الحفريات والعلم والنقد

القسم: علم اللاهوت - الجزء الخامس.

لقد أعطي إعلان الله في التاريخ- في تاريخ شعب - وتركز في شخص هو المسيح. فلو لم يكن هناك خروج من مصر, ولا قيامة للمسيح "لكان إيماننا مبنياً على خرافات مصنّعة". وفي الحقيقة بعض تعاليم ربنا يتوقف ثبوتها على تاريخ تفاصيل وحوادث وردت تاريخياً في العهد القديم. انظر مثلاً متى12: 38- 42 حيث يتكلم عن مناداة يونان, أو متى23: 34- 36 حيث يشير إلى هابيل وزكريا. وقد أثبتت الحفريات الحديثة صدق أمور تاريخية كانت فيما مضى موضع مناقشة وهجوم سلبي من النقاد.

لا يجب أن ننتظر اصطلاحات علمية في الكتاب المقدس ولا يجب أن يغرب عن بالنا أن العلم يتقدم ويتطور باستمرار. فلو كان الكتاب يعني بالاصطلاحات العلمية لأصبح غير مفهوم أو لعفّاه الدهر في معظم حقب التاريخ. وعلى أي حال, فنحن إذ نقول أن الكتاب المقدس ليس بالكتاب "العلمي" لا نعني أنه "ضد العلم" في المسائل التي فيها يتداخل العلم والدين. والواقع أن كثيرين من العلماء هم مؤمنون بالمسيح حقاً ومن المسيحيين البارزين. وفي الحقيقة معظم العلماء يتفقون على أنه ليس من اختصاص العلم أن يثبت أو ينكر إمكانية الخليقة أو المعجزات, فهذه مسائل تختص بالإيمان.

إن النقد "النصي" للكتاب المقدس دراسة مشروعة وضرورية. ونحن نعترف بوحي الكتاب المقدس, كما أعطي أصلاً, كما نعترف أيضاً بالعناية الإلهية التي حفظته عجيباً على مر العصور. لا يمكن أن يستقر أو يرتكز "تعليم مسيحي" على نص هو موضوع نزاع ومثار جدل. وبفضل مجهودات النقاد المدققين أصبحت دائرة التساؤلات والشكوك تتضاءل عاماً بعد عام.

والتعبير "النقد الأعلى" يُطبق على الدراسة الكتابية التي تشمل تاريخ الأسفار المقدسة, وصحة نسبتها إلى كتّابها, وأمانتها والغرض منها. وهذه أيضاً دراسة مشروعة بشرط أن تتم بروح الاحترام. إلا أن العصرية كثيراً ما عالجت دراسة هذه الأسفار بتحيز سابق وشكوك مريبة حتى صار لقب العصرية مثار خزي وعار. ولا شك أن نظرة ربنا يجب أن تكون نهائية بالنسبة للمسيحي. وفي كثير من الأمور قد تبدلت آراء النقاد المخربة والمتلفة التي ظهرت متطرفة في القرن التاسع عشر. لقد تُركت كلية, أو تطورت بآراء النقاد المتأخرين من ذات المدرسة.