5: 3 - 9). وميّز بين من هم أصغر ومن هم أعظم، من هم أوّلون ومن هم آخرون في الملكوت (مت 11: 11؛ 20: 16). وكما شكا من ضآلة الإيمان وبلادة الفهم لدى تلاميذه.[150] وابتهج عندما وجد عند بعض الناس إيماناً عظيماً (مت 8: 10؛ 15: 28). وفي مقابل هذه كلِّها أثبت أنه هو الراعي الصالح الذي يجمع خرافه كلها في رعية واحدة، ويعطيهم الحياة كاملةً وفياضة، ويحفظهم أجمعين ولا يسمح بهلاك أحدٍ منهم (يو 10: 1 - 30).

وتُقام بين مؤمني الكنائس الرسولية تمايزاتٌ مماثلة. فقد وُضع مؤمنو العهد القديم تحت أوصياء ووكلاء، وبذلك لم يتميزوا في شيء عن العبيد (غل 4: 1، 2). وبالمقارنة مع هؤلاء، فإن مؤمني العهد الجديد هم أبناءٌ وبناتٌ أحرار، مقبولون عند الله باعتبارهم أولاده وورثته، وثابتون في الحرية التي حررهم المسيح بها (غل 4: 4 - 7). ورُغم ذلك، فإن أصنافاً شتى من الفوارق تميّز بعضهم عن بعض. صحيحٌ أن الإيمان المُعطى لأفراد الكنيسة هو واحد في الجميع، إلا أنه مُعطى لكل واحد بحسب طبيعته وبمقدار معين (رو 12: 3)؛ والمواهب التي يوزعها الروح القدس في الكنيسة هي مواهب مختلفة (رو 12: 6 – 8؛ 1كو 12: 4 - 11)؛ والمكان الذي يحتلُّه كلُّ عضوٍ في جسد المسيح يختلف عن أماكن سائر الأعضاء كاختلاف أعضاء الجسد أحدها عن الآخر (رو 12: 4، 5؛ 1كو 12: 12 وما يلي). ولكن فضلاً عن هذا الاختلاف في الموهبة والوظيفة، يوجد بين المؤمنين أيضاً اختلافٌ بين الأقوياء والضعفاء،[151] بين الأولاد الذي ما زالوا يحتاجون إلى اللبن (1كو 3: 2؛ 5: 12) والكاملين الناضجين القادرين على هضم الطعام القوي، أولئك الذين بسبب التمرن قد صارت لهم القدرة على التمييز بين الخير والشر.[152] ثم إن في المؤمنين فرقاً بين الأحداث الذين غلبوا الشرير ولكن عليهم مع ذلك أن ينتبهوا لئلا يخسروا هذا الانتصار، والآباء الذين أحرزوا خبرة طويلة في الجهاد وأوتوا بصيرةً أكثر نفاذاً في معرفة الذي كان من البدء، أي المسيح (1يو 2: 12 - 14). إضافةً إلى هذا، قام في العصر الرسولي تمييز بين الكنائس والمؤمنين الثابتين في الإيمان، الأغنياء بالمحبة، الصابرين على الألم، والآخرين الذي سمحوا لأنفسهم بأن ينقادوا بأنواع شتى من الضلال، واستسلموا لكل نوعٍ من الخطايا. وإننا نجد أوصافاً تفصيلية لهذه الأحوال المتفاوتة في رسائل الرسل عموماً وفي رسائل المسيح إلى الكنائس السبع في آسيا الصغرى خصوصاً (رؤ 1 - 3).

من هذا كلَّه نتعلم أن الإنسان، في حياته الروحية كما في حياته الطبيعية، يولد مخلوقاً صغيراً وضعيفاً ومحتاجاً، وأنه ينبغي أن ينمو تدريجياً في نعمة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح وفي معرفته (2بط 3: 18). وإذا كانت الحياة الروحية تنمو على نحوٍ صحي وسوي، إذا تغذت بالغذاء الروحي وشربت الشراب الروحي الذي هو المسيح (يو 6: 48 وما يلي؛ 1كو 10: 3، 4)، فلابد أن يحصل نموٌ ثابتٌ في النعمة وترسّخ فيها وتجددٌ تدريجي حسب صورة المسيح.[153] إلا أن صنوفاً شتى من العوائق تعترض سبيل هذا النمو السوي. فليست حياة المسيحي نمواً هادئاً، بل هي جهاد متواصل، جهادٌ ضد أعداءٍ في الخارج لا يقلُّ عن الجهاد ضدّ العدو الساكن في داخلنا.

ولكي نفهم طبيعة هذا الجهاد حقّ الفهم، ينبغي لنا أن نلاحظ أولاً أنه في الإنسان غير المتجدّد أيضاً غالباً ما يوجد صراعٌ ما. غير أن هذا الصراع ليس جهاداً روحياً. إنه صراعٌ عقلاني: صراع بين عقل الإنسان وضميره من جهة، وإرادته وميله من جهة أخرى. فمن حيث العقل والضمير ما يزال الإنسان مقيَّداً بالناموس الأخلاقي، بعالم الأشياء غير المنظورة والأبدية. وما يزال يسمع في قرارة نفسه الأمر: عليك أن تفعل، ولحظة ما يريد أن يفعل الشر، يتدخل حسن الرأي بالمقاومة، فيحذِّره ويحاول أن ينهاه. وليس من مخلوقٍ بشريٍّ واحد يبلغ به الضلال بعداً نائياً أو غوراً سحيقاً بحيث لا يعود يختبر في كيانه شيئاً من هذا التنازع الثنائي. ومن الممكن أن يكون الإنسان ظافراً في هذا الصراع إذا توفرت الظروف المواتية. فهو يقدر أن يقهر نوازعه ورغباته بعقله، يقدر أن يكبحها ويُسكتها. وإذا فعل ذلك، صار كائناً بشرياً فاضلاً وباسلاً وعاش حياةً كريمة. غير أن هذه ليست الفضيلة الصحيحة، ولا هو التقديس المسيحي بعد. ذلك لأن الصراع في الإنسان الطبيعي هو دائماً صراعٌ بين العقل والعاطفة، الواجب والرغبة، وبين الضمير والشهوة. وليست الحرب مُعلَنةً على جميع الخطايا، بل فقط على بعضها، وفي الغالب فقط على بعض الخطايا الظاهرة والشائنة اجتماعياً. فالجهاد لا يُشهَر على الخطية بما هي خطية لأنها تجلب غضب الله، بل على خطايا معينة يستهولها أهلُ العالم ويصحبها الخزي أو الخُسران. ثم إن الكائن البشري قد يكبح جماح الشر في ظرفٍ مؤاتٍ ولا يُسلِس القياد للميل الشرير، غير أنه لا يستطيع أن يستأصل الشر ولا أن يُحدِث داخل قلبه تغييراً داخلياً.

فإن للجهاد الروحي الذي ينبغي للمؤمنين أن يواصلوه داخل أنفسهم طبيعةً مختلفة جداً. فهو ليس صراعاً بين العقل والعاطفة، بل بين الجسد والروح، بين الإنسان العتيق والإنسان الجديد، بين الخطية التي تبقى ساكنةً في المؤمنين وبذرة الحياة الروحية التي غُرست في قلوبهم.[154] وهاتان القوتان ليستا منفصلتين مكانياً، وكأن جزءاً من الإنسان (العقل مثلاً) قد تجدد، وجزءاً آخر (القلب مثلاً) لم يتجدد. بل إن هاتين القوتين، بالأحرى تنتشران في الإنسان بكامله، وتمتدان إلى جميع قدراته وقواه، بحيث إن كلاً منهما يمكن أن تُدعى إنساناً - فواحدةٌ هي الإنسان العتيق، والأخرى هي الجديد.

على هذا النحو يعبّر بولس عادةً عن التباين، ولكنه في (رومية 7) يستخدم تسميات أخرى. ففي ذلك الفصل يصوّر الإنسان الروحي الجديد باعتباره الإرادة التي تحب الصلاح وتريد أن تفعله، والإنسان الباطن الذي يُسرّ بناموس الله. أما الإنسان العتيق فيدعوه الجسد، والخطية الساكنة في الإنسان، والناموس الذي في أعضائه والذي يحارب ناموس ذهنه ويسبيه إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائه. هذا الأمر يشكّل اختلافاً في التعبير، ولكن المسألة هي نفسها. ففي ما كتبه بولس غالباً ما يكون الجسد هو الاسم المستعمل للدلالة على الطبيعة الشرير التي تظلُّ في المؤمن والتي تبقى بكل تأكيد مقيمةً في كيان الإنسان الداخلي - في نفسه وقلبه وروحه. فإن أعمال الجسد، رغم كلِّ شيء، ليست فقط زنىً وعهارة وما شابه، بل أيضاً عبادة أوثان وعداوة وخصام وغضب وما شاكل ذلك (غل 5: 19، 20). وعندما يفكر الرسول في الإنسان الباطن، لا يفكر فقط في شيءٍ ما قابع داخل الكائن البشري في الأعماق يبقى مخبأً هنالك ولا يبلغ بطريقةٍ من الطرق حدّ التعبير الظاهر، إذ إنه يفيد صراحةً أن المؤمنين يسلكون حسب الروح ويقدمون أعضاءَهم آلات برٍّ. ولكنه يدعو الإنسان الجديد باسم الإنسان الباطن في هذا السياق، لأن هذا الإنسان غالباً ما يبقى، في الصراع الرهيب ضد الجسد، منطمراً في الأعماق وقلما يُظهر ذاته.

وقوام الصراع بين القوتين هو أن روح المسيح الساكن في كلِّ مؤمن يحاول أن يوقظ في ذهنه وقلبه وإرادته كلَّ نوعٍ من الأفكار الصالحة والنيات الحسنة والميول والنـزعات الخيِّرة (كالمحبة والفرح والسلام وما إليها – غل 5: 22) وأن الجسد على النقيض يرفع صوته في وجه ذلك ويحاول أن يدنِّس الإنسان كلَّه بشهواته الرديئة ورغباته الشريرة (غل 5: 19، 20). وفي هذا الجهاد يظهر الجسد مرة بعد مرة قوياً جداً بحيث أن المؤمنين لا يفعلون - بالطريقة والمقدار الذين عزموا عليهما - ما أرادوا أن يفعلوه (غل 5: 17). فعندما يريدون أن يفعلوا الحُسنى يجدون الشر حاضراً عندهم (رو 7: 21). بالحقيقة أن الروح نشيط، وأما الجسد فضعيف (مت 26: 41).

وبعبارة أخرى، ليس الصراع قائماً بين العقل والإرادة، ولا بين الواجب والرغبة، بل هو على خلاف ذلك تماماً بين الإرادة والعمل، بين النـزعة الداخلية والفعل الخاطئ الذي يتدخل ويعترض سبيلها، بين إنسان القلب الباطن المخلوق من جديد لله في البرّ الحق والقداسة الحقيقية. والإنسان العتيق الذي وإن فقد مقام السيادة والقيادة ما يزال يريد أن يحقق ذاته، والذي يزداد ضراوةً في المحاربة بالنسبة إلى مقدار إفلات الزِّمام من يده. وهذه ليست معركةً بين قدرتين أو جزأين في الإنسان كما تكون الحال لو أن الرأس كان يشنُّها على القلب، أو العقل على العاطفة، أو النفس على الجسد. غير أن هاتين القوتين بالأحرى تقومان متحاربتين وهما مسلَّحتان، الواحدة في مواجهة الأخرى، لكسب معركة السيطرة على شخص الإنسان بجملته. ففي الإنسان الواحد بعينه تدور داخل عقله الواحد بالذات معركةٌ بين الإيمان وعدم الإيمان، بين الحق والباطل؛ ويقوم في قلبه الواحد بالذات تنازعٌ بين الميول والرغبات الطاهرة وغير الطاهرة؛ وتجري في الإرادة الواحدة في الذات مقاومةٌ بين شهوة شريرة وأخرى صالحة ومصارعةٌ بين نـزعة نجسة وأخرى مقدسة. فالجهاد هو بالحقيقة صراعٌ بين كائنين داخل المخلوق الواحد بعينه.

وبتعبيرات علم النفس، يمكننا شرح الأمر بالقول إنه في مجال الإدراك قد تمركزت مجموعتان من الأفكار إحداهما في مواجهة الأخرى، وفي مجال القلب والرغبات تتعارض مجموعتان من الأهواء. صحيحٌ أننا نتحدث عن إنسانٍ عتيق وإنسان جديد في المؤمن، وبذلك نعبّر عن حقيق واقعة مفادها أنه في الحياة الجديدة قد حصل تغيير في الإنسان بكامله من حيث المبدأ وأن قوة الخطية تظلُّ رغم ذلك كامنةً في جميع مَلَكاته وأعضائه. ولكن حقيقة الأمر هي وجود مجموعتين من الاهتمامات والأفكار والميول، وما شابه ذلك، تتحاربان فعلاً إحداهما مع الأخرى دون أن تتمكن واحدةٌ منهما من إحراز السيطرة الكاملة على أية ملكة من مَلَكات الإنسان الفرد. ولو كان حق الله قد تولى زمام السيطرة كلياً واستولى على إدراك المؤمن، لما بقي بالطبع مكان للضلال والباطل؛ ولو كانت محبة الله قد ملأت القلب كلياً، لما كان مكانٌ للعداوة والحسد والغضب وما شابه. على أن واقع الحال، كما يعلم كلُّ امرئ بالاختبار، ليس على هذا المنوال؛ ويشهد الكتاب المقدس أننا لا نستطيع أن نأمل بلوغ مثل هذه الحالة من الكمال في هذه الحياة. فسوف يستمر الجهاد إلى النهاية لأن الإيمان والرجاء والمحبة، وسائر الفضائل المسيحية، لن تكتمل في هذه الحياة، ولذلك يبقى في نفوسنا مكانٌ لعدم الإيمان والشك واليأس والخوف، وما إليها.

وعليه ففي كل فكر وعمل المؤمن، يكمن الخير والشر - كأنهما ممتزجين أحدهما بالآخر. وبالطبع يتفاوت المقدار والدرجة اللذَين بهما يحضر أيهما في أي فكرٍ أو عمل، ولكن في جميع أفعالنا وأفكارنا مع ذلك شيئاً من الإنسان العتيق وشيئاً من الإنسان الجديد. وبالتالي فإن أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا جميعاً تلوثها الخطية، وهي كلُّها بحاجة إلى المصالحة والتطهير. ورُغم ذلك، فمن الجائز أن تُدعى أعمالاً صالحة بمقدار ما تكون ممتزجة بالإيمان. لهذه الأسباب جميعاً ينبغي أن نحترس من المبدأ القائل بنبذ كلِّ ناموس، لأن هذا المبدأ الضلالي يفصل الإنسان العتيق عن الجديد ويجعلهما الواحد في مواجهة الآخر بتمييز مكاني شبيه إلى حدٍّ ما بذاك الفاصل بين الروح والمادة، وبين النفس والجسد.

ونتيجة هذا النوع من التفكير الخاطئ تأتي العقيدة الضارة القائلة بأن الأفكار والأفعال الأثيمة ينبغي أن تُقيَّد في حساب الإنسان العتيق وليس لها أية علاقة بالإنسان الجديد. والحال أن الكلمة المقدسة والاختبار كليهما يعلّمان أن المؤمن ليس مزيجاً خارجياً لكائنين، بل إنه يبقى كائناً واحداً له نفسٌ واحدة وإدراك واحد وقلبٌ واحد وإرادة واحدة وإن ما يتصارع داخل الشخص الواحد نفسه ليس كائنين منفصلين بل بالأحرى مجموعتا رغباتٍ وميول.

ومن شأن خطورة هذا الصراع أن يوحي للتوّ أنه لابد أن يمضي وقتٌ طويل قبل أن يُحرز الإنسان الجديد الغلبة. ومع ذلك يعتقد كثيرون من المسيحيين أن المؤمنين يبلغون الكمال الآن على هذه الأرض، وأنه بمقدورهم حالياً وفي هذه الدنيا أن يقهروا كل عملٍ خاطئ وميل شرير. وقد علّم البيلاجيون بهذا منذ عهدٍ بعيد. كما أن روما وقفت موقفاً مماثلاً في مجمع ترانت، وتجاريها في ذلك أكثر من جماعة من البروتستانت. فما أكثر الذين ينـزعون إلى الاستناد على حقيقة كون الكتاب المقدس كثيراً ما يستخدم كلمات مجيدة للغاية في وصف وضع المسيحي، كما جاء مثلاً في (1بطرس 2: 9، 10 و 2بطرس 1: 4 و 1يوحنا 2: 20). ويُشيرون إلى أن بولس، بعد اهتدائه، موقن تماماً بخلاصه، وهو لا يذكر ماضيه الأثيم إلا على سبيل الذكرى، وأن التحريضات الموجهة إلى القديسين كي يكونوا بلا لوم في سلوكهم هي تحريضات مُطلقة (مت 5: 8)، وأن هذه التحريضات تجعل إحراز الكمال أمراً ممكناً كحقيقة بديهية،[155] وأن نعمة الله التي يمكن أن تُنال بالصلاة قادرةُ على الإفادة في كلِّ مجال.[156] ووفقاً لذلك، يُجادل هؤلاء بأن في اعتبار الكمال الخُلقي عند المؤمن مستحيل البلوغ في هذه الحياة إساءةً إلى غنى محبة الله، ناهيك بأن من يقول بغير ذلك يحرم المؤمنين في الوقت عينه حافزاً قوياً قائماً في بذل كل طاقتهم للسعي في إثر كمالٍ كهذا.

والآن، ليس في الحقيقة أيُّ شكٍّ بأن الكتاب المقدس يتحدث عن مقام أولاد الله ووضعهم الشرعي بطريقة لافتة للنظر. فهو يشير إلى شعب العهد القديم باعتباره مملكة كهنةٍ اختارها الله من بين شعوب الأرض كلِّها خاصةً له، وغرضاً لمحبته، ونصيباً له ومفخرة، وابناً له وعبداً، وعروساً له زيّنها وكملها بالمجد الذي أضفاه عليها.[157] كذلك أيضاً يُدعى المؤمنون في العهد الجديد ملح الأرض (مت 5: 13)، ونور العالم (مت 5: 14)، وأولاد الله المولودين منه والمقبولين عنده (يو 1: 13؛ غل4: 5)، والمختارين والمدعوين والقديسين (1كو 1: 2)، وجنساً مختاراً وكهنوتاً ملوكياً (1بط 2: 9، 10)، وشركاء في الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4)، وممسوحين بالروح القدس (1يو2: 20)، وقد جعلهم المسيح نفسه ملوكاً وكهنة (رؤ 1: 5)، وورثة لله ووارثين مع المسيح (رو 8: 17). فإن ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان، قد أعدّه الله للذين يحبونه، أي أعدّه لخاصته الآن في أيام العهد الجديد (1كو 2: 9). وكل من يرفض تعليم الكتاب المقدس فيما يتعلق بالخطية والنعمة لا يمكنه إلا أن يرى في هذا كلِّه مغالاةً فادحة. وعندئذٍ لا يكون ضرورياً ولا ممكناً حصول تغيير جذري كالذي يحدث في التبرير والولادة الجديدة. غير أن الكتاب المقدس يعتبر التغيير الذي يجري للإنسان في الإيمان والتجديد انتقالاً من الظلمة إلى النور، من الموت إلى الحياة، من العبودية إلى الحرية، من الباطل إلى الحق، من الخطية إلى البرّ، من انتظار غضب الله إلى رجاء المجد. والمؤمنون الذين يلوحون أمام أنظارنا في العهد القديم والعهد الجديد، والذين يدركون هذا التحوّل الهائل، لا يسعهم إلا أن يفتخروا بإله خلاصهم ويبتهجوا بشركته. ما أبعدنا عنهم في موقفنا من فرح الإيمان هذا!

ثم إن الكلمة المقدسة تضع نُصب أعين المؤمنين أسمى المُثُل الخُلُقية. وثمة نـزعة إلى معاملة هذه الحقيقة بقسوة وخشونة. إذ يُقال إن الحياة الأخلاقية التي ينشدها العالم المسيحي متغرِّضة وبالغة الروحانية، لكونها موجهة حصراً إلى الحياة في السماء، ومعاكسة كلياً لنطاق الاهتمامات الأرضية، ومعادية للحضارة والتقدّم، ما دامت شيئاً يرمي للمساكين والمُضطهدين لقمة الحياة الأبدية فيما بعد ولكنه لا يبالي البتة بتحسين حالهم هنا على الأرض، شيئاً ربما كان غنياً بالفضائل الخاملة ومليئاً بالتوصيات المطالبة بالخضوع وطول الأناة والصبر ولكنه فقيرٌ في الفضائل العامة التي قد تُفضي إلى فتح العالم وإصلاحه. ومن هنا قام كثيرون يتطلعون، إلى تعليم أخلاقي يُرسي قواعد تكريس لخدمة الإنسانية باعتبارها الواجب الأعلى، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة على هذه الأرض.

على أن الاهتمام بالمصالح الأرضية لا يتضارب كثيراً مع الخلقية المسيحية، بحيث يمكن بالحقيقة أن يُقال إنه مؤسَّس وقائم على خَلق الإنسان بحسب صورة الله. فقد كان الإنسان، وما يزال بمعنى من المعاني، حاملاً لصورة الله، ولذلك هو مدعوّ للتسلّط على سمك البحر، وطير السماء، والبهائم، وجميع الدبابات التي تدبّ على الأرض (تك 1: 26 – 28؛ مز 8). وليس من كتابٍ مثل الكتاب المقدس يُنصِف الطبيعة كلَّها أكثر إنصاف. فالوثنية تترجح دائماً بين إساءة استخدام العالم باعتداد ومكابرة وبين خوف استعبادي وخرافي من قواها الغامضة. غير أن موسى والأنبياء، والمسيح والرسل، يقفون على أرض الحرية الكاملة في مواجهة العالم، لأنهم مرفَّعون فوقه في الشركة مع الله. ومع أنه صحيح أن الكلمة المقدسة توصينا بأن نطلب أولاً ملكوت الله، ومع أنه صحيح أيضاً أن مسيحيي تلك الفترة المبكرة، وهم الفئة القليلة، كان عليهم أن ينسحبوا من كثير من دوائر الحياة وأن يمتنعوا عن أشياء كثيرة لأنه في عالم ذلك الزمان كانت الروح الوثنية تتخلل كل شيء، فإن المسيحية - من حيث المبدأ - تضمنت في ذاتها جميع العناصر التي لم تقتصر على إعطاء الحرية لإخضاع العالم والتسلط على الأرض بل تعدّت ذلك أيضاً إلى جعل هاتين المهمتين واجب الإنسان ودعوته.

وبعد، فليس علم الأخلاق المسيحي شيئاً آخر سوى ما تلخِّصه الوصايا العشر بدقة وإيجاز، وما هو - فيما تبقّى - مكشوفٌ ومشروحٌ في سائر أجزاء الكلمة المقدسة. ففي تلك الوصايا تبرز محبة الله في المقدمة، ولكن محبة القريب هي الوصية الثانية العظمى، شأنُها شأن الأولى. هذه المحبة للقريب، إذا فُهمت على نحو صحيح، لا بمعنىً خامل كما في البوذية، بل بمعناها المسيحي العامل، تشتمل على واجب الكرازة والإصلاح والتهذيب. فبالكرازة تُتاح لجميع الشعوب والأمم الإفادة من مضمون المسيحية الديني والخلقي. وبالإصلاح يحدث التجدد التدريجي للقلب والحياة، وللأسرة والمجتمع بحسب مطاليب مشيئة الرب - ولاسيما لأن الإصلاح لا يقتصر على فترة واحدة في كنيسة المسيح، ولا على لحظةٍ واحدة في حياة المسيح، بل ينبغي أن يكون الإصلاح عاملاً مستمراً وفعالاً. وبالتهذيب يتمُّ إخضاع الأرض لسيطرة الإنسان، وتسلُّط الروح على المادة، والعقل على الطبيعة.

فإن ملكوت الله الذي يجب أن يُطلَب أولاً يأتي بجميع الخيرات الأخرى في طريقه (مت 6: 33). والتقوى نافعة لكل شيء إذ لها موعد الحياة الحاضرة والآتية (1تي 4: 8). وليس شيءٌ نجساً بذاته، لأن كل خليقة الله جيدة؛ ولا شيء يُرفض إذا أُخذ مع الشكر، لأنه يُقدَّس بكلمة الله والصلاة (رو 14: 14؛ 1تي 4: 4). فالمسيحية، ولها أساس كل حضارة في خلق الإنسان على صورة الله وإصلاحها بقيامة المسيح، تدعو المؤمنين المعترفين بها إلى التفكير في كل ما هو حقٌ وجليل وعادل وطاهر ومُسرّ وحسن الصيت، وإن كان من فضيلة أخرى ومَدْح ففي هذه أيضاً (في 4: 8).

فليس من تصرف خُلُقي أسمى ولا ديانة أرفع مما نبشر به في الإنجيل. قد يسعى المرء في إثر فلسفة أخرى، لكنه إن فعل فسريعاً ما ينحرف في متاهات مُهلكة. والزمان الذي نعيش فيه يقدم لنا أسطع دليل على هذا الواقع. فقد لقيت أخلاقيات الكتاب المقدس رفضاً، ولكن ما يحلُّ محلَّها يتضارب وأبسط مبادئ السلوك الأخلاقي القويم.

وأول شيء يحدث إذ ذاك هو استبعاد جميع الوصايا المتعلقة بمحبة الله من ساحة التعليم الأخلاقي. وعندئذٍ لا يتبقّى بعد أي اهتمام بمحبة الله، وباسمه وحقه وخدمته. فبالحقيقة، كيف يتمكن الناس من محبة الله وهم في الواقع يشكّون أو ينكرون أنه يُمكن أن يُعرَف وأن يُعلن ذاته، أو أن يكون موجوداً أيضاً؟ ولكن الذين يُنكرون لزوم وصايا اللوح الأول، بعملهم هذا، يقوِّضون دعائم وصايا اللوح الثاني - فإن لم يكن هناك إله يوجب على الإنسان أن يُحب قريبه، فأي أساس يبقى لمثل هذه المحبة؟ ومن ثم فإن أنصار التعليم الأخلاقي المستقل عن الدين ينقسمون على نحوٍ مأساوي حول المسألة التالية: أي مبدأ يكمن وراء محبة الإنسان لقريبه؟ وهكذا يحاول بعضُهم تأسيس هذه المحبة على المصلحة الشخصية، وبعضُهم على السعادة التي تجلبها، وآخرون على فضيلة العطف والشفقة، وغيرهم على الضمير؛ ولكن الثابت في محاولاتهم أجمعين هو أن الوازع الأخلاقي ينتفي عند استبعاد السلطان الإلهي الكامن وراء الواجب المُلزِم للضمير.

ونتيجةً لذلك يتورط أنصار مثل هذه الخُلُقية في صعوبات متعلقة بكلٍّ من الوصايا المخصوصة التي تبرز فيها محبة القريب وتُطلب بصورة محددة. ويُقال عموماً إن الناس، وإن اختلفوا كثيراً في الدين، يظلون مع ذلك متقاربين بعضهم مع بعض في مجال الأخلاق. ربما كان في ذلك بعض الحق، لأن الطبيعة أقوى من النظرية - وهذا أمرٌ معقول - ولأن عمل الناموس يقوم مكتوباً في قلب كلِّ إنسان. غير أن الواقع، فيما عدا ذلك يعلِّمنا أمراً مختلفاً جداً. فما من وصية واحدة في اللوح الثاني من الناموس هي بمنجى من التحدي في أيامنا. إذ إن سلطة الأب والأم وجميع القوامين علينا تلقى التحدي العلني والرفض السافر. والقتل تُنظر إليه نظرة تفقد قوتها مع مرور الزمن: ففي حال الانتحار غالباً ما يُهوِّن أمره، وفي حال الإجهاض نادراً ما يلقى الشجب. ويُعتبر الزواج عقداً يتم الارتباط به لفترة من الزمن تطول أو تقصر، كما أن للزنى من يُحامي عنه ويناصره. والملكية في تقدير كثيرين هي اسم آخر للسرقة. والحق يُجعل في خدمة المصلحة، ويُعلَّق على التطور النشوئي والارتقائي، ويميَّز من الباطل فقط في الزمان والمكان أو في الدرجة والشكل. أما الاشتهاء فيحتفل بانتصاره في روح عبادة المال الشائعة في عصرنا.

وفي مقابل هذه التزييفات الكثيرة للأخلاق السليمة، يرفع الكتاب المقدس لواء المثال الخُلُقي على نحوٍ صريح وصافٍ لا يشوبه شيء. فالكتاب لا يسيء البتة إلى قداسة الله وطهارة شريعته، بل يضع هاتين بكلِّ جلالهما أمام ضمائر البشر بوضوحٍ وجلاء. فإن ما قاله المسيح لتلاميذه "كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" يكرره جميع الرسل بكلمات أخرى في تحريضاتهم للمؤمنين. ذلك أن الخطية لا حق لها بالوجود، على الأقل لدى الذين يُسمَّون باسم المسيح. وما من شيء يجوز أن يُنقِص من مطالب الناموس الأدبي، ولاسيما عند الذين ماتوا مع المسيح وأُقيموا معه لحياةٍ جديدة. فإن كان الإنسان العتيق، في عناية الله، يموت يوماً فيوماً في المؤمن، بينما الإنسان الجديد ينمو ويتجدد باستمرار، ليبلغ الكمال في الدهر الآتي، فإنما يُشير ذلك كلُّه إلى عظمة طول أناة الله وإمهاله - هذين اللذين يُبديهما تعالى لأن المسيح يستر خطية الكنيسة ببرّه وقداسته ويضمن تكميل شعبه.

ومع أن الناموس الأدبي الذي يستمد منه المؤمنون قواعد سلوكهم لا يمكن أن تفي به إلا المحبة الكاملة لله وللقريب، فإنه من الواضح كذلك تماماً بحسب كلمة الله إن أيَّ مؤمن لم يبلغ الكمال قط، ولا يمكن أن يبلغه البتة، في هذه الحياة. فإن قديسي الكتاب المقدس كانوا جميعهم أناساً غالباً ما ضعفوا أو سقطوا، وبعضُهم - كداود وبطرس مثلاً - ارتكبوا خطايا شنيعة، إلا أنهم بعد ذلك اعترفوا بخطاياهم مُبدين أسفهم الشديد وندمهم الكلي. وأياً اخترنا منهم لنصغي إلى ما يقوله، لا نسمع أبداً التوكيد الذي يتفوه به أحياناً بعض المسيحيين: لم أعد أفعل أية خطية، وليس لي خطية بعد! بل على النقيض، فإن إبراهيم (تك 12: 12) وإسحق (تك 26: 5) ويعقوب (تك 26: 35) وموسى (عد20: 7 – 12، مز 106: 33) وداود (مز 51) وسليمان (1مل 8: 46) وإشعياء (إش 6: 5) ودانيال (دا 9: 6)، هؤلاء كلَّهم - وغيرهم مثلهم - يعترفون بآثامهم ويقرّون بخطاياهم وأخطائهم.

ويصدق القول نفسه على الرسول بولس. فقد صُلبَ مع المسيح وسلك من ثم في جِدّة الحياة. وهو يقوم أمام الله مبرَّراً وموقناً بخلاصه إلى التمام. وبمنطق البشر، كسب مجداً لأجل عمله الرسولي، وهو مدركٌ الأمانة التي بها أكمل رسالته.[158] لكنه فضلاً عن إرجاع ذلك كلِّه إلى نعمة الله،[159] يعترف بأنه لا يسكن في جسده شيءٌ صالح (رو 7: 18)، وأن الجسد يشتهي ضد الروح (غل 5: 17)، وأن الإرادة والعمل عنده في صراعٍ دائم (رو 7: 7 - 25)، وأنه يسعى لإدراك الكمال ولكنه لم يدركه بعد (في 3: 12).

ويشهد موسى والأنبياء شهادةً مماثلة عن الشعب القديم، كما يشهد مثلَها المسيح عن تلاميذه، والرسل عن الكنائس التي اؤتمنوا على رعايتها. فالرب يسوع يدعو تلاميذه إلى الكمال (مت 5: 48) ومع ذلك يعلِّمهم أن يصلوا طالبين مغفرة ذنوبهم (مت 6: 12). والمسيحيون في رومية قد أُقيموا مع المسيح للسلوك في جدّة الحياة (رو 6: 3 وما يلي)، إلا أنهم رغم ذلك يحرِّضون على تقديم أعضائهم لخدمة البر في سبيل القداسة (رو 6: 19). ومع أن الكورنثيين اغتسلوا وتقدّسوا وتبرّروا باسم الرب يسوع وبروح الله (1كو 6: 11) فقد كانوا جسديين (1كو 3: 1 - 4). والغلاطيون قبلوا الروح القدس بسماع بشارة الإيمان (غل 3: 2)، لكنهم مع ذلك سمحوا لأنفسهم بأن يسقطوا في تجربة عدم الإذعان للحق (غل 3: 1). والفيلبيون بدأ فيهم العمل الصالح لكنه لم يكن قد كُمِّل (في 1: 6). فقد كان في كلِّ ظروف وأخطاء ونقائص لا توافق الحياة المسيحية. والرسل أنفسهم مقتنعون جميعاً بأن الخطية ستظلُّ ملتصقة بالمؤمنين ما داموا على قيد الحياة. ونحن جميعاً نعثر في أشياء كثيرة (يع 3: 2). وإن قلنا إنه ليس لنا خطية، نُضِلُّ أنفسنا وليس الحق فينا (1يو 1: 8).

ولكن مع أن الكمال لا يمكن إحرازه في هذه الحياة، فإن التحريضات والمناشدات تظلُّ مع ذلك نافعةً وجدّية. طبعاً، إن القائلين بإمكانية بلوغ المؤمنين الكمال في هذه الحياة يعترضون قائلين إن التحريضات التي لا يمكن تنفيذها - أو على الأقل تنفيذها بالتمام - لابد أن تفقد قوتها وتوهن طاقة المؤمنين عاجلاً أو آجلاً. غير أن هذه الحجة باطلة. فلا ينشأ من حقيقة كون واجبٍ ما مطلوباً من الإنسان أنه قادرٌ على القيام به. فربما كان على أحدهم أن يدفع مبلغاً من المال ومع ذلك لا يكون قادراً على دفعه: وفي هذه الحال يظلُّ رغم ذلك ملزماً أن يدفع. وبهذه الطريقة عينها لا ينفكّ الناموس الأدبي يقدم مطاليبه، وإن كان البشر لا يقدرون على الوفاء بها بسبب الخطية. وعلى نقيض هذا، يُمكن الاحتجاج على نحوٍ أكثر إنصافاً بأن الشخص الذي يعلِّم بإمكانية بلوغ المؤمنين الكمال يتكشف دائماً عن تخفيض مستوى المثال الخُلُقي وتهوين أمر الخطية.

ومن المؤكد أن كلَّ من لا يقصر تفكيره في الخطية على الأفعال الأثيمة الظاهرة بل يقرن بها الأفكار الأثيمة والميول الفاسدة فبالكاد يعتقد جاداً أن المؤمنين يستطيعون التحرر كلياً من الخطية في هذه الحياة. فلا يستطيع المرء أن يقول بإمكانية بلوغ القديسين الكمال إلا إذا استهان بخطورة كون طبيعة الإنسان شريرة، واعتبر أن أفكاره الأثيمة وميوله الفاسدة ليست خطيّة، وأجحف بحق القداسة الكلية التي يتّسم بها الناموس الإلهي. وفي صيغة ممارسة العشاء الربّاني لدى الكنائس المُصلحة يُقال إننا واثقون من أن أي خطية أو ضعف يبقى فينا ضد إرادتنا لا يمكن أن يؤخرنا عن قبول الله لنا بنعمته. وقد ثار جدلٌ كثير حول المسألة: هل يمكن أو لا يمكن أن يسقط المولود ثانيةً بعدُ في تلك الخطايا التي لا تصدر عن الضعف البشري بل هي تعمُّدية بطبيعتها، وينبغي بالتالي أن تُسمى خطايا شرٍ مُدبَّر. ولكن مهما كان يبقى أمران مؤكدان: أولهما أن الذي يتصدى لمقاومة خطايا من هذا النوع في الأشخاص المولودين ثانيةً بالحق ليس هو الضمير فقط، بل الحياة الجديد أيضاً مع الفكر والإرادة، بدرجاتٍ تزيد أو تنقص. أما الأمر الثاني فهو أنه حتى خطايا الضعف التي نرتكبها رغم إرادتنا هي خطايا حقاً، وهي مناقضة لقداسة الناموس الإلهي.

أضف أن التحريضات على السيرة المقدسة، وهي أبعد كثيراً من أن تكون عديمة المنفعة والفائدة، إنما هي بالتحديد الوسيلة التي يُطبِّق علينا المسيح البرّ والقداسة الموهوبين فيه للمؤمنين والتي بها يجعلهما عامِلَين فينا. فالمسيح في الصلاة التي رفعها بوصفه رئيس الكهنة يطلب إلى الآب أن يقدِّس المؤمنين به في الحق، أي بواسطة كلمته التي هي الحق (يو 17: 17؛ قارن 15: 3). والكلمة التي أعطانا إياها الله هي بالحقيقة الأكيدة الوسيلة الرئيسية لتقديسنا: فما أعظمها من بركة فائقة الحصر، بالنسبة إلى تغذية الحياة المسيحية وتعزيزها، تلك البركة الحاصلة لا من جراء الاستماع إلى الوعظ العلني وحده بل أيضاً من جراء قراءة الكلمة ودراستها والتأمل فيها في عزلة دائرة الأسرة! إلى هذه الكلمة باعتبارها واسطة التقديس تُضاف الصلاة باسم يسوع (يو 14: 13 و 14؛ 16: 23 و 24)، وهي تخوِّل لنا القدوم إلى حضرة الجلالة الإلهية وتملأنا ثقة، بما أنه ليس في السماء ولا على الأرض من يُحبُّنا أكثر من الرب يسوع. ويُضاف أيضاً إلى هاتين الواسطتين ترنيم المزامير والتسابيح والأغاني الروحية (أف 5: 19؛ كو 3: 16)، لأن لذلك تأثيراً عميقاً في موقف القلب واستعداد الإرادة. ثم هنالك أخيراً الأسهار والأصوام،[160] وهي ممارساتٌ طالما لقيت غير إنصافٍ إهمالاً كلياً بالفعل. هذه الوسائط الفعالة في التقديس تبرهن كُلُّها أن الله لا يحتقر استخدام الوسائط في هذا المجال أيضاً.

إن الله، بطبيعة الحال، هو القدير على كل شيء، وكان يستطيع - لو أراد - أن يقدّس على نحوٍ كامل جميع أولاده عند لحظة الولادة الثانية. ولكن يبدو واضحاً أن هذه ليست مشيئته - وهو في الخليقة الجديدة لا يتنكّر لكونه الخالق. فحياة كل مخلوق إنما تبدأ بالولادة ثم تنمو ولا تصل إلى البلوغ إلا بالنمو التدريجي. ولما كانت الحياة الروحية حياةً فعلية، فإنها توجد وتتطوّر على هذا النحو عينه. فإن الله لا يحقِنُنا ببرِّ المسيح وقداسته بصورة آلية، ولا يسكبهما فينا كما يسكب المرء الماء في إناء، بل يُجري ذلك فينا بطريقة عضوية. وهكذا، فإن جانباً واحداً للحقيقة، لا يتعارض مع الجوانب الأخرى، عندما يتعرض الكتاب المقدس لهذا الموضوع، مُظهراً أن من واجب المؤمنين أن يصيروا ما هم عليه. فإن ملكوت الله هبةٌ من عنده تعالى (لو 12: 32)، لكنه مع ذلك شيء عظيم القيمة ينبغي أن نجدّ في طلبه (مت 6: 33). والمؤمنون هم أغصان الكرمة، وعليه فلا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً بمعزل عن المسيح، ومع ذلك توصيهم كلمته بأن يثبتوا فيه وفي كلامه وفي محبته (يو 15). وهم مختارون في المسيح قبل تأسيس العالم، ومع ذلك عليهم أن يجعلوا دعوتهم واختيارهم ثابتَين (أف 1: 4؛ 2بط 1: 10). إنهم مقدَّسون بذبيحة المسيح الواحدة، ولكن عليهم رغم ذلك أن يتبعوا القداسة التي بغيرها لن يرى أحدٌ الرب (عب 10: 10؛ 12: 14). وهم كاملون، لكنهم مع ذلك يحتاجون إلى تكميلٍ وتثبيت دائمين (كو 2: 10؛ 1بط 5: 10). ولقد لبسوا الإنسان الجديد، وعليهم أيضاً أن يلبسوه دائماً (أف 4: 24؛ كو 3: 10). وهم قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات، وعليهم رُغم ذلك أن يُميتوا أعضاءهم التي على الأرض (غل 5: 24؛ كو 3: 5). والله هو العامل فيهم أن يريدوا وأن يعملوا ما يوافق مسرّته الصالحة، وعليهم مع ذلك أن يتمّموا خلاصهم عملياً بخوفٍ ورعدة (في 2: 12، 13).

هذه المعطيات لا تتضارب فيما بينها. فالواحد هو في الواقع أساس الآخر وضمانه. ولأن التقديس، شأنه شأن الخلاص كلِّه، هو عمل الله، فنحن نناشد ونُلزَم أن نسلك في طاعةٍ جديدة، ونحن مؤهَّلون لذلك أيضاً. وهو تعالى يُغدق علينا نعمته الجزيلة لا لكي نصير قديسين حالاً أو فجأة ثمّ نستريح في رحاب هذه القداسة بصورة دائمة، بل لكي نحاضر في الجهاد ونحن ثابتون. إنه يسمع صلواتنا، لكنه يستجيبها وفقاً للقانون والنظام اللذين جعلهما للحياة الروحية. ومن هنا نجدنا دائماً مستبشرين، لأن الذي ابتدأ فينا عملاً صالحاً هو يكمِّل إلى يوم يسوع المسيح. فالمؤمنون قادرون على أن يصيروا قدّيسين، لأنّهم في المسيح هم قدِّيسون.

أم نتجاسر كثيراً حين نقول هذا؟ وهل يحق للمؤمنين فعلاً أن يعترفوا ليس فقط بأنهم أعضاء أحياء في كنيسة المسيح بل أيضاً بأنهم سيظلُّون هكذا إلى الأبد؟ كثيرون يعترضون على هذا. وكقاعدة عامة، فإن أنصار إمكانية بلوغ القديسين الكمال في هذه الحياة هم في الوقت عينه أنصار لإمكانية ارتداد المؤمنين وكلاهم. وفي الواقع أن هذين الموقفين متقاربان في علاقتهما الواحد بالآخر. فكلتا الثمرتين حصيلة أصلٍ واحد، وفي أساس كلتا الفكرتين يمكن الاعتقاد بأن التقديس هو من عمل الإنسان وأنه ينبغي أن يتحقق بإرادته. وخُلاصة أفكارهم أن المؤمن، بعون النعمة، إذا ما استخدم إرادته حسناً واستنفد كل طاقاته، يستطيع أن يبلغ الكمال الكلّي ولو في هذه الحياة. وعلى نقيض هذا، يرون أيضاً أنه إذا تراخى وتهاون ولم يبذل طاقته يتأخر ويتقهقر ويبدأ يُخطئ، وإذ ذاك يُخرج نفسه من حالة النعمة ويعود إلى سابق سيرته. بل إنه، في نظرهم، قد يصير من جديد فاجراً وهالكاً إلى الأبد. ثم إنّ هاتين الفكرتين يغذّيهما أيضاً خوفٌ واحد بعينه، تماماً كما أن كلتيهما تصدران عن الضلالة الواحدة بعينها، وهي تلك القائلة بأنّ التقدّيس شأنٌ متعلق بإرادة الإنسان وعمله. وذريعتهم أنّ التعليم بثبات القديسين وحفظهم إلى الأبد يجعل الحياة الأخلاقية تعاني الضرر، وجهد المؤمن واجتهاده يفتقران إلى الحافز، وأنّ من شأن الافتراض القائل "من هلك مرةً هلك إلى الأبد" أن يشجِّع على حياة الفجور.

على أننا إذا كنّا - في توكيد العقيدة المختصّة بثبات القديسين وحفظهم - نلتمس كامل قوتنا في إرادة الإنسان وقدرته، فلابد أن ينهار من تحت أقدامنا كلُّ أساس ويصير لزاماً علينا أن نشكَّ في ثبات كلِّ مؤمن وحفظه. وذلك لأن لجميع القديسين بداءاتٍ يسيرةً من الطاعة الكاملة لا غير: فإنهم جميعاً، بحسب شهادة ضمير كلٍّ منهم، ما زالوا نـزاعين إلى كلِّ شر، وهم يسقطون يومياً في زلاّت كثيرة، وفي كل حين يُخطئون فيُحرَمون النعمة الموهوبة لهم. فلو كانت القضيّة كلُّها متعلقة بهم شخصياً، لما كان مؤمن واحد يثبت إلى النهاية. وليس في وسع رافضي الاعتراف بثبات القدّيسين وحفظهم أن يتخلَّصوا من هذه الاستدلالات والاستنتاجات الحتميّة إلا بإقامة فارق بين نوعٍ من الخطايا وآخر. وما دام جميع المؤمنين يُذنبون بتعدّياتٍ شتّى للناموس الإلهي، كان ينبغي لهؤلاء المناقضين فعلاً أن يعلِّموا بأن ضعف القديسين ليس أمراً ممكناً وحسب بل إنه بالفعل حال جميع المؤمنين. وعلى نقيض هذا، عندما يعتقدون - رُغم كلِّ شيء - أن كثيرين من المؤمنين، أو حتى معظمهم، يحتفظون بهذه النعمة ويثبتون فيها، لا يسعهم أن يعتقدوا ذلك إلا بالتفريق بين خطايا مُميتة وأخرى قابلة للصفح وبالقول إن فقدان النعمة يكون من جرّاء النوع الأول لا الثاني.

غير أن في القيام بذلك إتياناً بتفريقٍ مريب للغاية إلى التعليم المختصّ بالخطيّة، لأن مختلف الخطايا لا تقوم جنباً إلى جنب في استقلالٍ غير مترابط بل إنها تنبع جميعاً من مصدر واحد نجس، وبالتالي فإنها كلَّها تؤدي إلى الموت، وجميعها تُغفر بالنعمة التي في المسيح يسوع - ما عدا التجديف على الروح القدس. وفضلاً عن هذا، من ذا الذي يستطيع أن يحدِّد لنفسه، أو أيُّ كاهنٍ يستطيع أن يحدد لأي إنسان آخر، هل الخطية المُرتكَبة في حالٍ معينة هي خطية مميتة أو عرضية كما يقولون، وهل حُرِم مرتكبها النعمة أم ما زال مقيماً فيها؟ فإن التعدّيات التي غالباً ما يعدّها البشر يسيرة وصغيرة قد تكون عظيمة في نظر الله فاحص القلوب ومُختبر الكُلى. ثمّ إن الخطايا التي يعدّها العالم العديم الرحمة حارمةً للنعمة قد يكون حكمها مختلفاً جداً لدى الله العليم بجميع الظروف والأحوال. ولا يُعقل أن تكون النتيجة إذ ذاك شيئاً غير بقاء المؤمن في خوفٍ دائم من أن يكون قد ارتكب ما يُسمّى خطيئة مميتة فحُرِم النعمة بالتالي، أو أن يستريح على أمانٍ زائف بناءً على حكم كاهِنه.

ونحن نضع حداً نهائياً لجميع هذه الشكوك والرِّيب في الحال عندما نفكّر في ثبات القديسين وحفظهم لا كإنجاز تحققه الإرادة البشرية بل كعملٍ من أعمال الله يُجريه تعالى من البداية إلى النهاية. وبكلمة أُخرى، إننا نضع حدّاً نهائياً لجميع الشكوك والمخاوف إذا اعتبرنا أن ثبات القديسين وحفظهم هما حفظٌ إلهي قبل أن يصيرا مثابرةً بشرية. وكلمة الله لا تتركنا في شكٍّ من جهة هذا كلِّه، بل تقدِّم لنا جمهرةً من البيّنات والتوكيدات في عمل الآب والابن والروح القدس فيما يتعلق بعهد النعمة وجميع خيراته.

فإن الآب اختار المؤمنين في المسيح قبل تأسيس العالم (أف 1: 4) وعيّنهم للحياة الأبدية (أع 13: 48) وحتم أن يكونوا مشابهين صورة ابنه (رو 8: 29). وهذا الاختيار غير قابل للنقض (رو 9: 11؛ عب 6: 17) وهو يأتي معه في الزمان بالدعوة والتبرير والتمجيد (رو 3: 39). والمسيح الذي تلقى جميع وعود الله فيه النَّعم والآمين (2كو 1: 20) مات لأجل الذين أعطاه الآب إياهم (يو 17: 6، 12) لكي يُعطيهم الحياة الأبدية ولا يهلك أحد منهم (يو 6: 39؛ 10: 28). والروح القدس الذي يجدّد هؤلاء يمكث معهم إلى الأبد (يو 14: 16) ويختمهم ليوم الفداء (أف 4: 30). فإن عهد النعمة وطيد ومثبّت بقسم (عب 6: 16 - 18؛ 13: 20) وغير ممكن أن يُنقَض، شأنه شأن الزواج الصحيح (أف 5: 31، 32) والوصية المُلزِمة (عب 9: 17). وبفضل ذلك العهد، يدعو الله مختاريه ويكتب شريعته في قلوبهم ويضع فيها خوفه أيضاً (عب 8: 10؛ 10: 14 وما يلي). وهو لا يدعهم يجرّبون فوق طاقتهم على الاحتمال (1كو 10: 13) ويوطِّد ويكمِّل العمل الصالح الذي ابتدأه فيهم (1كو 1: 9؛ في 1: 6)، ويحفظهم حتى المستقبل السعيد مع المسيح ليجعلهم شركاء في الميراث السماوي (1تس 5: 23؛ 1بط 1: 4، 5). وبفضل شفاعة المسيح عند الآب يبقى له المجد عاملاً لأجل مصلحتهم لكي لا يفنى إيمانهم (لو 22: 32) ويُحفظوا من الشرير في العالم (يو 17: 11، 20) ويخلصوا إلى التمام (عب 7: 25) وينالوا غفران الخطايا (1يو 2: 1) ويكونوا جميعاً معه ذات يومٍ ويروا مجده (يو 17: 24). وأخيراً، فإن بركات المسيح التي يشركهم فيها الروح القدس هي جميعاً بلا ندامة (رو 11: 29) ومترابطة على نحوٍ لا تنفصم عراه: فالمدعوُّ مُبرَّر وممجَّد (رو 8: 30)، والمقبول ولداً من أولاد الله وارثٌ للحياة الأبدية (رو 8: 17؛ غل 4: 7)، والمؤمن له حياةٌ أبدية في الحال (يو 3: 16). وتلك الحياة، إذ هي أبدية، لا يمكن أن تُفقَد: إنها حياةٌ لا يمكن أن تخطئ (1يو 3: 9) ولا يمكن أن تفنى (يو 11: 25، 26).

ولكن كما هي الحال في التقديس، يطبَّق ثبات القديسين ويتمُّ في المؤمنين بطريقةٍ تجعلهم هم أيضاً يثبتون في النعمة الموهوبة لهم من لدن الله. ذلك أن الله لا يلجأ إلى القوة والإكراه، بل يتعامل مع الإنسان بطريقة معقولة. فبالولادة الثانية يغرس في الإنسان إمكانيات جديدة ويُغيِّر الإرادة العاصية بحيث لا تعود عاصية بعد. وبتلك الطريقة الروحية عينها يظل عاملاً في المؤمنين بعد تجديدهم أول مرة. ويجب ألا يفهم خطأ أنه يجعلهم خاملين، بل بالأحرى يحفزهم ويجعلهم يسلكون في الأعمال الصالحة المعدّة لهم. وفي عمله هذا، يستخدم الكلمة وسيلةً له.

فإن الله لا ينفكّ يحثُّ المؤمنين على الصمود إلى النهاية، [161] والثبات في المسيح وفي كلامه ومحبته،[162] وعلى الصحو والسهر،[163] وعلى حفظ الإيمان والبقاء على الأمانة حتى الموت.[164] وهو يحذّرهم من تعالي القلب، وينبّه المرتدّين إلى عقابهم الشديد،[165] إلا أنه يُنيط أيضاً بالتقديس والثبات مواعيد سخيّة بالمكافأة.[166] وفي الحقيقة أن لنا في داود وبطرس مثلين على الانحراف الشديد، كما أن لنا في أشخاص مثل هيمنايس وألكسندر (1تي 1: 19، 20؛ 2تي 2: 17، 18) وسواهم (عب 6: 4 - 8؛ 2بط 2: 1) أمثلةً على الضلال والارتداد الكلّي جاءت على سبيل التحذير.

ولكن جميع هذه التحذيرات والتحريضات لا تبرهن على أن المقدّس حقاً يمكن أن يسقط لغير قيام. ففي الأمثلة المذكورة أخيراً أعلاه يصدق قول يوحنا إنهم خرجوا من الكنيسة ولكنهم لم يكونوا منها قطّ في قلوبهم (1يو 2: 19). كما نرى في داود وبطرس بكل وضوح أن الله لم يتخلَّ عنهما في سقوطهما، بل على العكس حفظهما وردّهما إلى الاعتراف بالذنب والتوبة. هذان مثلان أُعطيا لنا للتحريض، بل للتعزية أيضاً، حتى إذا كنا نحن أيضاً من جرّاء الضعف نسقط في خطيّة ما لا يدعونا داعٍ إلى الشك في نعمة الله إلى البقاء في الخطيّة، بل نتقوى إذ نذكر أن لنا مع الله عهد نعمةٍ أبدياً. وفي طريق هذا العهد يجعلنا الله نسلك بواسطة كلمته وروحه. وكلّ تعليم بإمكانية سقوط القديسين لهلاكهم يُسيء إلى أمانة الله، ويجعل الخلاص والحفظ وقفاً على الجهد البشري وبالتالي عرضةً للتغيير والشكّ، كما يُسيء أيضاً إلى وحدة الحياة الروحية ونموّها نحو الكمال. فإنسان كهذا ينبغي أن يعتقد أيضاً أن هذه الحياة يمكن أن تُنقض فعلاً مرةً بعد مرة ثم تبدأ من جديد. ولكن من يؤمن بثبات القديسين وحفظهم الأبدي ينطلق من نعمة الله ويستريح في رحابها، ويفتخر بأمانة الله، ويؤكد في الوقت عينه تماسك الحياة الروحية الأبدية. فإن هذه الحياة لا يمكن تدميرها، بالرغم من سكنى الإنسان العتيق فيه يجري، تغييراً وتذبذباً من كلّ نوع؛ إذ إن الزرع الذي غرسه الله يبقى ثابتاً في المؤمن (1يو 3: 9).

على أن يقينية الثبات والحفظ بعيدةٌ جداً عن أن تولد في المؤمنين روحَ التكبّر أو أن تُشعرهم أنهم في مأمن ولو انغمسوا في شهوات الجسد، بل إنها، على النقيض، المصدر الحقيقي للتواضع والمهابة البنوية، والتقوى الحقيقية، والصبر على كلّ تجربة، والصلوات الحارّة، والثبات وسط الألم، والاعتراف الحقّ، والابتهاج الدائم بالله. حتى إن التفكير بهذه البركة ينبغي أن يكون بمثابة حافز على الممارسة الجدّية والدائمة للإقرار بالفضل والقيام بالأعمال الصالحة، على حدّ ما يظهر من شهادات الكلمة المقدسة وقدوة القديسين (قوانين دورت، ج5، ص 12).

وإذا كنا نبتغي إنتاج هذا الثمر الثمين، ينبغي لنا أن نؤمن بثبات القديسين كما يريد لنا الله أن نؤمن به. وبعد، فهل السبب الكامن وراء إعلان الله لهذا الحق في كلمته هو أن نقبله كعقيدة ونرفع لواءه في وجه الآخرين قائلين: هذا هو التعليم الصحيح والحقّ الصريح؟ طبعاً، شاء الله هذا وقصده أيضاً في إعلانه، لأن للحقّ في حدّ ذاته قيمةً عظيمة جداً. ولكن هذا ليس هو السبب الوحيد، ولا السبب الرئيسي. فإننا إذا اعتقدنا ثبات القديسين بإيمانٍ حقّ، نكون معترفين أيضاً بأن الله ما يزال يعمل مع أولاده بهذه الطريقة. فليس حِفظ القديسين أو ثباتهم حقيقة تاريخية، إذ إنه ليس أمراً حصل في الماضي في زمانٍ ما ومكانٍ ما. وليس هو حقيقة علمية كحاصل جمعٍ لبعض الأرقام أو نتيجة الأرقام أو نتيجة ضرب بعضها ببعض. بل إن هذا الأمر هو بالأحرى حقٌّ أزلي، حقٌّ يلتزمه الله من عصر إلى عصر ومن جيل إلى آخر، وهو حقيقة نعيش فيها ونعيشها، حقيقةٌ يوجدها الله ويبقيها ثابتة في حياة أولاده جميعاً.

وبهذا المعنى، الوحيد الذي يؤمن بحفظ القديسين هو من يعرف في قرارة نفسه أنه واحد منهم ومن يعرف حقيقته بالاختبار. ومن ثم يتضح جلياً أن أي من يؤمن بثبات القديسين - بما في ذلك ثباته هو أيضاً - لا يُعقل أن يجعل هذا الاعتراف فرصة للجسد، كما أن الشخص الذي غُرِس المسيح فيه بالإيمان الحقّ لا يُعقل أن يخفق في الإتيان بثمار الإقرار بالفضل. وينتج عن هذا أيضاً شيء آخر. فما دام حفظ القديسين ثابتين عملاً من أعمال الله يجريه باستمرار في قلوب المؤمنين وحياتهم، يتكوّن بالنتيجة في إدراك هؤلاء المؤمنين يقينٌ راسخ بهذه الحقيقة ينمو مع الزمن. ولو لم يكن يوجد هذا الأمر، أي حفظ القديسين ثابتين لما كان في وسع أيّ مؤمن أن يحوز يقيناً كاملاً من جهة خلاصه، ولو لحظةً واحدة، إذ يكون حينئذ في خوف مقيم: لعله غداً أو في يوم آخر يفقد نعمة الله من جرّاء خطيئة مميتة يرتكبها. ولكن ما دام الله يحفظ خاصته ثابتين، فإن من حقّ المؤمن - بل من واجبه أيضاً - (ولا نقول "من الجائز له" وحسب) أن يتيقّن في قلبه من هذه الحقيقة يقيناً راسخاً. فلولا مثلُ هذا اليقين بالخلاص لفقد حفْظ القديسين ثابتين كامل قيمته فيما يتعلق بحياة المؤمنين العملية. فأي نفع لأولاد الله في عقيدة حفظ القديسين وثباتهم إذا كانوا لا يستطيعون البتة أن يبلغوا المعرفة اليقينية بأنهم أولاده؟ وعليه، فإن حفظ القديسين ثابتين ويقين الخلاص مترابطان على نحوٍ لا تنفصم عراه - فبغير الحقيقة الأولى لا تكون الثانية ممكنة البتّة، كما أن الثانية تجعل الأولى سنداً فعّالاً للمؤمنين وعزاءً منعشاً لقلوبهم.

وهكذا نجد أن جميع القديسين الذين يخطرون ببالنا، في العهدين القديم والجديد، كان لهم مثل هذا اليقين - ليس إبراهيم وحده (تك 15: 6؛ رو 4: 18وما يلي) ولا يعقوب فقط (تك 49: 18) ولا داود وحسب (2صم 22: 2 وما يلي؛ حب 3: 17 - 19)، بل أيضاً جميع المؤمنين الذين توصف أحوالهم في المزامير والأمثال وكتبُ الأنبياء. فهؤلاء غالباً ما يعيشون في بؤسٍ شديد إذ يطغى عليهم أعداؤهم ويلقون الاضطهاد والعذاب. ورُبّ شامتٍ يقول لهم: أين هو إلهك الآن؟ اتّكلت على الله، فلينقذك![167] وأحياناً يستولي اليأس على نفوسهم كما لو أن الله قد نسيهم وحرمهم في غضبه حقّ التمتّع بمراحمه.[168] وهم أيضاً يقرّون بعدالة أحكام الله ويعترفون بخطاياهم.[169] ومع ذلك، فإن الله هو أبوهم، وهم شعبه وغنم مرعاه.[170] ولا يمكن أن يتخلى عنهم لأجل اسمه ولأجل عهده (مز 79: 8، 9). غضبه إلى لحظة، وفي رضاه حياة (مز 30: 5). وهو لا يعاملهم حسب خطاياهم، ولا يجازيهم حسب آثامهم (مز 103: 10). كما أن الرب صخرتهم وحصنهم، مجنُّهم وملجأهم، ترسهم وقرن خلاصهم، نورهم وفرحهم، وخيرهم الوحيد الذي ليس غيره وهو لهم كل شيء (مز 18: 2؛ 73: 25 ومواضع أخرى).

واللهجة التي بها يتحدث الرسل والمؤمنون في العهد الجديد عن خلاصهم هي لغة الثقة واليقين لا يشوبها أدنى شكّ. فهم يعلمون أن الله لم يُشفق على ابنه الوحيد بل بذله لأجلهم أجمعين، وهو الآن لابد أن يهبهم كل شيءٍ مجاناً (رو 8: 32)، وأنهم مبرَّرون بالإيمان، ولهم سلامٌ مع الله، ولا أحد يستطيع أن يوجِّه إليهم أية تهمة ضدهم (رو 5: 1؛ 8: 33)، وأنهم قد وُلدوا ثانية لرجاء حيّ وقد انتقلوا من الموت إلى الحياة،[171] وأنهم قد نالوا روح التبنّي باعتبارهم أولاد الله، وهذا الروح يشهد مع أرواحهم أنهم أولاد الله (رو 8: 15، 16).

وهذه المعرفة التي عندهم لها علاقةٌ لا بالحاضر فقط، أي بما هم عليه الآن، بل إنها تمتدّ أيضاً إلى المستقبل الذي سيكون لهم. لأن الذين عرفهم الله ودعاهم وبرّرهم، فهؤلاء قد مجَّدهم أيضاً (رو 8: 30). وما داموا أولاداً، فهم أيضاً ورثة (رو 8: 17). وهم في الإيمان قد نالوا منذ الآن الحياة الأبدية ولا يمكن أن يخسروها (1يو 3: 9؛ 5: 1). وقد وُلدوا ثانية لرجاءٍ حيّ، وهم بقوة الله محروسون للخلاص العتيد (1بط 1: 3 - 5). والعمل الصالح الذي ابتدأه الله فيهم سيكمِّله إلى يوم يسوع المسيح (في 1: 6). وبالاختصار، قد خُتِموا بالروح القدس كأمان وضمان حتى يوم الوفاء بالوعد.[172]

وإذا ما ثبت المؤمنون على يقين هذا الإيمان الراسخ، يصدر منهم مزيد من القوة والتأثير. لكنهم غالباً ما يكونون أقل من واثقين بقضيتهم الخاصة، فكيف يتسنّى لهم إذاً أن يقدموا شهادة واضحة ويثيروا غير العالم بشهادتهم المقرونة بالفرح؟ وفي الكنيسة الكاثوليكية يُعتبر هذا اليقين منافياً للإيمان، حتى إنّ المؤمن لا يمكنه أن يكون موقناً كلياً بخلاصه إلا بإعلانٍ خاص، الأمر الذي هو وقفٌ على قلّة قليلة فقط. أما جميع المؤمنين الآخرين فليس لديهم أكثر من مجرّد ظن أو أملٍ أو احتمال. وفي اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية أن هذا الواقع ليس من السيئات بل من الحسنات، وذلك لكونها تُنشئ قلقاً نافعاً وتشكّل حافزاً على التقديس. من هنا أيضاً لا يعتمد المسيحي الكاثوليكي على شهادة الروح القدس في قلبه، بل على تصريح الكاهن، أي على التوكيد الذي تمنح إياه الكنيسة من جهة الخلاص. وهذا، على العموم، بمنحه ثقةً رفيعة.

على أن الإصلاح كانت له فكرة مختلفة تماماً عن التبرير والإيمان، وبالتالي عن يقينية الخلاص أيضاً. فالإيمان، في نظر روما، هو مجرد تطبيق تعاليم الكنيسة، أما التبرير فهو انسكاب النعمة الفائقة في القلب، وعمله هو أن يجهِّز الإنسان من جديد للقيام بالأعمال الصالحة كي يكسب الحياة الأبدية بالتالي. وعليه، فإن الإيمان - من حيث طبيعته بالذات - لا يمكن أن يؤتي أحداً اليقين من جهة خلاصه. وبالقدر الذي يكون به هذا اليقين ممكناً، يجب أن يتأتّى من المحبة، والأعمال الصالحة، ولذلك لا يُعقل أن يكون البتة يقيناً مطلقاً، بل ينبغي أن يظل أمنية أو رجاء على نحوٍ يزيد أو ينقص. غير أن الإصلاح رأى أن التبرير قيمةٍ ذاتيةً بالغة الأهمية، ووجد فيه استعادة لعلاقة الإنسان بالله، فكان حتمياً بالتالي أن يرى في الإيمان شيئاً يزيد ويختلف عن مجرد تصديق الحقّ. وذلك الشيء الإضافي هو الاتكال الشخصي من القلب على نعمة الله التي في المسيح يسوع.

فإن هذا الإيمان أتى باليقين في ركابه. ولكن اللوثريين والأرمينيين اعتبروا هذا اليقين متعلقاً بالحاضر فقط. ذلك أن المؤمن يستطيع أن يتأكد أنه الآن، في اللحظة الحاضرة، مؤمنٌ حقاً، ولكنه لا يستطيع أن يتأكد أنه سيظلُّ مؤمناً طول حياته وأنه سيُخلَّص فعلاً في النهاية. غير أن الكنائس المُصلحة أدخلت المستقبل أيضاً ضمن نطاق اليقين؛ وذلك هو السبب الكامن وراء كون يقين الخلاص يحتلّ مكاناً كبيراً للغاية في حياة القديسين. وفي الفترة الأولى، حين شهدت حياة الإيمان إحياءٍ ونهضة قوية، لم يكن مثل هذا البحث العمدي ضرورياً. فلقد سلك المؤمنون وتكلموا من فضلة القلب، كما هو واضح بجلاء في إقرارات الإيمان وصيغ العبادة والصلوات عندنا. ولكن لما ضعف الإيمان، جاء بعد ذلك التأمل في الإيمان والبحث عن خصائصه المميِّزة. وبدلاً من الوصول إلى اليقين، تورَّط الناس أكثر فأكثر في أحابيل الشكّ. وليس من الممكن أن يتمّ الحصول على يقينية الإيمان بأية عملية تحليل أو استدلال. فاليقين أمرٌ يصدر فقط عن الإيمان في حدّ ذاته. وعليه، فعندما يذوي الإيمان ويختبئ، يبرح اليقين أيضاً في القلب ولا يمكن إحياؤه بأية وسيلة اصطناعية.

وقد عبّرت قوانين دورت عن هذا بصورة جميلة جداً، إذ جاء فيها "إنّ المختارين يبلغون في الوقت المناسب، وإن كان بدرجات متفاوتة ومقادير مختلفة، يقين اختيارهم هذا الأبدي وغير المتغيّر، وذلك ليس بالاستقصاء المتلهّف لسرّ الله وأموره العميقة، بل بملاحظتهم داخل أنفسهم - بفرحٍ روحيّ وابتهاجٍ مقدّس - لثمار اختيارهم الحتمية المشار إليها في كلمة الله، ومنها مثلاً: الإيمان الحقيقي بالمسيح، المهابة البنوية، الحزن على الخطية بحسب مشيئة الله، الجوع والعطش إلى البرّ، إلخ..."

ذلك ما جاء في المادة 12 من مجموعة القوانين الأولى، وفي المادتين 9، 10 من المجموعة الخامسة نقرأ إلى ذلك: "فيما يتعلق بحفظ المختارين للخلاص وثباتهم في الإيمان، يستطيع المؤمنون الحقيقيون أن يحصلوا على اليقين - وهم يحصلون عليه فعلاً - بحسب مقدار إيمانهم الذي بواسطته يؤمنون إيماناً وثيقاً بأنهم أعضاء في الكنيسة حقيقيون وأحياء، وهكذا سيظلون دائماً، وبأن لهم غفران الخطايا والحياة الأبدية. على أن هذا اليقين لا ينتج من أي إعلانٍ خصوصي مناقض لكلمة الله أو مستقلّ عنها، بل ينبع من الإيمان بمواعيد الله التي أعلنها بكل وفرة في كلمته لعزائنا، ومن شهادة الروح القدس إذ يشهد مع أرواحنا أننا أولاد وورثة لله، وأخيراً من رغبة جادة ومقدسة للحفاظ على ضمير صالح والقيام بأعمال صالحة".

وعليه، فليس يقين الخلاص شيئاً يُضاف إلى حياة الإيمان من الخارج، بل هو بالأحرى شيءٌ يطلع من حياة الإيمان نفسها كثمرٍ لها. من هنا "تفاوت اليقين بحسب مقدار الإيمان". ففي هذه الحياة ينبغي للمؤمنين أن يجاهدوا ضدّ شكوك جسدية شتّى، وهم في بعض الأحيان يجربون تجارب فادحة، وبالتالي لا يشعرون دائماً بيقين خلاصهم الكامل ويقينية حفظهم وثباتهم (قارن القوانين، ج 5، ص 11).

غير أن ذلك لا يُنقص شيئاً من حقيقة كون الإيمان الخلاصي، كما يحدده الكتاب المقدس وكما استعاده الإصلاح، ليس هو اليقين في جوهر طبيعته، ومن أن هذا اليقين يزداد قوةً بالنسبة إلى مدى ازدياد قوة الإيمان. وإيمان كهذا ليس نقيضاً للمعرفة، بل هو نقيض لكل شكّ مهما كان. فالشك لا يصدر عن الإنسان الجديد بل عن العتيق، فهو لا يأتي من الروح بل من الجسد. إن الإيمان يقول "نعم وآمين" لكل وعود الله، ويصدّق هذه الوعود، ويستند عليها. وإذ يقوم الإيمان بذلك، وبمقدار ما يقوم به، تصبح ثقةُ الالتجاء المنوطة بالإيمان ثقةً وطيدة، وتؤتي المؤمن حقّ اتخاذ مواعيد الله هذه لنفسه والإفادة منها. وإذا بالثقة الناشئة تصير ثقةً راسخة بأنه ليس للآخرين فقط بل لي أنا أيضاً قد أُعطي من لدن الله غفران الخطايا والبرّ والخلاص الأبديان، وذلك بمحض النعمة ولأجل استحقاقات المسيح فقط.

وهذه الثقة تمتدّ أيضاً إلى المستقبل، لا بمقتضى التحليل أو التعليل العقلي بل بالنظر إلى طبيعتها وكينونتها الذاتيتين. فما أغرب الإيمان القائل: أنا الآن ولدٌ من أولاد الله، ولكن لست أدري هل سأظلّ هكذا في المستقبل! ولكن إذا كان الإيمان حقيقياً قوياً، فمن الطبيعي أن يبتهج قائلاً: الرب راعيّ، فلا يعوزني شيء. إذا سرت في وادي ظلّ الموت لا أخاف شرّاً، لأنك أنت معي؛ عصاك وعكازك هما يعزيانني. والإيمان يبتهج ويشهد على هذا النحو لا لأنه يتكل على ذاته بل لأنه يثق بوعود الله. ومن تلك المواعيد: سأكون إلهك الآن وإلى الأبد؛ محبةً أبدية أحببتك، فلن أخذلك ولن أتركك البتّة. وبكلمات أخرى، إن الإيمان الذي لا يؤتينا اليقين في الحاضر والمستقبل يسيء إلى صدق مواعيد الله وأمانته في محبته.

إلى هذه النقطة، ينبغي أن تُضاف نقطةٌ ثانية، ألا وهي شهادة الروح القدس. ذلك أن الروح القدس هو الشاهد العظيم والقدير للمسيح، إذ يشهد للمسيح في قلوبنا، ويأتي بنا إلى حدّ الإيمان باسمه، ويجعلنا نعرف الأشياء التي أعطانا الله إياها في المسيح.[173] ولكن روح المسيح هذا يجعلنا في الوقت عينه نعرف أنفسنا، لا في مذنوبيتنا ونجاستنا فقط، بل أيضاً في شركتنا مع المسيح ونصيبنا فيه. فبعد أن يكون قد أقنعنا فيما يتعلق بالخطيّة والبرّ والدينونة، وقد ولَّد فينا الإيمان - بوصفه روح الإيمان (2كو 4: 13) - يواصل عمله بإعطائنا اليقين من جهة الإيمان. وإذ ذاك يصير هو لنا روح التبنّي (غل 4: 6)، روحاً يناسب أولاد الله ويسكن فيهم (رو 8: 15)، روحاً يجعلنا نعلم أننا أولاد الله.

ويفعل الروح القدس ذلك بطرق شتى. إنه يفعل ذلك إذ يشهد مع أرواحنا أننا أولاد الله (رو 8: 16) ويدفعنا بكل قوة إلى الاعتراف بفرح: أبّا، أيها الآب (رو 8: 15) ويؤكد لنا أن لنا سلاماً مع الله، ويسكب محبة الله في قلوبنا (رو 5: 1، 5) ويحيي فينا حياةً جديدة، ويقودنا بالتدريج في حياتنا المسيحية، ويملأ نفوسنا بفرحٍ لم نعرفه قبلاً؛[174] وهو يقوم بهذا كله - ناهيك بسائر الأشياء التي يعملها - لكي يختمنا ليوم الفداء.

والفعل "ختم"، بالإشارة إلى الأشخاص أو الأشياء (كالرسائل وما شابه)، يعني أحياناً وضعها بعيداً عن متناول أي شخص آخر وحفظها من أيِّ ضرر.[175] كما أن هذا الفعل يستعمل أحياناً لإثبات مصداقية أشخاص أو شهود معينين أو لتوكيد وضعهم.[176] فبهذا المعنى الأخير خُتِم المؤمنون بالروح القدس كعربون لبلوغهم يوم الفداء.[177] فالروح القدس الذي أُعطي للمؤمنين، والذي غرس فيهم الإيمان ويتعهده كل حين، ويشهد لهم، ويرشدهم، وهلمّ جرّا، هو الذي يختم خلاصهم. في هذا كله ومن خلاله يُثبِت أنه الضمان والأمان للمؤمنين كي يُحفظوا إلى يوم الفداء ويرثوا السعادة السماوية. فإن ذلك الروح لن يتركهم أبداً، بل يمكث معهم إلى الأبد (يو 14: 16). وكلُّ من له الروح فهو للمسيح، أي أنه من خاصته (رو 8: 19)، وهو محفوظ به إلى الأبد (يو 17: 24). فالمسيح في السماء والروح القدس على الأرض هما الضمان اليقيني لخلاص المختارين، وعلى هذا قد وُضِع الختم في قلوب المؤمنين.

وهذان الطريقان اللذان بهما يتأتّى للمؤمنين يقين الخلاص ليسا في الواقع طريقين منفصلين، ولا متوازيين، بل هما طريق واحد منظور إليه من نقطتين مختلفتين. فرغم كل شيء، لا يعمل الروح القدس ويشهد ويختم المؤمنين إلى جانب الإيمان أو خارجه، بل يقوم بهذه الأمور دائماً عبر وسيلة الإيمان. وليس الإيمان إيماناً ميتاً، بل هو إيمان حيّ، وهو يُظهر جوهره ويبرهن قوته بالأعمال الصالحة.

من هنا نستطيع التحدّث عن الأعمال الصالحة باعتبارها مرافقة للإيمان بمواعيد الله وشهادة الروح القدس. هذه الأعمال تستحقّ الذكر، أخيراً، كوسيلة بها يؤكد الله للمؤمنين تبنّيه لهم كأولاد في المسيح (التعليم المسيحي لهيدلبرج - السؤال 68؛ قوانين دورت، ج5، ص 10). ولكن ينبغي لنا أن نلاحظ أننا في سعينا إلى اليقين لا نستطيع أن نبدأ بهذه الأعمال الصالحة، وأن الإيمان لا يمكن أن يستند إليها أو يتوطّد عليها البتة، وأننا أيضاً لا نستطيع القيام بها ونحن نتوخّى إحراز يقين الخلاص بواسطتها. ذلك لأن جميع الأعمال الصالحة ناقصة، وكمالها يزيد أو ينقص نسبةً إلى مدى صدورها عن إيمان أقوى أو أضعف. ولكن بمقدار ما تصدر عن إيمان حقيقي، يمكن أن تؤدي دور التعزيز ليقين الخلاص. فكما أن الإيمان يُثبت ذاته ويتبرهن بالأعمال الصالحة، كذلك أيضاً تؤيد هذه الأعمال الإيمان وتقوّيه. وإذ يرى الناس نتيجةً لهذا أعمالنا الحسنة، يمجِّدون إذ ذاك أبانا الذي في السماء.

[117]- لا 10: 10؛ 1صم 21: 5؛ حز 22: 6.

[118]- خر 19: 6؛ 29: 43؛ لا 11: 45 وما يلي؛ 19: 2.

[119]- إش 5: 16؛ 6: 3؛ 29: 23؛ 30: 11، 12. قارن حز 37: 28؛ 39: 7؛ حب 1: 12؛ 3: 3.

[120]- خر 19: 6؛ 29: 43 – 46؛ لا 11: 44؛ 19: 2.

[121]- مت 12: 50؛ يو 4: 34؛ 8: 46.

[122]- 2كو 5: 21؛ عب 4: 15؛ 7: 26؛ 1بط 1: 19؛ 2: 22؛ 3: 18؛ 1يو 2: 1؛ 3: 5.

[123]- إر 31: 33، 34؛ حز 36: 25، 26.

[124]- غل 2: 20؛ 3: 27؛ كو 2: 12.

[125]- رو 6: 14؛ غل 4: 31؛ 5: 1، 13.

[126]- إر 31: 33؛ 32: 38؛ حز 36: 27، 28.

[127]- 1كو 3: 9؛ أف 2: 20؛ كو 2: 7؛ 1بط 2: 5.

[128]- 1كو 1: 2؛ 6: 11؛ تي 3: 5.

[129]- يو 17: 17؛ 2كو 3: 18؛ 1تس 5: 23؛ أف 5: 26؛ تي 2: 14؛ عب 13: 20، 21.

[130]- إش 62: 12؛ يؤ 3: 17؛ عو 17؛ زك 8: 3؛ 14: 20.

[131]- أع 9: 13، 32، 41؛ 26: 10؛ رو 1: 7؛ 1كو 1: 2، مواضع أخرى.

[132]- 2كو 6: 16؛ غل 6: 16؛ 1بط 2: 5.

[133]- يو 17: 19؛ 1كو 1: 30؛ 3: 16؛ 6: 11، 19.

[134]- خر 31: 13؛ لا 20: 8؛ 21: 8.

[135]- لا 11: 44؛ 20: 7؛ عد 11: 18.

[136]يو 17: 17- 19؛ 1كو 1: 2؛ 1تس 5: 23.

[137]- 2كو 7: 1؛ 1تس 3: 13؛ 4: 3.

[138]- أف 4: 22 – 24؛ كو 3: 10؛ رو 6: 4 وما يلي.

[139]- أف 5: 22 وما يلي؛ 6: 1 وما يلي؛ كو 3: 18 وما يلي؛ 1بط 2: 13، 3: 1 وما يليهما.

[140]- مت 22: 37 – 40؛ رو 13: 8 – 10؛ غل 5: 14؛ يع 2: 8.

[141]- مت 3: 15؛ غل 3: 13؛ 4: 4.

[142]- رو 7: 1 – 6؛ غل 4: 5، 26 وما يلي؛ 5: 1.

[143]- رو 12: 2؛ أف 5: 10؛ في 1: 10.

[144]- مر 12: 28 – 34؛ قارن مت 7: 12.

[145]- رو 15: 4؛ 1كو 10: 11؛ 2تي 3: 15؛ 1بط 1: 12.

[146]- رو 13: 8 – 10؛ غل 5: 14؛ يع 2: 8.

[147]- يو 3: 34؛ قارن 15: 12؛ 1تس 4: 9؛ 1بط 4: 8؛ 1يو 3: 23؛ 4: 21؛ 2يو 5.

[148]- غل 6: 10؛ 1تس 3: 12؛ 2بط 1: 7.

[149]- تك 8: 22؛ إر 31: 35؛ 33: 25.

[150]- مت 6: 30؛ 8: 26؛ 14: 31؛ 16: 8؛ لو 24: 25.

[151]- رو 14: 1 وما يلي؛ 15: 1؛ 1كو 8: 7 وما يلي؛ 9: 22؛ 10: 25.

[152]- 1كو 2: 6؛ 3: 2؛ 14: 20؛ في 3: 15؛ عب 5: 14.

[153]- رو 12: 2؛ 2كو 3: 18؛ 4: 16؛ أف 3: 16؛ 1بط 5: 10.

[154]- رو 6: 6؛ 7: 14 – 26؛ 8: 4 – 9؛ غل 5: 17 – 26؛ أف 4: 22 – 24؛ كو 3: 9، 10.

[155]- في 2: 5؛ 1تس 2: 10؛ 3: 13.

[156]- يو14: 13، 14؛ أف 3: 20؛ 2كو 12: 10؛ فل 13.

[157]- خر 19: 5، 6؛ 29: 43؛ تث 7: 6 وما يلي؛ 32: 6 وما يلي؛ إش 41: 8 وما يلي؛ حز 16: 14.

[158]- رو 5: 17 وما يلي؛ 1كو 4: 3؛ 9: 15؛ 15: 31؛ 2كو 1: 12؛ 6: 3 وما يلي؛ 11: 5 وما يلي؛ في 2: 16 وما يلي؛ 3: 4 وما يلي؛ 1تس 2: 10 وما يلي.

[159]- 1كو 15: 10؛ 2كو 12: 9؛ في 4: 3.

[160]- مت 17: 21؛ 26: 41؛ أف 6: 18.

[161]- مت 10: 22؛ 24: 13؛ رو 2: 7، 8.

[162]- يو 15: 1 – 10؛ 1يو 2: 6، 24، 27؛ 3: 6، 24؛ 4: 12 إلخ.

[163]- مت 24: 42؛ 25: 13؛ 1تس 5: 6؛ 1بط 5: 8.

[164]- كو1: 23؛ عب 2: 1؛ 3: 14؛ 6: 11؛ رؤ 2: 10، 26.

[165]- يو 15: 2؛ رو 11: 20 – 22؛ عب 4: 1؛ 6: 4 – 8؛ 10: 26 – 31؛ 2بط 2: 18 – 22.

[166]- مت 5: 12؛ 6: 4؛ 10: 22؛ 16: 27؛ 24: 13؛ 25: 21 وما يلي؛ رو 2: 7؛ رؤ 2: 7؛ 22: 12 ومواضع أخرى.

[167]- مز 22: 9؛ 42: 4؛ 71: 11.

[168]- مز 10: 1، 11 وما يلي؛ 13: 2؛ 28: 1؛ 44: 10 وما يلي؛ 77: 8 وما يلي؛ وآيات أخر.

[169]- مز 51: 5؛ نح 9: 33؛ دا 9: 14؛ وآيات أخر.

[170]- مز 95: 7؛ 100: 3؛ إش 63: 16؛ 64: 8.

[171]- 1بط 1: 3؛ يع 1: 18؛ 1يو 3: 14.

[172]- رو 6: 23؛ 2كو 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 13؛ 4: 30.

[173]- يو 15: 26؛ 16: 13 – 15؛ 1كو 12: 3؛ 2كو 4: 3 – 6؛ ومواضع أخرى.

[174]- رو 8: 10، 11؛ 14: 17؛ 15: 13.

[175]- تث 32: 34؛ نش 4: 12؛ إش 8: 16؛ 29: 11؛ دا 6: 17؛ 12: 4؛ حز 9: 1 -  6؛ مت 27: 66؛ رؤ 5: 5، 6؛ 7: 1 – 4؛ 20: 3؛ 22: 10.

[176]- أس 3: 12؛ 8: 8؛ 1مل 21: 8؛ نح 9: 38؛ إر 32: 10؛ يو 3: 13؛ 6: 27؛ رو 4: 11؛ 1كو 9: 2.

[177]- رو 8: 32؛ 2كو 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 13؛ 4: 30.

أضف تعليق


قرأت لك

وردة بين الأشواك

هكذا كل من ولد من الروح يشبه وردة نضرة رائعة راسخة في سواقي الله الملآنة ماء، وجميلة من الداخل والخارج، فمن خلالها يشع نور المسيح المميز ومنها تخرج رائحة العطر، الممزوجة بقوّة

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة