عقائد

الفصل الثالث: وظائف المسيح الرسمية الثلاث

القسم: المسيح في الوحي الإلهي.

ثانياً: المسيح الكاهن

إن وظيفة المسيح الكهنوتية كانت بدورها أيضاً ضمن الخواص المميزة للمسيّا الذي تنبأت عنه أسفار العهد القديم، فقد قيل عنه: "أنت كاهن إلى الأبد" (مزمور 110: 4). كما قالت النبوة إنه: "يبني هيكل الرب ويحمل الجلال ويجلس ويتسلّط على كرسيه ويكون كاهناً على كرسيه" (نبوة زكريا 6: 13). أما الوصف الكامل لمركزه وخدمته الكهنوتية فقد ورد قبل مجيئه إلى عالم البشر بنحو سبعمائة سنة وذلك على لسان النبي أشعياء في الفصل الثالث والخمسين من نبوته الذي يعتبر من أجمل سجلات الوحي الإلهي.

إن وظيفة الكهنوت في الكتاب المقدس يمكن اعتبارها الوظيفة الموازية لوظيفة النبوّة. فبينما يقوم النبي بنقل رسالة من الله إلى البشر أو بالتكلم للبشر بالنيابة، فإن الكاهن هو الشخص الذي يقوم بتمثيل البشر أمام الله، وذلك إما بتقديم ذبائحهم لله بالنيابة عنهم وإما بنقل صلواتهم وطلباتهم إلى الله. إن ذلك بالطبع يعود لفقدان البشر المقدرة على الوقوف أمام الله بأنفسهم بسبب فسادهم وخطيتهم. لأجل هذا السبب رتّب الله لوجود تلك الفصيلة من بني البشر الذين أهّلهم وأعدّهم للقيام بتلك المهمة الكهنوتية. فالشخص العادي لم يكن بوسعه الاقتراب من قدس الأقداس داخل الهيكل حيث تقدم الذبائح والصلوات الشفاعية الخاصة. فالإنسان في حالته الساقطة مفصول أخلاقياً وروحياً عن الله وهو ذو طبيعة مغايرة لطبيعة الله الطاهرة، لذلك ليس باستطاعة الإنسان القدوم إلى محضر الله بنفسه. أما الكهنة الذين أقامهم الله عبر أجيال حقبة العهد القديم فقد أُعطوا الحق في تمثيل بني البشر أمام المحضر الإلهي، فكان الكاهن يأخذ على نفسه مهمة إعادة تلك العلاقة الطبيعية التي كانت بين الله وبني البشر إلى ما كانت عليه قبل السقوط ولو بشكل جزئي ومؤقت. فالكاهن تقع عليه مسؤولية الاعتراف العلني بخطية وعصيان من يمثّلهم أمام الله، كما أنه يقوم بتقديم الذبائح الرمزية التي تعبّر عن الرغبة في التوبة عن حالة التمرّد تلك والتكفير عنها. إذاً تقع على عاتق الكاهن مهمتين: تمثيل بني البشر والتشفّع فيهم أمام الله. في العهد الجديد نرى بأن كهنة العهد القديم لم تكن مهمتهم رغم عظمتها وفعاليتها وجديّتها سوى مهمة رمزية، ترمز إلى الكاهن الأعظم الذي سعى هؤلاء الكهنة للتشبّه به. إن المسيح هو المرموز إليه في الذبائح والصلوات التي قاموا بتقديمها. لعل أوضح ما ورد في الوحي الإلهي عن هذا الأمر هو في المضمون الكلي للرسالة إلى العبرانيين التي أكدت تفوّق مركز المسيح الكهنوتي وألوهيته وتفوّق مركزه النبوي على كافة الأنبياء. فبينما أشارت كتب العهد الجديد الأخرى إلى عمل المسيح الكهنوتي (راجع مرقس 10: 45، يوحنا 1: 29، رومية 3: 24و25، كورنثوس الأولى 5: 7، غلاطية 1: 4، أفسس 5: 2، رسالة يوحنا الأولى 2: 2، رسالة بطرس الأولى 2: 24و3: 18)، فإن دور الرسالة إلى العبرانيين الخاص هو في شرح ذلك العمل وتوضيح أهميته. كما أنها لا تدع مجالاً للشك في أحقيّة المسيح للقبه الكهنوتي المجيد. في الرسالة إلى العبرانيين دعي المسيح "رئيس كهنة الله" (3: 1) و"رئيس كهنة عظيم" (4: 14) و"كاهن إلى الأبد" (5: 6) و"رئيس كهنة إلى الأبد" (6: 20) و"رئيس كهنة.... قدّوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (7: 26) و"رئيس كهنة... قد جلس في يمين عرش العظمة في السموات، خادماً للأقداس والمسكن الحقيقي الذي نصبه الرب، لا إنسان" (8: 1و2).

ومثلما تميّز يسوع كنبي من بين جميع الأنبياء تميّز أيضاً عن جميع الكهنة. هذا ما نراه في جانبي خدمته الكهنوتية بوضوح: أي في عمله الكفاري كفادي البشر والبديل الحقيقي عنهم أمام الله، وفي عمل وساطته وخدمته الشفاعية كالممثل الأوحد لكنيسته المفتدية أمام الله.

بالنسبة إلى عمل المسيح الكفاري يطرح الوحي الإلهي أمامنا حقيقة راسخة لا نزاع عليها، وهو أنه هو وحده الذي كان مؤهلاً حقيقةً لأن يكون فادي البشر الذي باستطاعته معالجة معضلة سقوطهم وخطيتهم. ذبائح العهد القديم الكفارية ما كانت سوى رموز يتذكر بها بني البشر خطيتهم ويتطلعون إلى قدوم ذلك المخلّص الذي يذبح قانونياً بالنيابة عنهم. "لأن أولئك بدون قسم صاروا كهنة كثيرين من أجل منعهم بالموت عن البقاء. وأما هذا فمن أجل أنه يبقى إلى الأبد له كهنوت لا يزول. فمن ثم يقدر أن يخلّص أيضاً إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم. لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدّوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات. الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لأنه فعل هذا مرّة واحدة إذ قدّم نفسه. فإن الناموس (أي الشريعة) يقيم أناساً بهم ضعف رؤساء كهنة. وأما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابناً مكملاً إلى الأبد" (الرسالة إلى العبرانيين 7: 21-28). إذاً ذبيحة المسيح تختلف عن ذبائح الآخرين من عدة جوانب، أولاً هي ذبيحة حقيقية. فالذبائح السابقة لم تكن لها سوى فائدة واحدة وهي أنها كانت ترمز إليه "لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا.... تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية". (عبرانيين 10: 4-11). أما يسوع فكان إنساناً طاهراً، ولا يحل محل الإنسان سوى إنسان، "لذلك عند دخوله إلى العالم يقول ذبيحة وقرباناً لم ترد ولكن هيأت لي جسداً" (عبرانيين 10: 5). ثانياً إن ذبيحة المسيح هي ذات مدى غير محدود حجماً. فهو كالكاهن الإلهي غير المحدود قدّم ذبيحة غير محدودة الفعالية، لأن المسيح "لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا، ولا يقدّم نفسه مراراً كثيرة كما يدخل رئيس الكهنة إلى الأقداس كل سنة بدم آخر" (عبرانيين 9: 24-25). ثالثاً إن ذبيحة المسيح هي أبدية الأثر. "فبهذه المشيئة نحن مقدّسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة.... فبعدما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله.... لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عبرانيين 10: 10و12و14).

إلى جانب الذبيحة العظمى التي قدّمها يسوع كفّارة عن خطايا الكثيرين، فإن وظيفته الكهنوتية لها جانب آخر هو شفاعته بالنيابة عن مفدييه. في هذا الصدد يقول الرسول يوحنا: "إن أخطأ أحد (أي من المؤمنين) فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار" (رسالة يوحنا الأولى 2: 2). والشفيع هو الشخص الذي يعين المذنبين ويدافع عنهم وهو محامي الدفاع أمام محكمة العدالة الإلهية. بالنسبة للمؤمنين "من هو الذي يدين. المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضاً، الذي هو أيضاً عن يمين الله الذي أيضاً يشفع فينا" (الرسالة إلى رومية 8: 34). "هو حي في كل حين ليشفع فيهم" (عبرانيين 7: 25). إنه "يظهر الآن أمام وجه الله" لأجل المؤمنين (عبرانيين 9: 24). أما عظمة شفاعة المسيح فقاعدتها هي عظمة ذبيحته الكفارية. أما نتيجة تلك الشفاعة النهائية فهي في مجيئه الثاني، "هكذا المسيح أيضاً بعدما قدّم مرة لكي يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانيةً بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه" (عبرانيين 9: 28).

أضف تعليق


قرأت لك

أنا هو الخبز النازل من السماء

"هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت" (يوحنا 50:6). عندما يتحدث إنسان عن نفسه، يتعرض لعوامل الغرور والفخر والاعتداد بالذات، ذلك لأن الإنسان مجرب أن يصف نفسه بأكثر من حقيقته، وهذه هي طبيعتنا، أما عندما يتكلم المسيح فإن الوضع يكون معكوسا ذلك لأن أية تعبيرات في اللغة أقل من أن تصف حقيقة يسوع المسيح التي يحار الفكر في إدراكها، فيسوع طرح رسالته السماوية بثمانية أمور سأذكر منها ثلاثة:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة