عقائد

عظة للقس جودنر منشئ مجلة الشرق والغرب

القسم: رب المجد.

تذييل

إن موضوع هذا الخطاب حق قديم العهد أردت أن أبسّطه في أسلوب حديث لأن الخادم الأمين يستطيع استخراج الأشياء القديمة والجديدة من كنوز الله لا سيما هذا الكنز الذي نحن بصدده. وإننا نجرؤ على القول أنه إذا لم يستطع الإنسان أن يكتب عن هذا الموضوع لحد ما في أسلوب جديد فخير له أن يتنحى عن ذلك بتاتاً. وها نحن الآن نقدم على ولوج هذا الباب باسم الله. ورغبة في الإيضاح أتكلم عن خمس نقط:

1- إن هذه الرسالة المعلنة لاهوت المسيح قد تأيّدت بالنجاح في كل العصور.

2- إن هذا التعليم قد سلّمه المسيح إلى أتباعه المفوّضين وهو صادر عنه شخصياً.

3- إن إدراك أولئك الأتباع والأنصار لهذا التعليم كان تدريجياً وقد أقبلوا عليه كتلاميذ أو طالبي تعليم ولكنهم أدركوه تماماً في نهاية الأمر.

4- وهذه هي الحال مع طلاّبه وتلاميذه في هذا العصر- التعليم تدريجي ولكنه مدرك تماماً في نهاية الأمر.

5- شهادتنا نحو هذا التعليم.

 

1- لقد تأيّد بالدليل ليس في هذه الأيام فقط بل في كل الأجيال منذ عشرين قرناً أن الخلاص جاء إلى العالم بواسطة اسم يسوع الذي هو المسيح، الملك الممسوح العام لجميع الناس.وهذا الاختبار ليس نظرياً ويرجع عهده إلى القرن الأول المسيحي. فكم من أناس أطلقوا على أنفسهم أسماء مختلفة قد عارضوا هذا التعليم وقاوموه مقاومة عنيفة وحسبوه عسيراً أو محالاً أو تجديفاً، ولكن رغماً عن كل ذلك أصبحت هذه الرسالة التي كانت قد طبعت بطابع الاستحالة والعسر والتجديف ينبوع إلهام لملايين من القديسين والشهداء ورسل النور ودعاة الخلاص، ورفعت الإنسانية إلى أسمة مستوى في كل العصور والأقطار.

تعرف الشجرة من ثمارها. فهل من المعقول أن يصدر مثل هذا التعليم المنطوي على القداسة، والمحبة، وتضحية الحياة، وتجديدها إلى شبه الله، من مصدر التجديف؟ أنا أقول أن هذا غير معقول. لقد وجد الرجال والنساء في كل طبقة من طبقات إلهيئة، أغنياء كانوا أو فقراء، إن تكريسهم لذواتهم إنما لأجل المسيح الحي وأنه في نظرهم لأعظم من مجرد شخص من أشخاص الماضي. بل هو معطي الحياة للجميع وهو على اتصال حي بهم وهم في وحدة معه. نعم قد رأوا وشعروا وشهدوا أنه ما من شخص بشري يستطيع اتخاذ الموقف الذي اتخذه المسيح إزاء البشرية فصرخوا بصوت واحد قائلين: “مسيح الله واحد مع الله. والذي هو واحد مع الله هو الله. أنت هو ملك المجد أيها المسيح ".

2- وهذا التعليم الذي أيّده اختبار الملايين في كل العصور والأقاليم يمكن تتبع آثاره بكل سهولة حتى نصل إلى الفئة الأولى من الرجال والنساء الذين كانوا على اتصال مباشر بيسوع المسيح نفسه.وقد بلغت شهادتهم أقصى حدودها كما تعلمون في صراخهم القائل "ربي وإلهي ". فإن الروح الذي أيقظهم- روح القداسة الذي سما بهم إلى أعلى مستوى في القداسة البشرية والجمال البشري دفعهم إلى أن يصرخوا قائلين: " يسوع هو الرب". ولم ينبعث هذا الصراخ من جمهور هائج متعصّب بل كان نتيجة عبادة شخصية وتكريس نفسي لم يشاءوا إظهارهما إزاء نبي آخر ولا لأي بطل من أبطال الماضي. ولو اندمج موسى وسقراط وكنفوشيوس وكل رجل صالح من رجال الماضي وصاروا كلهم شخصاً واحداً لما كان من المستطاع أن يقدم لهم مثل هذه العبادة وهذا التكريس ولتعذر عليهم فهم حقيقية شخص مثل هذا متى نظروا إليه من المستوى البشري المجرّد. وقد أيّد الله نفسه المطلب الذي طلبه هو والمطالب التي تشبثوا بها هم لأن الله لما أقامه من الأموات مجّده ورفعه إلى العرش الإلهي في سماء السماوات.

3- وهذه الدروس العجيبة لم يتعلّموها في يوم واحد ولم تشرق شمس هذا الإيمان في رابعة النهار دفعة واحدة بل قد تقدّمها بزوغ الفجر ونور الشروق فتلقّنوها تدريجاً وقد كان هذا التدرّج من الأمور الطبيعية. ولكن هذا الإيمان لم يبدأ إلا بدعوته إياهم أن يتبعوه بأبسط الوسائل الممكنة وأن يتبعوه كتلاميذ فدخلوا مدرسة المسيح وهناك درسوا كلماته وشهدوا أعماله وكانوا على اتصال يومي بروحي. فلم يتلقوا كلماته فقط بل تشبّعت نفوسهم أيضاً بسكناته ونظرات وجهه ونبرات صوته وحركات يديه فنمت غيرتهم علىمرّ الأيام والأسابيع والأشهر حتى استفزتهم أن يقولوا أمثال هذه العبارات: “لم يتكلم أحد بمثل ما تكلم به هذا الإنسان "- " ترى من يكون هذا الإنسان؟ ". ولما اصطدموا بموته وأفاقوا من هذه الصدمة وجدوا في موته معنى سامياً وقدراً كبيراً أكثر مما كانوا يجدون لو لم يمت.ولما وقفوا تجاه ذكرى الصليب تلقّنوا ذلك المعنى الأبدي لأنهم شعروا أن المعلّق على الصليب ليس مجرّد إنسان بشري، عظيماً كان أو حقيراً. ولو كان سقراط قد علّق على ذلك الصليب لما أدركوا في موته ذلك المعنى الذي أدركوه من موت المسيح. وهذا الإيمان قد تأيّد وازدان بتاج القيامة لما قام ذلك المصلوب وسار إلى العالم غير المنظور تاركاً إياهم كما هم وأن يكونوا بد تبّدلوا وتغيّروا. تذكّروا أنهم كثيراً ما سمعوا منه دروساً عن هذا الحق العظيم، وتذكروا ذلك المثل الذي شرح لهم فيه أنه هو أعظم من كل الأنبياء.ويعلم سكان هذه البلاد الشيء الكثير عن الأنبياء وقيمة كلمة " نبي ". فما هو إذاً معنى ذلك المثل؟- يضع كل الأنبياء حتى أعظمهم قدراً في مرتبة واحدة، ثم يأخذ يسوع المسيح نفسه ويضعه في مرتبة ابن الآب الوحيد.وفي ذاك المثل ما يكفي لأن ينزع كل شك سخيف قد يوسوس لهم قائلاً- إن يسوع المسيح أسمى جميع الناس ليس إلا.

ثم تذكروا أنه قال لهم مرة أخرى: “أنا والآب واحد "، فابتدأ اليهود أن يقولوا له: “أنت تجعل نفسك الله "، فمرّ على هذا الاعتراض مرّ الكرام صامتاً ولم يشأ شكمهم. وقد رأوا أيضا أن الابن والآب واحد لأنهم كانوا يعلمون أن للابن علاقة جوهرية سرية بالآب إذ كانوا يعرفون المعنى العبري لكلمة " ابن " والتي فهموا منها شيئاً عن " الوحدة الروحية " و" الصلة الضرورية " " وكمال الظهور " فكأن " ابن " يعني صورة الله.

والأمر الغريب أن اعتقادهم هكذا في المسيح لم يعتد على اعتقادهم بالوحدانية، وقد كان أولئك القوم من أشد المتمسكين بوحدانية الله. فهذا الإيمان الجديد بالمسيح لم ينقض اعتقادهم بهذه الوحدانية، بل وجدوا أن الإيمان الجديد قد زيّن معتقدهم القديم وأغناه فأدركوا من معرفتهم للمسيح أن في الجوهر الواحد الإلهية الأبدي محباً ومحبوباً وروح المحبة، وأن المحبوب قد أرسل بدافع محبة المحب فصار الكلمة جسداً وأحنوا الرؤوس أمامه.

4- ولن تسر هذه الحال في تلك الأيام بل في أيامنا هذه أيضاً حيث نرى أن تقدم كل نفس نحو الإيمان بلاهوت المسيح يسير عادة بالتدريج. غير أني أقول أن الأولاد يدركون هذه الحقيقة قبل أن تشرحها لهم. ولقد اختبرت هذا الأمر في أولادي وغيرهم، وأيقنت أنه قبل أن نشرح للولد الأمور اللاهوتية يدرك حالاً أنه لافرق جوهري بين المسيح والله. فالمسيح في مرتبة الله، وهو الذي أعلن الله. والطفل يدرك هذا الأمر، ولكن الرجل البالغ الذي يحسب مثل هذا التعليم غريباً وتجديفاً، أو الذي تلطخت نفسه بخطايا العالم، إنما يدرك هذا التعليم بأسلوب تدريجي كما أدركه التلاميذ الأولون. وهو لا يدركها كقضية لاهوتية بل تدريجاً بنفس الطريقة التي أدركها بها ملايين كثيرة. وإني أصرّح في هذا المقام أنه متى نظرنا إلى هذا التعليم أو أية قضية لاهوتية أخرى من الوجهة العقلية المجرّدة فلا ننتظر فائدة البتة، بل كل قضية لاهوتية مثل هذه لا تمتاز في تأثيرها على النفس البشرية عن أية قضية حسابية.

وإني الآن لا أقرّب تعليم لاهوت المسيح من هذه الوجهة إنما أقرّبه من وجهة الاختبار الذي جدّد ولا يزال يجدّد حياة الكثيرين الذين استشعروه في أنفسهم وحياتهم شخصياً بواسطة تماسهم مع يسوع المسيح. وأن لم يطبق هذا الأمر في يومنا هذا، سواء كان من جهة الأولاد أو من جهة البالغين من الرجال والنساء الذين يقبلون على مدرسة يسوع، فلا أرى قوة فيها لخلاصنا الآن أو مستقبلاً.

وكما خطا التلاميذ قديماً الخطوة الأولى إلى دور التلمذة يستطيع الرجال والنساء في هذه الأيام أن يفعلوا هكذا ويقبلوا على أول دور من أدوار الاختبار ويدرسوا أعماله وكلماته كما درسها أولئك ويهيموا حباً فيه كما هام أولئك ويضعوا فيه إيمانهم كما فعل أولئك فلا يلبثون أن يختبروا ضعف ما اختبروا ويصرخوا كما صرخوا " ربي وإلهي " وروح الله يحدوهم كما حداهم فلا يلبثون أن يقولوا كما قالوا " يسوع هو الرب " أعني أنه أهل لكل طاعة وخضوع، والله وحده أولى بطاعة الإنسان وخضوعه.

واذكروا ثانياً أن هذا الحق جاء بتأثير عظيم في كل العصور الماضية وثالثاً أنه حق عظيم ومحوط بالأسرار. وإذا كان من الصعب الوصول إلى أعماق المحيط الأعظم فمن نحن حتى ندّعي بمقدرتنا على اكتشاف أعماقه ونقول هذا ممكن وذاك غير ممكن وأن الله لا يقدر أن يظهر ملء نفسه في الجسد؟ إن الطبيعة الإلهية لأعظم من أن نصدر إزاءها حكماً مثل هذا. فعلينا أن نحني الركب والرؤوس أمام الطارق السماوي الذي جاء من الأزلية وعاد إلى الأبدية.

5- ما هو مغزى هذا الكلام؟ أما نحن الذين نؤمن بهذه الشهادة وشهادة الرسل وشهادة الأجيال فإننا نؤيّد هذا الإيمان القديم المسلّم لنا وقد اختبرنا الأمر وعرفناه ونربط أيدينا الآن مع أيدي العصور الغابرة، مع بطرس وتوما ويوحنا وبولس، بلا فارق بين الزمان والمكان. وأولئك كلهم قد عاشوا وهم الآن معنا كما أشعر أنكم معي، وأصواتهم ممتزجة بصوتي وأصوات هذا الجمع الحافل، وكلها تشهد لهذه الحقيقة العظمى: أن الله والمسيح واحد، وأن الإله الواحد قد أظهر في الجسد بواسطة يسوع المسيح ربنا، وأنه هو المخلّص الإلهي الوحيد والذات الجامعة الذي يلتصق بحياة كل إنسان في كل الأزمان والأجناس، وهو الذي يجيء بالإنسانية الحية إلى حيث هو أي إلى قلب الله- "عمانوئيل الله معنا".

ونحن الآن ندعوكم ونقول لكم: “تعالوا " واختبروا هذا الأمر العظيم فينفخ فيكم هذا الإيمان ليس كقضية باردة عسرة بل كنتيجة لمجيئكم إليه شخصياً ودرسكم لأقواله وتوبتكم بقلوب منخوسة قد شقّق هو أتلامها وبحبّ هو أحبّكم به أولا.وبعد ذلك لا يقوى شيء على كمّ أفواهكم فتصرخون قائلين " ربنا وإلهنا ". وبعد هذا القول ستكونون معه الآن وفي الأبدية حيث هو في حضرة الله الآب للكل.

 

انتهى بعون الله 

أضف تعليق


قرأت لك

إيمان و رجاء ومحبة

"أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكنّ أعظمهنّ المحبة" (1 كونثوس 13:13). إن الحياة المسيحية تبدأ بالمحبة وتنتهي بالمحبة فصلب المسيح على تلة الجلجثة لهو أكبر برهان عن محبة المسيح لنا وأعطانا نحن أن نؤمن به بالإيمان لكي ننال غفران الخطايا ومن ثم ليكون لنا رجاء في الحياة الأبدية لكيما نحيا معه وجها لوجه حيث هناك ينتهي الإيمان والرجاء لتبقى المحبة وهذه الرحلة مع المسيح لها ثلاث ركائز:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة