في نبوات أشعياء وإتمامها والتعليق عليها

القسم: رب المجد.

الباب الرابع

بيان تمهيدي لا بد منه

 لا يخفى على القراء الكرام أن المذاهب التفسيرية، المختلفة الأنواع والأساليب، موجودة في الكنيسة من بدء تاريخها. فإن جماهير المؤمنين انتقدوا العلامة اوريجانوس الإسكندري الشهير الذي عاش في القرن الثالث بعد الميلاد بأشد أنواع الانتقادات، وأعلنت الكنيسة حروماتها لتعاليمه لأنهم تأكدوا أن مذهبه التفسيري مجازيّ أما رأوه من تعاليمه القائلة: “أن ألفاظ الكتاب ترمي إلى غير معناها الظاهر البسيط". ومع كل ما قام في وجهه من الانتقادات فلم تزل روح مذهبه التفسيري (المجازي) موجودة إلى يومنا هذا. وأكثر النبوات التي فسرها أبناء هذا المذهب بطريقتهم المجازية إنما هي النبوات المتعلقة بملكوت المسيح.

 ويوجد مذهب آخر تجاه هذا المذهب قال علماء التفسير أنه راجع إلى ما قبل العصر المسيحي بمئات من السنين، ألا وهو مذهب اليهود في تفسير نبواتهم. وقد دعاه اللاهوتيون "المذهب الحرفي"، أي الذي لم يخرج قط عن دائرة نصوص الكتاب ولم يقترب من دائرة المجازيات مطلقاً. وذلك بخلاف المذهب الاوريجانوسي الذي هو "المذهب المجازي- أو المذهب الباطني".

وقد رأينا أن نذكر- على الأقل في النبوات المتعلقة بملكوت المسيح- آراء معتدلة واضحة حباً بالفائدة المرجوة من نشر كتاب لاهوت المسيح هذا. وقد عزمنا بعون الله تعإلى ونعمته أن نسلك في تفسيرنا هنا طريقاً وسطاً مفيداً لعموم القراء من كل طائفة ومذهب، بدون تحيّز ألى فئات ضد أخرى أو مذهب ضد آخر، لأن غرضنا الأعلى إنما هو تمجيد الله، وغايتنا العظمى إثبات لاهوت المسيح. ولا ريب في أن كل مسيحي متفق معنا في ضرورة الجهاد الحسن للحصول على هذا الغرض وهذه الغاية، والله ولي التوفيق في البداية والنهاية.


ملك المسيح

النبوة: "ويكون في آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتاً في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال وتجري إليه كل الأمم. وتسير شعوب كثيرة ويقولون هلم نصعد إلى جبل الرب إلى بيت إله يعقوب فيعلّمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب. فيقضي بين الأمم وينصف لشعوب كثيرين فيطبعون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل. لا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب في ما بعد” (أشعياء 2: 2-4).

الإتمام: "وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ" (لوقا 24: 47) "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أعمال 1: 8) "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل، وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجًا وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى 5: 14- 16). "أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِمًا" (يوحنا 18: 20).  

التعليق: إن الرب الذي أمر بخروج كلمة الرب من أورشليم، حسب هذه النبوة وإتمامها، إنما هو ربنا يسوع المسيح نفسه (راجع عب 1: 1 و2). فهذه النبوة أشارت إلى تأسيس الكنيسة على صخرة الفداء بتجسد الفادي وغرس المسيحية. ومن شاء زيادة البيان فليراجع تفسير هذه النبوة في ما قلناه في شرح ميخا 4: 1- 5 في الباب الخامس، ذلك الشرح الذي جعلنا نكتفي هنا بهذا التعليق البسيط المختصر.


ولادة المسيح من عذراء

النبوة: "ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل … ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل … لأن الله معنا” (أشعياء 7: 14و8: 8و10)

الإتمام: "أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلاً يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا. فلما استيقظ يوسف … أخذ امرأته. ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعا اسمه يسوع” (متى 1: 18-25)

التعليق: في أشعياء 7: 14 أنبئ أن المولود من عذراء يدعى اسمه عمانوئيل؛ وفي 8: 8 نادى النبي ربه بقوله "يا عمانوئيل"؛ وفي 8: 10 أنبأ أن معنى "عمانوئيل" هو "الله معنا". وقد أعلن الروح القدس أن هذه النبوة تمت لفظاً ومعنى بولادة المسيح من مريم العذراء.

1- أنبأ الله شعبه في هذه النبوة أن ملكهم سيولد بينهم من عذراء برهاناً على كماله وقداسته، وعلى أن عمانوئيل بريء من فساد الطبيعة البشرية. وهذه النبوة أعلنت قبل إتمامها بنحو 750 سنة علامة على أن الله لم يرفض شعبه إلى الأبد (متى 16: 13-20).

2- في النبوة أن الفادي يمارس وظيفته باسم جديد هو "عمانوئيل" الذي فسره الروح القدس بأنه "الله معنا" فصار لنا إلهاً وصرنا له شعباً. وقد تمت هذه النبوة بتسمية المولود من فم الروح القدس "يسوع" أي- ياه- سوع" الذي تفسيره "الرب مخلص" (متى 1: 21- 23). ولو لم يكن هو عمانوئيل ما أمكنه أن يصير لنا رباً ومخلصاً. فالله معنا. وأرضنا هي أرض عمانوئيل، في كل جيل، وهو ربنا المسيح الفادي الجليل.


المسيح نور العالم

النبوة: "ولكن لا يكون ظلام للتي عليها ضيق. كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي يكرم الأخير طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور" (أشعياء 9: 1و2).

الإتمام: "وترك (يسوع) الناصرة وأتى فسكن في كفرناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم. لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل. أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم. الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً والجالسون في كورة الموت وظلاله أشرق عليهم نور” (متى4: 13- 16) " أنا هو نور العالم" (يوحنا 8: 12)

التعليق: لنا في هذه النبوة وعد أكيد، بظهور النور المجيد، في حال ظهور الرب يسوع نورنا الذي يظهر على حين غفلة فيبدد ظلمات جليل الأمم المدلهمة تدريجاً كما يبتدئ الهلال فيستمر إلى أن يصير بدراً كاملاً.

وإذا رأيت من الهلال نموّه  * * * أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً.

إن زبولون ونفتالي أقصى الحدود الشمالية بعيدتان عن أورشليم عاصمة المملكة اليهودية. فهذا النور "نور العالم" يزداد نمواً وظهوراً حتى يزيل ظلام الأراضي المتاخمة للبحر وأراضي عبر الأردن حتى لا يبقى فيها ظلام بعد. وفعلاً قد تمت هذه النبوة صريحاً عندما جاء المسيح وكرز بالإنجيل وأعلن نور الخلاص في زبولون ونفتالي وعبر الأردن وجليل الأمم (متى4: 13-16). فالذين يرفضون إنجيل النور يظلون سالكين في العمى الروحي وفي ظلمة الشهوات والمطامع إلى المنتهى فيهلكون بما كسبت أيديهم لأنهم رفضوا نور الخلاص السماوي الذي ينعم على تابعيه بنور الحياة (يوحنا 8: 12).


بنوة المسيح ولاهوته وملكوته الأبدي

النبوة: “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن وإلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا” (أشعياء 9: 6و7)

الإتمام: "فصعد يوسف … ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى … فولدت ابنها البكر وقمطته واضجعته في المذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل” (لوقا 2: 4-7) "فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة عن ابنه، الذي … تعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا” (رومية1: 2- 4) "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله" (يوحنا 1: 1) "من قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” (يوحنا 8: 58) "أجاب يسوع مملكتي ليست من هذا العالم … ولكن الآن ليست مملكتي من هنا … إني ملك. لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم” (يوحنا 18: 36 -37) "أما هم المجتمعون فسألوه قائلين يا رب هل في هذا الوقت ترد الملك إلى إسرائيل” (أعمال 1: 6)

التعليق: لقد تمت هذه النبوة بصراحة تامة فولد المسيح من عذراء بدون أب بشري إتماماً لقول النبوة: "لأنه يولد لنا ولد"[1] لأنه جاء من السماء مولوداً تحت الناموس (غلاطية 4: 4 و5) ولأنه من نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15) مع العلم أن ولادة المسيح من مريم كانت ولادة الناسوت؛ وأما المسيح بأزليته ولاهوته فقد كان موجوداً قبل كل موجود في الوجود (يوحنا 1: 1و8: 58). وهذا يظهر لنا من الأفكار الآتية:

1- اتضاع المسيح: "والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب” (يوحنا 1: 14) "أخلى نفسه …وأطاع حتى الموت موت الصليب" ليملأنا من نعمته ويقدسنا بقداسته. فهو أزلي ولكنه ولد في عالمنا إتماماً للنبوة فأعطى لنا هبة مجانية ليكون لنا هو الكل في الكل.

2- مجد المسيح : أنه أعطيّ لنا ولكنه هو ابن الله بلاهوته وابن الإنسان بناسوته لأنه إله تام وإنسان تام وابن الإنسانية الكاملة التي لم يثبت كمالها آدم لخلو الفادي من فساد الزرع البشري ولقداسة طبيعته بتجسده وولادته من عذراء وهو القدوس القادر على كل شيء ولذلك رفّعه الله بيمينه بعد كمال الكفارة وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو له كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض (فيليبي2: 5-11). ولذا جاء في النبوة أنه يدعى: “عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية" فعلينا أن نعبد صاحب هذه الأسماء لما يأتي:

3- لاهوت المسيح: إن لاهوت المسيح هو بيت القصيد في هذا الكتاب. ولذا فنحن نوضح موضوع لاهوته أكثر من غيره كلما وصلنا إليه، إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل.

عجيباً

يدعى اسمه عجيباً كما في النبوة وكما دعا نفسه لمنوح وزوجته (قضاة 13: 18) ولأنه أرانا كمال اتحاد الناسوت باللاهوت في شخصه المبارك ولأنه عجيب في محبته، عجيب في تجسده، عجيب في حمله وولادته من عذراء، عجيب في حياته الأقدسية، عجيب في معجزاته التي عملها بسلطانه الإلهي المطلق، عجيب في موته، الذي أظهر لنا به كمال القداسة الإلهية، عجيب في قيامته التي أظهر بها كمال قدرته الربانية على الموت والحياة، عجيب في ظهوراته التي أثبتت لاهوته بعد القيامة، عجيب في صعوده الذي أكد لنا أزليته وأنه عاد إلى مجده الذي كان له قبل كون العالم.

مشيراً

ويدعى اسمه مشيراً كما في النبوة ولأنه إله دائم حق عالم بمشورة أبيه المحتوية على كل حكمة، تلك المشورة المحتومة المصحوبة بعلمه الأزلي (أعمال 2: 23). فهو الذي أشار على المرأة السامرية بأن تطلب منه ماء الحياة لكي لا تعطش أيضاً (يوحنا4: 10-14)، وهو الذي أشار بفم النبي على بني العهد القديم أن يشتروا خمر محبته ولبن قداسته مجاناً بالإيمان والاتكال (أشعياء 55: 1)، وهو القائل لملاك كنيسة اللاودكيين: “أشير عليك أن تشتري مني ذهباً مصفى بالنار لكي تستغني. وثياباً بيضاً لكي تلبس الخ” (رؤيا 3: 18)

إلها ًقديراً

ويدعى اسمه "إلهاً قديراً" لأنه هو الذي قدِر على أن يخلّص إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم (عبرانيين 7: 25). وقد حقق لنا أنه إله قدير بقوله: “بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً” (يوحنا 15: 5). وقد أعلن بولس الرسول أن المسيح إله قدير بقوله: “أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (فيليبي 4: 13)، وبقوله: “وأنا أشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني” (1تيموثاوس 1: 12)، وبقوله على لسان يوحنا الحبيب: “أنا هو الألف والياء... القادر على كل شيء” (رؤيا 1: 8).

أباً أبدياً

ويدعى اسمه "أباً أبدياً" فضلاً عن كونه أبا الأبدية، لأنه هو الحي إلى الأبد، ولأنه رب الحياة الأبدية ومعطيها ومنشئها، ولأنه أبو نظام العوالم كلها عموماً وأبو نظام الوحي المبارك خصوصاً، ولأن العالم العتيد مخضع له هو لا للملائكة (عبرانين 1: 5)، ولأنه هو أبو الفداء ومجريه بذاته، وأبو حكمة الفداء، وأبو الخليقة من البداية إلى النهاية، وأبو المؤمنين، ورئيس إيمان المؤمنين، ولأنه هو المعطي السلطان لكل الذين قبلوه أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه (يوحنا 1: 12). فهو أبو الكائنات كلها أزلاً وأبداً.

رئيس السلام

ويدعى اسمه "رئيس السلام" لأن ملكوته ملكوت السلام ولأنه هو سلامنا … لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً … فجاء وبشركم بسلام … لأن به لنا كلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب (أفسس 2: 14-18). فهو الذي صالحنا مع الآب، وهو الذي يوجد السلام في ضمائرنا لأنه رئيس السلام وأبو السلام ورب السلام وإله السلام. ولا يمكن لأحد أن ينال السلام الحقيقي إلا إذا آمن أن المسيح هو رئيس السلام.


مملكة المسيح

وفوق هذه الألقاب الإلهية فإن أمامنا (في أشعياء 9: 7) أموراً هامة عن ملكوت المسيح تتضح لنا مما يأتي:

1- إن نمو رئاسة المسيح على مملكته الروحية السماوية والزمنية في أرض المسيح ونمو سلامه بلا نهاية. فإن عدد رعاياه يتكاثر دائماً، وحدود مملكته تتسع دائماً إلى كل أركان العالم، والرب الآن يضم إلى مملكته كل يوم الذين يخلصون، وفي كل يوم يزداد بهاؤها، ويمتد ضياؤها، بخلاف ممالك العالم الزائلة مهما قصر أو طال أمدها. وأما مملكة المسيح فستنمو إلى أن يجيء ويملك في مجيئه الثاني ملكاً عاماً دائماً بلا نهاية.

2- إن مملكة المسيح مملكة سلام فهي موافقة لصفات ملكها الذي هو "رئيس السلام" والذي هو سلامنا بالذات. ولذا فلا يمكن أن يدعو إلى الانضمام إلى راعويته بالإرهاب ولا بالضربات القتالة، بل إنه سيملك على الجميع بداعي المحبة السمائية التي تستأسر قلوب جميع البشر، لأنه حيثما امتدت خراعيب مملكته فهناك يمد السلام رواقه وهناك يزداد سلام المؤمنين وسلامتهم. ولذا قال لبطرس: “رد سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون” (متى 26: 52). ولا يمكن أن توجد مملكة سلام دائم حق إلا مملكة رَبّ الْمَجْد يسوع المسيح.

3- إن مملكة المسيح مملكة حق وعدل. ولذا فهي تثبت إلى أبد الآباد لأنها مبنية على قواعد الحق والعدل والبر معاً. ولم يوجد قط، ولن يوجد أبداً في كل مملكته الشاملة من يوم الخلق إلى يوم القيامة واحد يقدر أن يفتح فمه بشكوى على المسيح أو أن ينسب إليه أدنى ظلم. بل إن جميع رعية المسيح يهتفون أمام عرشه دائماً قائلين: "بار أنت يا رب وأحكامك مستقيمة” (مزمور 119: 137). فالمسيح ملك عادل ومنصور ووديع بشهادة النبي زكريا القائل متنبئاً: “ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” (زكريا 9: 9). والمسيح ملك أمين وصادق وعادل كما قال الروح القدس للحبيب في رؤياه "وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب” (رؤيا 19: 11). انظر أيضاً تعليقنا على أشعياء 11: 3-10 فهناك الإيضاح الأتم.

4- إن مملكة المسيح أبدية لقول النبي "لنمو رياسته وللسلام لا نهاية". فهي تنمو وتنمو في السلام إلى النهاية العليا. قال النبي: "من الآن إلى الأبد". فرئاسة المسيح وسلامه لا ينموان في أجيال الكنيسة فقط بل كلاهما يُنميان أيضاً، ينميان إلى الأبد. وبعد أن يجلس المسيح على كرسي مجده يتم بهاء مملكته، وهكذا يستمر مجد الفادي وملكوته وسلام مفدييه إلى أبد الآباد.

5- غيرة رب الجنود. إن الله تعالى الذي هو "رب الجنود" أخذ على مسئوليته إتمام هذه النبوة بغيرته، وأكد لنا هذه الحقيقة بقوله المبارك "غيرة رب الجنود تصنع هذا". وفي قدرته إتمام ما وعد، وفي قدرته أن يحافظ على كرسي داود وسلطان يهوذا إتماماً لهذه النبوة. وهو الذي يعتني بهذه المواعيد ويلاحظها حتى يجلس هذا الرئيس العظيم على كرسي مملكة السلام في وسط قديسيه. وغيرته إنما هي على شرفه وصدق مواعيده وسلامة كنيسته وحياتها. وهذه الغيرة الربانية هي التي تصنع هذا متغلبة على كل مقاومة. ويستنتج من هذا أن هذه النبوة سارت في سبيل الإتمام من يوم ولادة مسيحنا "المولود ملك اليهود". والبراهين التي مرت بكم كفاية لكم إن كنتم تقبلون.


مجيء المسيح

النبوة: "ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله” (أشعياء 11: 1).

الإتمام: "وأقام لهم داود ملكاً الذي شهد له أيضاً إذ قال وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي. من نسل هذا حسب الوعد أقام الله لإسرائيل مخلصاً يسوع” (أعمال 13: 22و23) "وأيضاً يقول أشعياء سيكون أصل يسى والقائم ليسود على الأمم وعليه سيكون رجاء الأمم” (رومية 15: 12).

التعليق: نرى من هذه النبوة أن المسيح له المجد كان سيأتي من بيت داود في ملء الزمان، وأنه هو الغصن الذي قيل عنه في النبوة: “في ذلك اليوم يكون غصن الرب بهاء ومجداً وثمر الأرض فخراً وزينة للناجين من إسرائيل” (أشعياء4: 2). ونلاحظ في هذه النبوة ما يأتي:

أولاً: إن هذا الغصن يخرج من جذع يسى فهو ابن داود الذي قطع معه العهد بالملك فحلف الله له بقسم أنه من ثمرة صلبه يقيم المسيح حسب الجسد (أعمال 2: 30). وقد دعي داود "ابن يسى" دائماً. وهكذا دعي المسيح في هذه النبوة لأنه ليس ابن داود فقط بل لأنه دعي "داود" كما جاء عنه: “بعد ذلك يعود بنو إسرائيل ويطلبون الرب إلههم وداود ملكهم” (هوشع 3: 5) "عبدي داود هو يرعاها وهو يكون لها راعياً. وأنا الرب أكون لهم إلهاً وعبدي داود رئيساً في وسطهم” (حزقيال 34: 23و24). ومن المعلوم أن هوشع وحزقيال عاشا بعد عصر داود بأجيال وعليه فهما يقصدان المسيح بالذات.

ثانياً: دعي المسيح في النبوات قضيباً وغصناً وكلاهما يشير إلى التواضع كقول النبي: “نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة لا صورة له ولا جمال فننظر إليه ولا منظر فنشتهيه” (أشعياء 53: 2). ونبوة النبي التي نحن بصددها الآن قالت أنه يخرج من جذع يسى إعلاناً لاتضاع المسيح في مجيئه الأول لأن يسى عاش حقيراً ومات فقيراً بدليل قول أليآب بن يسى لداود أخيه الصغير: “لماذا نزلت وعلى من تركت تلك الغنيمات القليلة في البرية؟" (1صم 17: 28)، وبدليل قول داود نفسه لشاول الملك: “من أنا وما هي حياتي وعشيرة أبي … حتى أكون صهر الملك؟” (1صم 18: 18)، وبدليل تحقير داود من شاول الملك بقوله عنه لأنه ابن يسى الحقير والفقير: “هل يعطيكم جميعكم ابن يسى حقولاً وكروماً؟ وهل يجعلكم جميعكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات حتى فتنتم كلكم عليّ؟" (1صم 22: 7و8). فالمسيح هو الغصن الذي نبت من أصول يسى الفقير لأن بيت داود كان قد ضعف جداً حتى أن يوسف خطيب مريم كان نجاراً بسيطاً في قرية خاملة فذهب هو ومريم إلى بيت لحم وهنالك ولد المسيح فقيراً متوا ضعاً ولكنه افتقر لنستغني نحن بفقره (2كو 8: 9).


مسح المسيح بالروح القدس

النبوة: “ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب” (أشعياء 11: 2).

الإتمام: “فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه” (متى 3: 16).

التعليق: ليمارس ذلك "الغصن" وظيفته التي أعدت له ويقوم بواجباتها تماماً كان لا بد له أن يسقى بندى السماء حتى يرتقي عرش مجده باستحقاق. وهكذا تم الأمر كما انبأت النبوة، فحل عليه روح الرب بكل مواهبه وعطاياه ونعمه، وأعطي له الروح بدون كيل، ويحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً (كولوسي 2: 9). وابتدأ المسيح كرازته بقوله "روح السيد الرب علي" قارئاً ذات النبوة ثم أعلن إتمامها في ذاته (لوقا4: 18- 21). فكما أن أعضاء الجسد تنال حياتها من الرأس فكذلك المسيح قد حلّ عليه روح الحكمة والفهم والمشورة والقوة والمعرفة ومخافة الرب (أشعياء 11: 2) فقام بكل الأعمال التي كان عليه أن يعملها خير قيام وعرف كل شيء في السماء وعلى الأرض حتى أنه علم ما كان في باطن الإنسان وأفكاره الداخلية (يوحنا 2: 24و25) فعرف قيمة ضعف البشر عن الوصول إلى الحق بأنفسهم ولذلك قال: "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له” (متى 11: 27). فالمسيح له المجد قادر على أن يرشد أفكار المؤمنين إليه حتى يعرفوه تماماً، وهو وحده يعرف كيف يعمل في جميع أعمال مملكته الروحية ويجعلها تعرف كيف تمجد الله وتتمتع به. فهو وحده له "روح القوة" لأن عمله الأعظم يستلزم قوة سماوية فائقة غير متناهية ولأن إخراجه الحق للأمم يحتاج إلى عزم لا يكل ولا ينثني ولا ينكسر. فهو وحده يعمل وينجح وينتصر "هوذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرّت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم … لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته” (أش 42: 1-4). إن المسيح أعظم مثال للشجاعة الأدبية. فلم يبال بأحد، ولم ينظر إلى وجوه الناس، كما شهد أعداؤه (متى 22: 16). وكان عليه روح مخافة الرب، فكانت له غيرة دينية روحية مشتعلة، فأحب أن جميع الناس يخافون الله، ولذلك دعاهم إلى التوبة والإيمان الذي يأتي بهم إلى العيشة الطاهرة.


تأثير ملكوت المسيح

النبوة: “يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه. فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها. والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معاً والأسد كالبقر يأكل تيناً. ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على حجر الأفعوان. لا يسوءون ولا بفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجداً" (أشعياء11: 4-10).

الإتمام: “ثم رأيت السماء مفتوحة وإذا فرس أبيض والجالس عليه يدعى أميناً وصادقاً وبالعدل يحكم ويحارب... وهو متسربل بثوب مغموس بدم يدعى اسمه كلمة الله” (رؤيا 19: 11- 13) "وحينئذ سيستعلن الأثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه” (2تسالونيكي 2: 8).

التعليق: كان المسيح له المجد عادلاً وباراً في جميع أحكامه التي أصدرها من عرش مملكته الروحية السماوية. وكان يحكم على أقوال الآخرين كما كان ينتظر منهم أن يحكموا على أقواله ولذلك قال لليهود: “لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكماً عادلاً" (يوحنا 7: 24). وكان مقسطاً قويماً في قضائه فلم يحابِ بالوجوه ولم يميز غنياً على فقير. وتنبىء عنه أنه "لا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالانصاف لبائسي الأرض” (أشعياء 11: 3و4). وهو الذي يقيم العدل، ويعلن البر، ويثبت الحق، حتى أن المرائين يكونون معروفين عنده ويرفضهم يوم الدين قائلاً لهم: بما أنكم استوفيتم أجوركم من الناس الذي أرضيتموهم فلا أجر لكم عند الله الذي خالفتم إرادته. فاذهبوا عني يا فعلة الإثم لأنه لا كيل لكم عندي ولا تقربون. "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلين الإثم” (متى 7: 22و23). فأمثال هؤلاء سيدين المسيح سرائرهم (رومية 2: 16) لأنه لا يمكن أن يقبل المدعين بناء على ظاهر دعاويهم وادعاءاتهم ولأنه "علم ما كان في الإنسان"(يوحنا 2: 25). إن قضاءه يكون بالبر الذي هو ملازم له على الدوام والذي هو زينته في مواكب نصرته والذي هو مجده في عرشه وسيفه الذي يحارب به ويغلب والذي يتقلده في حروبه الروحية (مز 45: 3). فالمسيح كله بر وعدل وحق. ولذا فقد أمر رعيته، بلسان سليمان الحكيم، أن يتمنطقوا بالحق. ومع ذلك فهو لم يزل يحامي ببره عن المساكين المتضايقين. ومن آيات شرف المسيح وعدله وبره وحقه أنه تنازل ورضي كرماً منه أن يكون ملك المساكين: "اللهم أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك. يدين شعبك بالعدل ومساكنيك بالحق... يقضي لمساكين الشعب. يخلص بني البائسين ويسحق الظالم” (مزمور 72: 1- 4). فالمسيح يرفع ببره صوت الاحتجاج عالياً ضد المتكبرين مضايقي شعبه لأنه يضرب الأرض ويضرب مضايقي شعبه الساكنين على الأرض: “تميل أذنك لحق اليتيم والمنسحق لكي لا يعود أيضاً يرعبهم إنسان من الأرض” (مزمور 10: 17و18). وهؤلاء المتكبرون المضايقون سيضربهم المسيح بقضيب فمه وسيف روحه. عندما أتى الأعداء ليقبضوا على المسيح ليلاً في بستان جثسيماني قال لهم "أنا هو" فارتدوا إلى الوراء خجلاً، وسقطوا على الأرض وجلاً. ولقد هيج المسيح ضمائر معلمي اليهود في مسألة المرأة التي أمسكت في زنى وكشف ريائهم وأذكرهم خطاياهم السرية وتركهم يحاسبون أنفسهم فانصرفوا من حضرته خجلين. وكما أبكم أعداءه المنافقين على الأرض فكذلك سيبكمهم ويخجلهم حين يجلس على العرش الأبيض النقي في يوم ظهوره وملكوته. قال بولس الرسول أن المسيح سيبيد إنسان الخطية بنفخة فمه (2تسالونيكي 2: 8).

وبما أن المسيح أنبأ في أشعياء 9: 6 أنه يكون رئيس السلام فقد عاد هنا إلى تبيين نوع السلام المقصود فقال ما يأتي معناه:

1- أنه سلام وحدة وتآلف: أشار النبي بقوله: “ويسكن الذئب مع الخروف" إلى أن المتوحشين الذين تؤثر فيهم نعمة المسيح يرجعون عن شرورهم ويعيشون بالسلام مع أضعف الناس ويشاركونهم في سرائهم وضرائهم ويتألمون لآلامهم كبولس الرسول الذي بعد أن قتل وسجن وجلد مسيحيين كثيرين أيام توحشه وتعصبه صار بعد إيمانه لطيفاً مع المؤمنين جداً حتى اشتد به الوجد فصاح قائلاً: “من يضعف وأنا لا أضعف؟ من يعثر وأنا لا ألتهب؟" (2كو 11: 29) فالمسيح سلامنا أتى لكي يبيد الأعداء ويقوي روح السلام بين أتباعه عموماً ويوفق بين عموم الناس ويُدخل الجميع إلى حظيرة الإيمان فلا يعود الخروف يخاف من الذئب. وأولاد النمر الشرهون سيربضون مع الجداء في وادي السلام. والأسد يذل ويأكل تبناً كالثور ويربض مع خراف المسيح في مراعي الإيمان الخضراء. ومتى جاء المسيح في مجده يحل الأمن محل الخوف والسلام محل الخصام والنور محل الظلمة والخير محل الشر والاتحاد محل الفساد. ونتعلم من هذه النبوة أن حالة القداسة التي كانت لآدم قبل السقوط ستعود ثانية بواسطة المسيح إلى جميع المؤمنين بالفداء وسيبطل المثل السائر القائل: "الإنسان ذئب لأخيه". وكما كان السلام سائداً بين جميع الحيوانات في فلك نوح هكذا سيصير السلام في العالم بواسطة الإيمان بالمسيح رباً وفادياً. ذلك لأن المسيح يجذب الأشرار الأن بحبال الإنجيل إلى حظيرة الإيمان فتتغير طبائعهم ويسكن الذئب مع الخروف بسلام.

2-  أنه حفظٌ وأمان: لا يستطيع أحد أن يؤذي قطيع الرب يسوع المسيح لأن عينيه تكونان عليه ولأن قطيعه المبارك متمسك بالخير (1بطرس 3: 13).

ولقد بنى المسيح كنيسته على صخرة الإيمان الذي أغلق أبواب الجحيم. والراعي في كنيسة المسيح وإن كان ضعيفاً في طبيعته الروحية ككل الناس فهو مع ذلك قادر على أن يسوس كنيسته المحتوية على أناس كثيرين كانوا وحوشاً وأصلالاً سامة قبل إيمانهم وجميعهم يحبونه ويخضعون لأوامره الروحية (متى 16: 18). 

إن المقصود بهذه النبوة الناس لا الحيوانات لأن صهيون جبل قدس الرب ليست مسكن الوحوش والحشرات السامة بل مسكن الناس ومركز كنيسة المسيح، بل هي التي ظهر فيها المسيح وأكمل خلاصه، وفيها مدينة الله الحي (عب 12: 22 و32) لأن الوحي للناس لا للوحوش. "ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجداً". لنا في هذا العدد نبوة فرعية، أنبأتنا عن تقدم ملكوت المسيح المرموز إليه بأحوال مملكة يهوذا في نهاية مُلك حزقيا وانهزام سنحاريب العظيم، وأنبأتنا عن دخول الأمم إلى ملكوت المسيح بعد إزالة الحواجز التي كانت بين الأمم واليهود، وأنبأتنا عن رفع الحجاب ومصالحة الاثنين اللذين هما اليهود والأمم لنفسه تعالى ومزجهما ببعضهما وجعلِهما  إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً (أف 2: 15- 18)، وأنبأتنا أن جميع الأمم سيرون المسيح مرفوعاً راية للشعوب وبطلبونه (رومية 15: 12). ومفتاح أسرار هذه النبوة إنما هو "أصل يسى" العرق النابت من الأرض اليابسة (أشعياء 53: 2) و"أصل وذرية داود كوكب الصبح المنير” (رؤيا 5: 5و22: 16) الذي رُفع راية للشعوب على خشبة الصليب لخلاصنا كما قال له المجد "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع"، والمرفوع إلى الآن بالكرازة بالإنجيل في كل أركان العالم براً وبحراً. فحين ولادته جاء إليه مجوس من المشرق وعبدوه (متى الأصحاح 2)، وجاء إليه الرعاة المتبدّون وآمنوا به (لوقا 2: 8-10)، وطلبت إليه المرأة الفينيقية أن يشفي ابنتها أيام خدمته الجمهورية (مرقس 7: 24- 30)، ولما صعد إلى أورشليم في العيد طلب اليونانيون أن يروه (يوحنا 12: 21). فهو الذي يكون عليه رجاء الأمم ويكون محله أي كنيسته مجداً لأن الله هيكلها والخروف سراجها ولأن روح الله ساكن في المؤمنين.


المسيح حجر الزاوية

النبوة: "لذلك هكذا يقول السيد الرب. هأنذا أؤسس في صهيون حجراً حجر امتحان حجر زاوية كريماً أساساً مؤسساً. من آمن لا يهرب” (أشعياء 28: 16).

الإتمام: "قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب. الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا" (مت 21: 42 مع مزمور 118: 22).

"لذلك يتضمن أيضاً في الكتاب هأنذا أضع في صهيون حجر زاوية مختاراً كريماً والذي يؤمن به لن يخزى. فلكم أنتم الذين تؤمنون الكرامة وأما للذين لا يطيعون فالحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية وحجر صدمة وصخرة عثرة. الذين يعثرون غير طائعين للكلمة الأمر الذي جعلوا له” (1بط 2: 6- 8).

التعليق: راجعوا الباب الثالث في الأسفار الشعرية الفصل الثاني مزمور 118 وجه 91 الخ، تروا هناك شرح موضوع حجر الزاوية بإيضاح.


عجائب المسيح في أجساد البشر

النبوة: "حينئذ تتفتتح عيون العمي وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس... ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بترنم وفرح أبدي على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم ويهرب الحزن والتنهد” (أشعياء 35: 5-10).

الإتمام: "ولما اقترب (يسوع) من أريحا كان أعمى جالساً على الطريق يستعطي... فصرخ... يا يسوع ابن داود ارحمني... فقال له يسوع ابصر. إيمانك قد شفاك. وفي الحال أبصر وتبعه وهو يمجد الله” (لوقا 18: 35-43) "وجاءوا إليه بأصم أعقد وطلبوا إليه أن يضع يده عليه... وللوقت انفتحت أذناه وانحل رباط لسانه وتكلم مستقيماً... جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون” (مرقس 7: 32-37) "... فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك... ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا. قال للمفلوج لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك. فقام للوقت وحمل السرير وخرج قدام الكل حتى بهت الجميع ومجدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط” (مرقس 2: 1-11).

التعليق: هذه النبوة تشير إلى عجائب المسيح التي عملها في أجساد البشر بسلطانه المطلق الدال على لاهوته وعلى أنه رب عناصر الطبيعة وخالق الكل وعلى أنه الآمر الناهي بسلطان سماوي في أجساد البشر وأرواحهم- بخلاف الأنبياء الآخرين الذين كانوا يبكون ويصرخون ويصلون كثيراً حتى يستجيب الله طلباتهم ويظهر المعجزة على أيديهم- لأن الأوامر التي أصدرها المسيح بقوته ضد الأمراض تؤكد لنا أنه هو الله لا سواه. ولنا في النبوة ذاتها ما يأتي:

1- تنبأ النبي عن هذه العجائب، وخصوصاً عن سلطة المسيح على العمى، بقوله: “تنفتح عيون العمي". وقد أعلن لنا الروح القدس في الوحي أن هذا كان من أعمال ربنا يسوع المسيح الذي فتح بكلمة واحدة عيني الأعمى بل العمي المذكورين في (متى 9: 27و12: 22 و20: 30 ويوحنا 9: 6). وهكذا كان عمله في الصم "وآذان الصم تنفتح"، وفي العرج "حينئذ يقفز الأعرج كالأيل"، وفي الخرس "ويترنم لسان الأخرس". وكل ما جاء في النبوة لم ينطبق إلا على أعمال المسيح، ولم يتم إلا في المسيح تماماً (متى 11: 4 و5).

2- إن عجائب المسيح في أرواح البشر أعظم من عجائبه في أجسادهم، ولكن كلا النوعين لا يكون إلا الله. والمسيح هو الله الذي أنار المصابين بالعمى الروحي (أعمال 26: 18)، وهو الذي فك ألسنة الخرس الروحية فهتفوا قائلين: “مبارك الآتي باسم الرب” (متى21: 9)

3- الروح الذي يسكبه المسيح عبر عنه النبي بالمياه والمجاري وأنهار الماء الحي. وتمت هذه النبوة بقول المسيح "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه.لأن الروح القدس لم يكن قد أعطي بعد. لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد” (يوحنا 7: 37- 39). وفضلاً عن تعبير النبي هذا فإنه نظر إلى المستقبل ببصيرة التأكد فرأى الحقيقة ناصعة فأنبأ بها بصيغة الماضي للمبالغة التأكيدية قائلاً "الأكمة والبرج صارا مغاير... إلى أن يُسكب علينا روح من العلاء فتصير البرية بستاناً ويحسب البستان وعراً” (أشعياء 32: 14و15). وأما إشارة النبي إلى الأنهار التي في القفر فقد تمت بحلول الروح القدس على الأمم الذين سمعوا كلمة الله فتحولت قلوبهم القفرية إلى أنهار ماء حي (أعمال 10: 44و45)، وصارت برية الأمم عالماً جديداً راتعاً في ينابيع الخلاص المسيحي. وأما صيرورة السراب أجماً فقد أعلن المسيح إتمامها بقوله "تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (متى 11: 28). وأما الطريق المقدسة المذكورة في النبوة فقد تمت باتحاد لاهوت المسيح بناسوته: "والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً” (يو 1: 14)، لأن المسيح أرانا لاهوته بقوله: “أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يوحنا 14: 6). ولا يمكن أن يكون طريقنا المقدسة إلى السماء إلا رب السماء والأرض فادينا يسوع المسيح رَبّ الْمَجْد. ولهذا السبب قال النبي عن الطريق المقدسة: “لا يكون هناك أسد. وحش مفترس لا يصعد عليها... بل يسلك المفديون فيها". ألا يدل كل هذا على أن المسيح بالحقيقة هو الله؟ إن الذين رجعوا من أبناء كنيسة العهد القديم من بابل إلى أورشليم رجعوا بالبكاء (إرميا 31: 9)، وأما الذين يأتون من بابل الخطية من كافة الأمم إلى صهيون الخلاص السماوية فيضربون بقيثاراتهم وهم يترنمون ترنيمة جديدة ولهم فرح أبدي لا تتخلله الأحزان (رؤيا 14: 3)


ربوبية المسيح

النبوة: "عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم. طيبوا قلب أورشليم ونادوها بأن جهادها قد كمل إن إثمها قد عفي عنه أنها قد قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها. صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب. قوموا القفر سبيلاً لإلهنا. كل وطاء يرتفع وكل جبل وأكمة ينخفض ويصير المعوج مستقيماً والعراقيب سهلاً. فيعلن مجد الرب ويراه كل بشر معاً لأن فم الرب تكلم” (أشعياء 40: 1- 5).

الإتمام: "في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية. فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالاردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا كما هو مكتوب في سفر أقوال أشعياء النبي القائل صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة. كل واد يمتلىء وكل جبل وأكمة ينخفض وتصير المعوجات مستقيمةً والشعاب طرقاً سهلة. ويبصر كل بشر خلاص الله " (لوقا 3: 2- 6 مع متى 3: 1- 5).

التعليق: في النبوة وإتمامها نرى التصريح بربوبية المسيح وإعلان خلاصه في آن واحد. وعلى هذا فهي نبوة مزدوجة يتضح لنا منها ما يأتي:

1- الإرسالية: الإرسالية من الله ليست لأشعياء وحده بل لكل أنبياء الرب، ولكل خدام المسيح لكي يعلنوا التعزية بأنواعها لشعب الله. ولذلك قام أشعياء هذا فعزى جيله حينما رأى يهوذا وأورشليم على وشك الخراب. وعلى هذا النظام النبوي جاء خدام المسيح الأمناء ورسل العهد الجديد فاستخدمهم الروح القدس كمعزين فأعلنوا الناس بالقول المبارك: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يوحنا 1: 29) وبشروا بقوله: “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يوحنا 3: 16). إن نفوس البشر الحزينة تعرض عليها وسائل التعزية وتأبى أحياناً أن تتعزى ولذلك قال الله بفم النبي "عزوا عزوا شعبي" وهذا القول مسوق إلى أورشليم رأساً بنوع خاص لأن النبي قال "طيبوا قلب أورشليم" في ظل ملكها وربها.

2- المناداة: نادوها بصوت عال لتتعزى قلوب قديسيها، ولتسقط أحشاء منجسيها، وقولوا لها أن جهادها قد كمل وإثمها قد عفي عنه قولوا لشعب أورشليم أن إثمهم قد انتهى وأن الله صالحهم لنفسه وأن صوت المسيح دائماً يناديهم ويقول لكل منهم: ثق يا بني مغفورة لك خطاياك (مرقس 2: 5). وأبان النبي عظم الغفران الذي يناله المؤمنون فقال: “إنها قبلت من يد الرب ضعفين عن كل خطاياها" فعلمنا أنها نالت غفراناً مضاعفاً وتصالحت مع الله وأعطيت سلطاناً جديداً أن يصير بنوها أولاداً لله.

3- الصراخ النبوي: هو يوحنا المعمدان الذي أدى شهادته ودعوته إلى التوبة. فهذه النبوة تشير إلى نعمة الله المعلنة في الرب يسوع المسيح شفقة منه على الخطاة. ولذا فقد حق علينا أن نتأكد أن النبي أشار بصوت الصارخ إلى يوحنا المعمدان. ووظيفة ذلك الصوت هي إعداد طريق الرب وإتمامها.

أ- طلب الصوت أن يعدوا طريق الرب بالتوبة (متى 3: 2-5). وفعلاً أعد يوحنا للرب شعباً مستعداً (لوقا 1: 17). أعدوا طريق الرب بأن تفسحوا مكاناً للإيمان بربوبية المسيح ولاهوته في قلوبكم وأن تقوّموا سبيله في قفر القلوب حتى يخضع الجميع له لأنه هو أعد لنا طريق الخلاص.

ب- تواضعوا بقلوبكم لأن "كل وطاء يرتفع وكل جبل وأكمة ينخفض"، ولا تقبلوا مجداً من بعضكم بل اقبلوه من الإله الواحد الرب يسوع الذي تطلبونه لتخلصوا به من خطاياكم "ليصير المعوج مستقيماً والعراقيب سهلاً"، ولا تصعبوا الطريق وتملأوها من الشعاب والمعوجات والعراقيل والعثرات، لئلا يصيبكم ما ينتظر الرافضين من العقوبات المهلكات.

ج- حينما يتوب الناس ويؤمنون يعلن الرب يسوع المسيح مجده وربوبيته للتائبين، ويأتي العجائب التي لا يقدر عليها يوحنا المعمدان، ويشفي المرضى ويقيم الموتى، ويبرىء الأجساد والأرواح، ويطرد الشياطين وما ماثل ذلك من العجائب التي لا يقدر على فعلها إلا ملك الملوك ورب الأرباب.

د- إن إعلان مجد الرب يسوع يضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت وعلى جميع الأمم في أرجاء العالم كافة فيبصر كل بشر خلاص الله. ولقد ختم الوعد بقوله "لأن فم الرب تكلم" فأعلن أن الرب الذي تكلم هو الرب الذي ينجز وعده. وقد تم هذا كله في المسيح وبالمسيح.


المسيح الراعي الصالح القدير

النبوة: "هوذا السيد الرب بقوة يأتي وذراعه تحكم له. هوذا أجرته معه وعملته قدامه. كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها ويقود المرضعات” (أشعياء 40: 9-11).

الإتمام: "أنا هو الباب. إن دخل بي أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى. السارق لا يأتي إلا ليسرق ويذبح ويهلك. وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل. أنا هو الراعي الصالح. والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف... أما أنا فإني الراعي الصالح وأعرف خاصتي وخاصتي تعرفني كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب. وأنا أضع نفسي عن الخراف. ولي خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراع واحد” (يوحنا 10: 9- 16).

التعليق: تؤكد لنا هذه النبوة أن المسيح هو الراعي الصالح القدير. فإذا سألنا من الآتي؟ فجواب النبوة الصريح "هوذا السيد الرب بقوة يأتي": بالرئاسة الراعوية يأتي، بيد قوية يأتي، وحين إتيانه يُقاوَم كثيراً ولكنه يتغلب على كل مقاومة، ويُخضع شعبه لنفسه إخضاعاً تاماً، ويغلب أعداءه وأعداءهم، ويسحق الصعوبات التي تتصدى له، لأنه هو رب القوة والراعي الصالح القدير، ولأن أحوال شعبه تحتاج إلى قوته ورعايته لأنهم محاطون بقوات الشيطان، ولا يمكن أن يخلصهم إلا الذي هو أقوى من جميع الشياطين ومن كل قوات السموات والأرض. فالمسيح أقوى من كل قوة "وذراعه تحكم له"، ولمجده. فيدخل القمح إلى مخزنه وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ لأنه هو الراعي الصالح والقاضي العادل المنجي الطائعين والمهلك الرافضين العاصين. فهو يحافظ على رعيته الطائعين الذين صاروا ملكاً له واشتراهم بدمه كما حافظ يعقوب على قطعانه التي صارت ملكاً له جزاء أتعاب خدمته "وعملته قدامه" هي عمله الفدائي العظيم الذي قام به لأجل البشر عموماً والمؤمنين به خصوصاً. فهو بعمله خلاص ونور لشعبه (راجع مزمور 80: 1- 3).

وقد صرح المسيح رب المجد بأن النبوة تمت به وفيه ذاتياً بقوله أنه هو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يوحنا 10: 11)، ويقود قطيعه ويرعاهم بيد الشفقة والرحمة والمحبة. فيرى قطيعه منه كل لطف وحنان، وينالون به الحياة الأبدية. فكلامه هو طعام قطيعه الروحي، وتعاليمه الحيوية هي المراعي الخضراء التي يرعاهم فيها، وخدامه الأمناء هم الرعاة الثانويون وأعوان رعايته يعيّنهم عليها تعييناً لأنه هو رئيسهم الأكبر. ويعتني بالحملان الضعيفة- التي لا تقدر العناية بنفسها- بكيفية لا يقدر أعوانه عليها، وذلك لعدم قدرة الحملان الصغيرة الضعيفة على احتمال أنواع صعوبات هذا العالم. ويحمل حملان النعاج المرضعات على ذراعيه ليقودها وراءه ليثبت الجميع في طريقهم إلى السماء. يجمعهم بيد قوية فتكمل قوته في ضعفاتهم فلا يحتاجون إلى شيء ما دامت قوته لهم (2كو 12: 9).


المسيح هو المتواضع المختار

النبوة: "هوذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت به نفسي". وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم. لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفىء إلى الأمان يخرج الحق. لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض وتنتظر الجزائر شريعته” (أشعياء 42: 1-4).

الإتمام: "فلما خرج الفريسيون تشاوروا عليه لكي يهلكوه. فعلم يسوع وانصرف من هناك. وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعاً. وأوصاهم أن لا يظهروه. لكي يتم ما قيل بأشعياء النبي القائل: هوذا فتاي الذي اخترته. حبيبي الذي سرت به نفسي. أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق. لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفىء. حتى يخرج الحق إلى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الأمم” (متى 12: 14-21).

التعليق: في النبوة وإتمامها دعي المسيح "عبد الرب". ولمنع الإلتباس نقول أن هذه الكلمة "عبد الرب" عامة لا خاصة ولا تتعين إلا بالقرينة. ولذلك رأينا ما يأتي:

1- عبد الرب المذكور في إش 42: 19 هو الشعب المختار الذي أصيب بالعمى الروحي في عصر أشعياء الذي قال عنه "من هو أعمى إلا عبدي؟" وذلك لعصيان الشعب على الله.

2- عبد الرب المذكور في إش 41: 8و9 و44: 1و2 و21 هم المختارون من شعب الله.

3-  عبد الرب المذكور في هذه النبوة وإتمامها هو المسيح بالذات (كما في أشعياء 49: 1- 9 و50: 4- 10 و52: 13 و53: 12). وقد دعي المسيح هنا بالعبرانية "عبد الرب" كما دعي باليونانية في ذات الموضع "فتى الرب" وكلاهما دال على التواضع لأن المسيح- وهو ابن الله ابن الله الأزلي بلا بداية([2])، ورَبّ الْمَجْد أزلا وأبداً- تنازل مختاراً بتواضع عجيب إلى أن صار عبداً وهو السيد لأجل خيرنا حتى اتخذ بولس الرسول هذا التنازل المدهش أقوى مثال بقوله: “فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضاً الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في إلهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة... ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب” (فيليبي 2: 5- 11).

وإذا قال معترض: إذا كان عبد الرب هو عموم الشعب فكيف يكون عبد الرب هو المختارين؟ وإذا كان هو المختارين فكيف يكون هو المسيح بالذات. ألا يدل هذا على منافاة ظاهرة؟ فلهذا المعترض وأمثاله نقول: أنه لا منافاة البتة بين المعاني الثلاثة لأن المسيح هو رأس شعب الله (الكنيسة) التي هي متحدة به ممتزجة فيه كجسد واحد. فمثلاً: المسيح نور العالم (أش 42: 6 ويو 8: 12) والكنيسة كذلك نور العالم (متى5: 14- 16)، المسيح مهان النفس مكروه الأمة عبد المتسلطين (أش 49: 7) والكنيسة كذلك مضطهدة مهانة كقول المسيح "سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدّم خدمة لله” (يو 16: 2)، وكما هو ظاهر من سفر أعمال الرسل كله ومن تاريخ الكنيسة. وأما إذا وجدنا وصفاً لا يوافق مقام المسيح وقداسته كأعمى وأصم وغيرهما فمن المؤكد أن الروح القدس قصد بهذا عموم الشعب حال سقوطه لا المسيح ولا مختاريه. فافهموا ترشدوا.

الحكمة الإلهية رأت أن كل البشر لا يليقون لخلاص بعضهم بعضاً. فاختارت حكمة الله أن يتجسد الرب يسوع المسيح لخلاص العالم ولذلك سرت به نفس الله أبيه ووضع روحه عليه ليخبر الأمم بحق الخلاص بالهدوء والسلام لأنه "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته " ولأنه وديع متواضع القلب محب للسلام مبغض للأمجاد العالمية فلم يجادل ولم يأذن لتابعيه بالجدل، ولم يفتخر ولم يأذن لتابعيه بالافتخار. ولذا جاء مخالفاً لنزوات رؤوس رؤساء شريعة موسى صابراً على القصبة المرضوضة حتى تقوى وعلى الفتيلة الخامدة حتى تنير مخرجاً الحق بعمله الساكت الهادىء إلى النصرة. وبما أنه تواضع مختاراً فقد علمنا بهذا أنه هو وحده رجاء الأمم من أقصى الأرض إلى اقصائها، وعليه فلا عجب إذا كانت الكلمة "عبدي الذي اخترته الخ" تفيد أنه الابن الأزلي الأبدي القيوم.


المسيح المهان

النبوة: "بذلت ظهري للضاربين وخدّيّ للناتفين. وجهي لم استر عن العار والبصق” (أشعياء 50: 6).

الإتمام: "حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه. وآخرون لطموه قائلين تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك” (متى 26: 67و68) "ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام كان واقفاً قائلاً: أهكذا تجاوب رئيس الكهنة؟ أجابه يسوع إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي وأن حسناً فلماذا تضربني؟” (يوحنا 18: 22و23) " فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده. وضفر العسكر إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه ثوب أرجوان. وكانوا يقولون السلام يا ملك اليهود وكانوا يلطمونه” (يوحنا 19: 1-3).

التعليق: رَبّ الْمَجْد يسوع المسيح أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، ووضع نفسه فدية عن البشر. وبتنازله العجيب وقعت عليه كل أنواع الآلام التي هي منتهى ما يتصوره عقل عاقل. فلم يخضع للجلد الروماني باذلاً ظهره للضاربين فقط بل قبله مختاراً وسلم باحتمال هذه الآلام بلا خزي ولا خجل لأنه بريء من الخطية ولم يتجسد إلا لهذا القصد.

"وخدّي للناتفين. وجهي لم أستر عن العار والبصق"، هذا هو الأمر الذي زاد في آلام الفادي لأن الاعتداء عليه ظلماً لا يستبعد على الأشرار الذين يريدون أن يوقعوا منتهى الإهانات والآلام على شخص شريف وقدوس سماوي لعدم موافقته إياهم على شرورهم. فقول النبوة "وخدّي للناتفين" دليل على أنهم لا يتركون شيئاً من أنواع التحقير إلا ويوقعونه بالمسيح حتى أنهم نتفوا شعور وجهه الكريم ولو لم يذكر ذلك البشيرون تفصيلاً. ولم يرد المسيح أن يدافع عن نفسه (مع قدرته الفائقة) لأنه جاء في النبوات كان رجلاً مهاناً محتقراً رجل أوجاع مخذولاً من الناس كما هو ظاهر من آلام المسيح المذكورة في البشائر.

آلام الفادي ولماذا؟

النبوة: “مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟  نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْق مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَهُ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أنه قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أنه ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟  وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أنه لَمْ يَعْمَلْ ظُلْمًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ.  مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا.  لِذلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أنه سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ” (أشعياء 53: 1- 12).

الإتمام: "ثم إن ملاك الرب كلم فيلبس... فقام وذهب. وإذا رجل حبشي وزير لكنداكة ملكة الحبشة كان على جميع خزائنها... وكان راجعاً وجالساً على مركبته وهو يقرأ النبي أشعياء. فقال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة. فبادر اليه فيلبس وسمعه يقرأ النبي أشعياء فقال ألعلك تفهم ما أنت تقرأ؟ فقال كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد؟ وطلب إلى فيلبس أن يصعد ويجلس معه. وأما فصل الكتاب الذي كان يقرأ فكان هذا: مثل شاة سيق إلى الذبح ومثل خروف صامت أما الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه. في تواضعه انتزع قضاؤه وجيله من يخبر به لأن حياته تنتزع من الأرض؟ فأجاب الخصي فيلبس وقال أطلب إليك. عن من يقول النبي هذا؟... ففتح فيلبس فاه وابتدأ من هذا الكتاب فبشره بيسوع” (أعمال 8: 26-35).

التعليق: تكلم النبي هنا بنبوة إنجيلية صريحة في هذا الفصل عن الخلاص الذي تممه الفادي بذاته لجميع البشر. وفهم اليهود قديماً أن هذه النبوة صريحة عن المسيح الآتي ولكن اليهود المتأخرين انكروا وقوعها على المسيح نظراً لما فيها من الإهانات والآلام والموت ورفضوا الحق الواضح وقالوا أن هذه النبوة تمت في إرميا!

في الإتمام المذكور في سفر أعمال الرسل أن وزير مالية الحبشة سأل فيلبس: عمن يقول النبي هذا؟ عن نفسه أم عن واحد آخر؟ فأخبره أنه يقول عن يسوع المسيح. ففي مقدمة هذه النبوة نلاحظ تسمية المسيح "عبد الله " كخادم لعهد الفداء عامل لإتمام مشيئة الله ولخير ملكوته الأقدس مع أنه هو ابن الله خالق الكل وضابط الكل. إلا أنه بتجسده أخذ صورة عبد.

في الأصحاح 11 من أشعياء عن المسيح أنه يحل عليه روح الحكمة والفهم. وفي مقدمة هذه النبوة قوله: "هوذا عبدي يعقل يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً" (أش 52: 13). وهذا القول مبهم القصد في ذاته ولكن يفسره لنا قول الرسول بولس: “لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين... بل نتكلم بحكمة الله في سر. الحكمة المكتومة التي سبق الله فعيّنها قبل الدهور لمجدنا. التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لأن لو عرفوا لما صلبوا رَبّ الْمَجْد” (1كو 2: 6- 8). ولقد مارس المسيح أعماله على الأرض بحكمة كلية حتى تعجب الكل منه. ففي الجملة الواحدة في إش 52: 13 ذكر النبي تواضع المسيح وعبوديته، وارتقاءه وتعاليه، في آن واحد. وكما اندهش منه كثيرون فقد احتقره كثيرون أيضاً: أعني أن المختارين من الله اندهشوا من أعماله قائلين: "ما رأينا مثل هذا قط” (مرقس 2: 12) "لم يتكلم قط انسان هكذا مثل هذا الإنسان” (يوحنا 7: 46) "وأنه عمل كل شيء حسناً. جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون” (مرقس 7: 37) "كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة” (متى 7: 29) "نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم” (يو 4: 42) حال كون الرافضين المرفوضين الذين أحبوا مجد أنفسهم كانوا قائمين على قدم وساق دائبين على احتقاره ناسبين أعماله إلى بعلزلول قائلين أنه سامري وبه شيطان مقاطعين للذين يعترفون أنه هو المسيح الآتي لخلاص العالم. فتمت في المسيح النبوة القائلة: “أما أنا فدودة لا إنسان (مزمور 22: 6). ولكن أباه رفّعه لأنه وهو في مجد لاهوته وضع نفسه. ففي هذه المقدمة ثلاث كلمات "يعقل" "يرتقي" "يتسامى جداً". فالأولى تدل على امتلائه بروح الحكمة والفهم، والثانية تدل على تصرفه الحكيم الذي جعل الناس يشهدون برقيه عن المستوى البشري في كل أعماله، والثالثة تدل على تساميه عن جميع المخلوقات أي رجوعه بعد الفداء إلى مجده الأصلي الأسمى الذي كان له من قبل انشاء العالم (يوحنا 17: 5). فالمسيح، بناء على هذه النبوة، لا بد أن تتعبد له جميع الأمم كقوله: “وينضح أمماً كثيرة" فهو لا ينضح اليهود فقط بل أن دم الرش الذي هو أفضل من دم هابيل سيرش عليهم ويطهرهم جميعاً.

إن تعليم موسى هطل كالمطر وقطر كالندى على بني يعقوب فقط (كما في تثنية 32: 2). وأما تعليم المسيح فقد هطل على كل الأمم كقوله المجيد: “فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" (متى 28: 19، مرقس 16: 15). وقد تمت أوامر المسيح فعلاً، وخضع له الجميع، حتى أن الملوك الذين كانوا مقاومين له آمنوا به وسجدوا له وعبدوه وسبحوا باسمه وسدوا أفواههم فلم يعودوا يعترضون على تعاليمه ولا على ديانته. وقد تنبأ أشعياء (في أصحاح 49: 7) أنه ينظر إليه ملوك فيقومون ورؤساء فيسجدون. والسر الذي كان مكتوماً منذ الدهور ظهر في المسيح لجميع الأمم (رومية 16: 25 و26) حتى أن "ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه" فصار واضحاً بالكرازة العامة بالإنجيل (قابل رومية 15: 21). وكما استمرت هذه الأمور في سر قبل إعلانها زماناً طويلاً فكذلك أولئك الذين أعلنت لهم هذه الأمور ظلوا مستترين زماناً طويلاً. وأما الآن فقد رأى الجميع مجد الله مضيئاً في المسيح.

نعم إن أقوال العهد القديم عن لاهوت المسيح ومجده وكل وظائفه كثيرة. ولكن لما أتى المسيح رأى الناس فيه أكثر مما سمعوا أضعافاً كثيرة كما قالت ملكة سبا عن سليمان، وخيّب أفكار اليهود الذين انتظروه ملكاً أرضياً عالمياً لا أكثر، وحقق آمال الأفراد الذين رفع عنهم البرقع فرأوا أكثر مما سمعوا ومما كانوا ينتظرون. فسمعان الشيخ دعاه خلاص الله (لوقا 2: 30) وحنة النبية وغيرها من الذين كانوا ينتظرون فداء في أورشليم عرفوا أنه هو الفادي منذ ولادته (لوقا 2: 36- 38) والسامريون آمنوا وعلموا أنه هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم (يوحنا 4: 42).

"من صدّق خبرنا؟": في ختام 52 من سفر أشعياء تنبأ النبي عن قبول الأمم وملوكهم لإنجيل المسيح، وعن فرحهم به. وأما هنا فالنبي يتنبأ مندهشاً ومستغرباً عدم إيمان اليهود بالمسيح مع معرفتهم التامة بنبوات العهد القديم كلها، ومع كثرة فراءتهم للنبوات الدالة على ارتفاع المسيح واتضاعه وفدائه.

ولقد تم العدد الأول من هذه النبوة فعلاً، وشهد البشير عن هذا الإتمام بقوله: “ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا به. ليتم قول أشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب” (يوحنا 12: 37و38). وأشار الرسول إلى هذا الإتمام متأسفاً من عصيان اليهود بقوله: “لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل. لأن أشعياء يقول: يا رب من صدّق خبرنا” (رومية 10: 16) مع أن صوت الرسل كان قد خرج يومئذ إلى أقاصي المسكونة. كثيرون سمعوا الإنجيل وفهموا قصد الله منه ولكن قليلين هم الذين قبلوا (متى 20: 16). نودي الإنجيل جهراً أيامئذ في كل بلاد اليهود بل وفي كل أنحاء الامبراطورية الرومانية، ولكن لم يؤمن به إلا قليلون من اليهود لأن هؤلاء سبقوا فقتلوا أنبياءهم حيناً فحيناً. فلا عجب إذا كان رؤساء اليهود قد حثوا شعوبهم على رفض المسيح كما روى البشير: “ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع" (متى 27: 20)، وقل من آمن به من الفريسيين. وأما من آمن منهم فقد جبُن عن إظهار إيمانه، كنيقوديمس وأمثاله.

 ولما نادى الرسل بالإنجيل بين الأمم آمن به كثيرون ولكنهم قليلون جداً بالنسبة إلى مجموع الذين سمعوا ولم يؤمنوا حتى أننا نرى في عصرنا الحاضر أن صوت الإنجيل وصل إلى كل زاوية من زوايا العالم ومع ذلك نرى مجموع الرافضين يربو على مجموع الذين آمنوا أضعافاً كثيرة.

من صدّق خبرنا؟ "ولمن استعلنت ذراع الرب": لم يعلم الذين رفضوا الإيمان بالمسيح أن ذراع الرب استعلنت لهم لعماهم الروحي مع أن ذراع الرب ظهرت في معجزاته وعجائب المسيح التي صنعها بقوته الإلهية ولكن اليهود قاوموها وكذبوها ورفضوها بكل ما استطاعوا من قوة. ولما رأوا أن اصبع الله ظاهرة في هذه المعجزات ضللوا عقول تابعيهم بأن نسبوا معجزات المسيح إلى بعلزبول. فلمن استعلنت ذراع الرب؟ أنهم لم يؤمنوا بل هربوا من النور ولذلك شكاهم النبي إلى الله في صلاته النبوية. يا رب "من صدّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب". "نبت قدامه كفرخ وكعرق من أرض يابسة" فظهر كأنه ابن يوسف النجار الذي هو من نسل داود مع أنه كان في حالة الفقر المدقع يومئذ، بل كان نجاراً بسيطاً من نجاري القرى والمزارع الريفية لأنه كان في قرية زراعية بعيدة عن الحضارة وكان أقرباؤه صيادين فجاء المسيح منسوباً إلى تلك البلاد الجافة، إلى الجليل، إلى الناصرة التي حكم اليهود أنها بلدة يابسة لا يخرج منها شيء صالح. إن البذار الواقع على الأرض المحجرة ليس له أصل ولكن المسيح الخارج من الأرض اليابسة هو أصل وذرية داود.

كان اليهود ينتظرون أن يدخل المسيح إلى أورشليم دخول المنتصرين ويطرد منها العدو بالقوة المسلحة فكان انتظارهم عبثاً لأن المسيح نما نمواً روحياً أمام الله لا أمام الناس الذين تخدعهم الظواهر الكاذبة فلم يقبله الناس حينما دعاهم إلى ملكوت الله. وهكذا كان إنجيل المسيح في بداءة أمره كحبة الخردل فلم يعرف إلا بعد أن كبر ونما وتآوت في أغصانه طيور سماء النعمة.

كان اليهود ينتظرون أن يجيء المسيح بأبهة جسدية يبهر جمالها العينين إلا أنه جاء ذا جمال روحي أدبي في حكمته وقداسته وعدالته ومحبته. ولكن اليهود الجسديين لم يعلموا أنه بجمال قداسته أبرع جمالاً من بني البشر ولم يشعروا بانسكاب النعمة على شفتيه (مزمور 45).

ولما ولد موسى كان جميلاً (أعمال 7: 20). ولما مُسح داود وهوصغير كان أشقر مع حلاوة العينين وحسن المنظر (1صم 16: 12). ولكن ربنا يسوع المسيح لم ينسب إليه شيء من الجمال الجسدي لأن الغاية كانت في الجمال الروحي، ولذا قال النبي "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه". وعليه كُرز بالإنجيل بالبساطة الروحية (1كو2: 1- 5).

كان اليهود ينتظرون أن يظهر المسيح بمظاهر البذخ والإسراف والطرب، ويتمتع بكل ما يتلذذ به بنو البشر حتى يستميل إليه قلوب الجميع، ولكن بالعكس ظهر "رجل أوجاع ومختبر الحزن" فوقع باختياره تحت حكم الخطية التي جلبت الأتعاب والفقر والموت على العالم (تك3: 17). فالمسيح كرجل الأوجاع لم يكن له أين يسند رأسه واحتمل لأجلنا حتى النهاية. لم نقرأ عنه مرة واحدة أنه ضحك، ولكن قرأنا عنه أنه بكى. ولذا كتب الوالي (لنتيوس) إلى البلاط الروماني عنه قائلا: “أنه لم ير قط ضحكاً". فلا عجب إذا كان وهو ابن ثلاثين سنة توهم اليهود أنه ابن خمسين سنة (يو8: 57). لقد حمل أحزان الآخرين، وبكى لأجل المساكين كما بكى لأجل أورشليم، فلم ير أولئك الجسديون في المسيح جمالاً جسدياً ليشتهوه حسب أميالهم العالمية. نعم بلغ جمال القداسة في المسيح منتهاه، ذلك الجمال الأدبي الذي جعل المسيح مشتهى كل الأمم مع أنهم كجسديين لم يروا هذا الجمال الروحي ولم يقبلوه: "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة... وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يحكم فيه من أحد” (1كو2: 14و15). ومما لاحظنا على اليهود من عصر المسيح إلى هذا اليوم أن ذوي الأغراض منهم عموا عن الحق فلم يروا جمال ديانة المسيح الروحية بل رفضوه.

"وكمستّرٍ عنه وجوهنا" يقول النبي بلسان الإسرائيليين: لقد حجبت عيوننا عن مجد رَبّ الْمَجْد يسوع المسيح فاحتقرناه لأن برقع الخطية الذي على وجوهنا وتاج الكبرياء الذي على رؤوسنا ومحبة العالم التي في قلوبنا قد سترته عنا وسترتنا عنه. وبما أن المسيح أخذ على عاتقه نصرة العدل الإلهي الذي أهانه الإنسان بالخطية فقد تكرم بإخضاع نفسه واحتمل عنا ما كنا نستحقه من أنواع الاحتقار. وأما المؤمنون الذي رفع الله برقع الجهالة عن أعينهم فقد اتخذوا كل ما احتمله المسيح عنهم من أجل أسباب تعظيمه وعبادته وشكره.

"لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا... والرب وضع عليه إثم جميعنا... على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش".

إن أحزاننا الثقيلة جداً احتملها المسيح ولم يستعف منها بل استمر حاملاً لها إراحة للمتعبين إلى النهاية إلى أن قال "قد أكمل" على الصليب: فاحتمل الجروح والسحق والضرب والذلة والمسكنة بالحزن حتى الموت. استيقظ عليه سيف العدل وضربه، وانصب عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض، فأهين بأشنع الإهانات، وحوكم بأظلم المحاكمات، ومات أشنع الميتات. وذلك بعد أن تقوّلوا عليه بالأقاويل، واتهموه بالتضليل، ولكموه وبصقوا عليه، ونتفوا شعور خديه، وجلدوه بأقسى أنواع الجلد الروماني الوحشي، فملأوا جسمه بالجروح القاتلة. فكل آثامنا وُضعت عليه في ذلك الوقت، وهي التي سحقته إلى الموت على الصليب. لم يستحق المسيح شيئاً من كل هذا الذي وقع عليه، بل نحن المستحقون. نعم أنه ظلم بالظلم الذي يحمق الحكيم (جامعة 7: 7) ويذهب بالرشد، ولكن المسيح امتلك نفسه آنئذ وصمت ولم يفتح فاه كنعجة صامتة أمام جازيها. وقعت عليه الدينونة كمجرم وهو بريء، واشتكلي عليه ظلماً، وطلب المشتكون عليه إطلاق سبيل الثائر القاتل باراباس وصلب يسوع، فأطلق المجرم وعوقب البريء وقطع من أرض الأحياء مع أنه بار أصلاً وفرعاً، قولاً وعملاً وفكراً، ظاهراً وباطناً، وجال في كل أيام حياته يصنع خيراً مع المسيئين إليه، وصلب بين لصين كأنه أكبر منهما جرماً. وقد تبرع المشير يوسف الغني كالرامي للمسيح بقبر جديد عند موته. لما صلب المسيح بين لصين مجرمين كان المنتظر أن يدفن معهما في حفرة واحدة في ذات محل الصلب حسب عادة الرومان، ولكن العناية الإلهية دبرت له المشير الرامي ليدفنه في قبره الجديد إتماماً للنبوة هذه وتمييزاً للفادي البريء عن ذينك اللذين عوقبا باستحقاق. فالذي يعيش هذه العيشة المقدسة ثم يموت موت المجرمين لا بد أن يسأل عنه: كيف حدث هذا له؟ وأي شر عمل؟ لقد ظن أعداؤه المجرمون ظن السوء أنه لم يتعذب إلا على حسب قيمة جرمه (كذا). نعم ظنوا هكذا، حال كونهم لم يقدروا أن يثبتوا عليه ذنباً واحداً أو أن يقيموا حجة أو يشهدوا شهادة على أي شر عمله. ومع كل هذا فقد ساء ظنهم وحسبوه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وبما أنهم أبغضوه واضطهدوه وظنوا جهلاً ولؤماً أن الله عدوه وأنهم يقدمون خدمة لله بقتله فقد تهيجوا عليه غضباً قائلين: "قد اتكل على الله فلينقذه الآن" (متى27: 43). وقد تنبأ المرنم عن أقوالهم بالقول: “أن الله قد تركه. الحقوه وامسكوه لأنه لا منقذ له” (مزمور 71: 11). إن الذين يستحقون الضرب عدلاً يضربون من يد الله الذي هو ديان الجميع ولكن اليهود عملوا وضلوا سواء السبيل فحسبوا المسيح مضروباً من الله زمذلولاً- وهو البريء القدوس- لأنهم شهدوا عليه كذباً ورموه زوراً بالتجديف والضلالات والكفر والعداوة لقيصر. بل أن الذين رأوه معلقاً فوق الصليب لم يستفهموا عن سبب صلبه بل أخذوا إشاعات رؤساء الكهنة قضية مسلّمة وظنوا فيه كل ما نسب إليه وأنه مستحق لهذا الانتقام. وهكذا أصحاب أيوب فإنهم حسبوه مضروباً من الله لشناعة قروحه وشدة آلامه فوق المنتظر لتقي مثله. نعم إن الرب سر بأن يسحق الفادي بالحزن ولكن ليس للسبب الذي فتكره اليهود بل لأنه "جعل نفسه ذبيحة إثم" ولأنه كان "كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه" وهو البار القدوس. ولقد اتهموه أنه مضل وغاش "على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش” (راجع 1بط 2: 22). ومع أنه لم يخطىء مطلقاً حتى أنه قال في وسط أعدائه "من منكم يبكتني على خطية” (يو 8: 46) وحتى أن بيلاطس الوالي اعترف ببرارته قائلاً "أنا لست أجد فيه علة واحدة" واعترف أيضاً قائد المئة الذي نفذ عليه حكم الصلب قائلاً (كان هذا الإنسان باراً. كان هذا الإنسان ابن الله) (متى 27: 45 ولو23: 47)، ومع أن المسيح كان قادراً أن يخلص نفسه ويظهر بهتانهم ويهلكهم في الحال فقد صمت لكي يتم ما هو مكتوب "أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟- هذه الوصية قبلتها من أبي- هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (لو24: 26 ويوحنا 10: 18 ويو 1: 29). فصمته يدل على تواضعه وصبره (مز39: 9)، وعلى خضوعه مختاراً ورضاه نفسه بخلاصنا. فهو "من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي” (عب 12: 2). وهو قد تألم نيابة عنا، وتألمه هذا إنما هو أفضل وأتم إكمال لهذه النبوة الصريحة. فالله قد عيّنه ليحمل إثم جميعنا وليموت متألماً بالنيابة عن الخطاة المساكين، لأن الله دبر بحكمته الفائقة طريق خلاصنا وكيفية مصالحتنا معه تعإلى مع المحافظة على قداسته وعدله ومجده. فالمسيح قدم نفسه ذبيحة إثم لأنه قدوس لم يعرف الخطية ولكنه صار خطية لنصير نحن بر الله فيه (2كو 5: 21). وذبيحته هذه هي كفارة عن العالم أجمع (1يو 2: 2)، ولذا قال النبي "إثم جميعنا" ولم يقل (إثم جماعة منا). والذين يتبررون لا يتبررون إلا بوضع خطاياهم على المسيح لأنه لا يقدر على حمل خطايا العالم إلا هو، دون سواه. وبما أنه أخذ عهد وفاء ديوننا الأدبية والروحية على عاهله فقد كان من الضروري أن يعاني آلام القصاص نيابة عنا كقول الحكيم "ضرراً يضر من يضمن غريباً” (أمثال 11: 15). لم يرد المسيح القدوس أن يشترك أحد من البشر الخطاة معه في آلامه الفدائية ولذلك قال للذين قبضوا عليه: “إن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون” (يو 18: 8) مشيراً إلى تلاميذه الذين كانوا حوله ساعتئذ. ثم أسلم نفسه مختاراً لتكون مسؤوليته ثابتة لا تتزعزع أمام عهد وفاء الديون عنا. فخطايانا المرة هي التي آلمته، وهي الشوك الذي كان على رأسه، وهي المسامير التي خرقت يديه ورجليه، وهي الحربة التي طعننت جنبه فخرج منه دم وماء، وهي الجلدة التي جلد بها عارياً، هي السحق الذي وقع عليه. ولولا احتماله كل هذه الآلام حتى موت الصليب ما شفينا من خطايانا. ولتحقيق هذه النبوة اقرأوا "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم” (1بطرس 2: 24) "فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب” (1كو 15: 3) "وهذا أخذتمون مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه" (أعمال 2: 23).

وهذا هو الإتمام الواضح في العهد الجديد. فكل ما وقع على المسيح إنما وقع عليه لسلامنا ولسلام العالم أجمع.

"تأديب سلامنا عليه" أنه بخضوعه لكل أنواع الآلام والعذاب قتل العداوة التي كانت بيننا وبين الله: "عاملاً الصلح بدم صليبه" (كولوسي 1: 20). وكما كنا بالخطية أعداء لعدل الله وقداسته قد صالحنا بالمسيح نفسه فغفر لنا خطايانا وخلصنا منها وأوجد لنا شركة معه "لأنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين واحداً” (أفسس 2: 14). وبعد أن قاسى المسيح ما قاساه "قُطع من أرض الأحياء" فمات وقبر وأخذ من الضغطة ومن الدينونة فقام من بين الأموات وخرج من سجن قبره منتصراً على الخطية والموت ولا يسود عليه الموت بعد لأنه قد أكمل الحكم الذي حكم به عليه. وخروجه من سجن قبره كان بأمره السماوي وقوته الإلهية كما قال عن نفسه "لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً" (يو 10: 18)، ونزل ملاك من السماء فدحرج الحجر عن فم القبر، وشهد للذاهبين إلى القبر من الرسل وللمريمات بقيامة المسيح. وكل ما حدث حدث لتعزيتنا لأن المسيح أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا بقوة لاهوته فلم يكن للموت سلطان عليه لأنه هو الأول والآخر والحي وكان ميتاً وها هو حي إلى أبد الآباد.

"أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح. من تعب نفسه يرى وبشبع. وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة من أجل أنه سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين ".

إن المسيح كفادٍ خضع للمشيئة الإلهية فلم يعارضها بل استيقظ سيف العدل واحتمل ضربته (زكريا 13: 7). وهكذا شرب المسيح كأسه المرة (يوحنا 18: 11) فتم كل شيء وظهر مجد الله فزاد عدد المؤمنين به (تث 1: 11) وازداد نسله الروحي وسيزداد إلى الأبد. ولذلك باد ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس وتبرر المؤمنون بالمسيح لأنه حمل آثامهم وملك عليهم فصاروا له غنيمة لأنه سكب للموت نفسه وأُحصي مع أثمة (راجع فيليبي 2: 8-11). وبما أنه الفادي فهو الشفيع وحده للمذنبين (1تي 2: 5و6، لوقا 23: 43) لأن هذا هو صوت الحياة الذي يشفع فينا كل حين ولأن تأثير كفارته التي اشترى بها حقوق الشفاعة كله باق مستمر إلى الأبد وستتم مسرة الله بخلاص المختارين بواسطة عمل كفارة المسيح الفعال لأن مسرة الرب بيده تنجح.


مسحة المسيح للكرازة والفداء

النبوة: "روح السيد الرب عليّ لأن الرب مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأعصب منكسري القلب لأنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. لأنادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لإلهنا لأعزي كل النائحين. لأجعل لنائحي صهيون لأعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد ودهن فرح عوضاً عن النوح ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة فيدعون أشجار البر غرس الرب للتمجيد” (أشعياء 61: 1- 3).

الإتمام: "ورجع يسوع بقوة الروح إلى الجليل... وجاء إلى الناصرة حيث كان قد تربى. ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ. فدفع إليه سفر أشعياء النبي. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوباً فيه روح الرب عليّ لأنه مسحني لأبشر المساكين أرسلني لأشفي المنكسري القلوب لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر وأرسل المنسحقين في الحرية وأكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه إلى الخادم وجلس... فابتدأ يقول لهم أنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم. وكان الجميع... يتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه" (لوقا 4: 14- 22).

التعليق: فسّر المسيح هذه النبوة وأخبرنا أنها تمت فيه في مجمع الناصرة. فهو لم بتعرض للقراءة في مجمع اليهود إلا في اليوم الذي كان معيناً لقراءة هذه النبوة. وبعد أن قرأها قال لهم "اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم" وكانت كلمات النعمة في تفسيره سبباً عظيماً في شهادة الجميع له وتعجبهم مما سمعوه. وكما نادى أشعياء بتحرير اليهود من أسر البابليين قبل حدوثه، هكذا نادى المسيح المظهر الإلهي الأعظم بسنة يوبيل مقبولة للرب في كل العالم المحكوم عليه بالهلاك. وامامنا من الإيضاحات ما يأتي:

تخصيص المسيح:

إن تخصيص المسيح لهذا العمل واضح من أول أعداد هذه النبوة: "روح السيد الرب عليّ". فقد كان الروح القدس يعلم الأنبياء ما يقولون أحياناً، وأما المسيح فكان الروح حالاً عليه دائماً. وقد رأينا في أشعياء ص 11 أن هذا الروح هو روح المشورة والقوة، ورأينا في متى 3: 16 أن هذا الروح نزل على المسيح يوم عماده واستقر عليه أمام الناس. وأن هذا هو ذات الروح الذي أعطاه المسيح لتلاميذه حينما أرسلهم للكرازة.

تعيين المسيح:

تعيين المسيح ظاهر من قوله: “لأنه مسحني" لأن مسحته أزلية ولكنها أعلنت لعمل الفداء (كما نرى في أمثال 8: 22- 30). وهذا الأمر لم يكن مكشوفاً عند الناس إلا بعد أن أعلنته النبوات وبعد أن أعلن إتمامه الإنجيل. فالمسيح له المجد مسح بالروح القدس على ملأ من الذين تجمهروا على شاطىء الأردن ليعتمدوا من يوحنا المعمدان وسمعوا النداء من السماء "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (متى 3: 17). فهو مسح وأفرز لوظيفته الفدائية الخاصة ولهذا لقب بهذا اللقب دون غيره "المسيح" بأل العهدية لأنه مسح بزيت الابتهاج (مز 45: 6و7) ولما اتضح هذا للنبي قال "لأنه أرسلني" إعلاناً أنه عامل مشيئة الآب دائماً.

عمل المسيح:

عمل المسيح هو 1-  أنه يكون مبشراً ببشارة الخلاص للساقطين المساكين بالروح 2-  أنه يكون شافياً لكونه جاء ليعصب منكسري القلوب من ثقل الخطايا وليعزيهم بصوته الحنون "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين" (متى 11: 28) لأنه الفادي 3- أنه يكون منقذاً ولذلك أرسل كنبي للبشارة والكرازة، وككاهن للشفاء، وكملك للإنقاذ. ولكنه ينقذ اللاجئين إليه على نوعين:

النوع الأول: إعلانه السلام لأحبائه ولأنه ينادي للمسبيين بالعتق لأنه ابن الله ويعمل بروح الله. وهذا النوع هو الذي قال عنه المسيح "سنة الرب المقبولة" لإبراء الناس من خطاياهم "وتعرفون الحق والحق يحرركم".

النوع الثاني: هو أن الذين ينقذهم المسيح من سبي الخطية ينقذهم من ناموس الطبيعة القائل: "احفظ نفسك" ويحول قلوبهم وأفكارهم إلى ناموس النعمة القائل "ابذل نفسك" ويفرض عليهم العمل لأجل الآخرين. ولقد حذرتنا هذه النبوة من التهاون بأوامر المسيح لئلا يصيبنا الانتقام في اليوم الأخير لأنه سينادي بيوم انتقام لإلهنا ضد الرافضين الذين لا يؤمنون (متى 24: 29- 41).

[1] - انظر الباب التاسع في معنى النبوة.

[2] - انظر الباب التاسع الفصل الأول حيث تكلمنا عن مقام الابن واثبتنا بالأدلة الظاهرة أن ابن الله هو الله تأييداً وإعلاناً للاهوت المسيح.