عقائد

القول بصلب سمعان القيرواني (القيريني)

القسم: من هو المصلوب.

في هذه المرة جاء السهم من طائفة تدعى الغنوسية ظهرت في القرن الأول الميلادي وقد وجد كاتب في هذا الادعاء ضالته المنشودة فكتب "لقد كان من المعتاد أن يقوم الذي حكم عليهم بالصلب، بحمل صلبانهم بأنفسهم ويقرر يوحنا أن هذا ما حدث فعلاً في حالة يسوع. ولكن على العكس نجد حسب رواية مرقس ومتى ولوقا أن شخصاً مجهولاً يدعى سمعان القيرواني هو الذي سخره الرومان لحمل الصليب بدلاً عن يسوع (مر 15). ويقول أحد المفسرين "من الواضح أن الكنيسة التي كتب لها القديس مرقس إنجيله كانت تعرف هاتين الشخصيتين "الكسندروس وروفس" جيداً ولهذا لم يكن هناك داعٍ للحديث عنهما أكثر من ذلك. ويبدو أن الغرض من هذه الفقرة هو ضمان صحة القصة التي تقول بأن سمعان قد حمل الصليب، وما من شك أن أحد الأسباب الرئيسية في الحفاظ على هذه التفاصيل الشخصية في الإنجيل كان الغرض منه تذكير القراء بأن لديهم مصدراً للمعلومات عن الصلب جديراً بالثقة، ولعل السبب في حذف هذه الرواية الخاصة بحمل سمعان القيرواني للصليب من إنجيل يوحنا، هو أن الوقت الذي كتب فيه الإنجيل الرابع (100- 125 م) كان الادعاء بأن سمعان القيرواني قد حل محل يسوع وصلب بدلاً منه، لا يزال سارياً في الدوائر الغنوسية التي كان لها الشهرة فيما بعد "D. E Ninehan Sant Mark. P. 422.:

فمن ذلك تبين أنه في الفترة التي أعقبت رفع المسيح حتى كتابة الأناجيل قد وجد بين قدامى المسيحيين جماعات تنكر صلب المسيح وتؤمن بأن شخصاً آخر قد صلب بدلاً منه".[1]

التعليق:

كان الصلب يتم عادة خارج المدن وعلى قارعة طريق عام أو في ميدان فسيح الأرجاء، لكي يكون المصلوب عبرة للجماهير التي تحتشد حول منظره المفجع، لذلك أخرج المسيح من أورشليم[2]. يقول بلوتارخ –حجة التاريخ القديم-: إن قوانين الرومان كانت تفرض على المحكوم عليه بالصلب أن يحمل صليبه بنفسه إلى موضع الصلب مسوقاً بأربعة حراس من الجند، غير أن الآلام النفسية والجسدية كانت قد أخذت من المسيح كل مأخذ، فأنهكت جسمه الرقيق.. فلما رأوا ضعف جسده "أمسكوا سمعان رجلاً قيروانياً كان آتياً من الحقل ووضعوا عليه الصليب[3] ليحمله خلف المسيح".[4]

فمن هو سمعان القيرواني؟

بالرجوع إلى سفر أعمال الرسل نرى:

أع 2: 5، 10 "وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين في أورشليم.. ونواحي ليبية التي نحو القيروان"

أع 6: 9 "فنهض قوم من المجمع الذي يقال له مجمع الليبرتينيين والقروانيين".

فسمعان من القيروان[5]: وهي مدينة في ليبيا. وكانت وقتئذ خاضعة للرومان وسكنها كثيرون من اليهود (أع 2: 10) لأن بطليموس لاجي أرسل منهم إلى هنالك مئة ألف قبل ثلاث مائة سنة من ذلك الوقت. فازدادوا كثيراً حتى صار لهم مجمع خاص في أورشليم[6] أع 9: 6. وكان بعضهم أول المبشرين المسيحيين (أع 11: 20، 13: 1). والمرجح أن سمعان القيرواني أتى إلى أورشليم حينئذ للاحتفال بعيد الفصح وذكر مرقس أنه كان والد اسكندروس ورفس كأنهما معروفان عند المسيحيين (مر 15: 21).[7]

ويقال إنه آمن بالمسيح. وربما انضم التلاميذ بسبب هذا الحادث وأصبحت عائلته معروفة للكنيسة (رو 16: 13)

وقد ذكر قصة تسخير سمعان القيرواني لحمل الصليب متى ومرقس ولوقا (مت 27: 32، مرقس 15: 11، لو 23: 26) ولم يذكر يوحنا هذا وعدم ذكره لا يعني بالمرة عدم حدوثه، وقول المفسر أن إنجيل يوحنا لم يذكره لانتشار الادعاء من قبل الغنوسيين بأن سمعان القيرواني قد حل محل المسيح فربما كان هذا الادعاء صحيحاً.

"ولعل علة تسخيرهم سمعان القيرواني، أنه أول من صادفوه في الطريق بعد تحققهم عجز يسوع عن حمل صليبه، أو لأنهم رأوه أجنبياً فاستخفوا به، أو لعله ظهر على وجهه شيء من أمارات الشفقة على يسوع. ولذلك سخروه".[8]

وتسخير شخص ليحمل الصليب لشخص مصلوب ليس بالأمر المستبعد حدوثه, ربما بدافع الرحمة والشفقة قبل إتمام عملية الصلب.

وعلى لسان سمعان القيرواني كتب جبران خليل جبران:

"كنت في طريقي إلى الحقول حين رأيته يحمل صليبه وفي إثره جماهير غفيرة. عندها مشيت أنا الآخر إلى جانبه. وكم من مرة توقف إعياء بما يحمل, إذ كان مجهد الجسم وتقدم مني جندي روماني وقال: تعال, إنك لقوي, متين البنية, احمل عن هذا الرجل الصليب. وما إن سمعت هذه الكلمات حتى امتلأ قلبي زهواً وكنت شكوراً وحملت عنه صليبه.

وكان ثقيلاً إذ كان من خشب الجوز وأشرب أمطار الشتاء. ونظر إلي يسوع وعرق جبينه ينحدر على لحيته. ثم نظر إلي ثانية وقال: أتشرب أنت الآخر هذا القدح؟ لترشفن معي حقاً من حافته إلى الأبد.

وما إن قال هذا حتى وضع يده على كتفي الخالية ومشينا معاً نحو تل الجلجثة. وما أحسست إذ ذاك بثقل الصليب, وإنما أحسست بيده وكانت أشبه بجناح الطائر فوق كتفي, ثم أدركنا قمة الجبل حيث كانوا يزمعون أن يصلبوه, عندها أحسست بثقل الصليب وما فاه بكلمة حينما أنفذوا المسامير في يديه وقدميه. كما لم تصدر عنه همسة وما ارتجفت أطرافه تحت طرق المطرقة"[9]

ونختم بهذه العبارات:

1-بعد ساعات طويلة من المعاناة النفسية والجسدية وعملية الجلد القاتلة, حمل المسيح صليبه إلى موضع تنفيذ عملية الصلب, ولم يستطع إكمال المسير.

2-بعد تأكد الجنود من عدم مقدرة المسيح, سخروا سمعان القيرواني لحمل الصليب وهذا ليس بدعة, وليس قاصرة على المسيح.

3-من المؤكد انه بعد الوصول إلى المكان المعد أنزل سمعان القيرواني الخشبة التي حملها وتم صلب المسيح.

4-ليس من السهولة بمكان أن يصلب شخص بدلاً من آخر, لوجود الجنود ولوجود الشهود الكثيرين, ولو حدث شيء مثل هذا لما سكت الشخص الذي يصلب خطأ.

5-إن الأدلة السابقة لعملية الصلب والأدلة من خلال الأحداث التي تلت, مثل أقوال المصلوب خلال المحاكمة وعلى الصليب تؤكد أن المصلوب هو المسيح وليس سمعان القيرواني أو أي شخص آخر.

6-إن من قال بصلب سمعان القيرواني هم الغنوسيون, وهم بدعة مزجت بين الفلسفة الوثنية والمسيحية وأعتقد أن العقيدة تؤخذ من الذين يؤمنون بها إيماناً صادقاً وليس من المبتدعين والهراطقة.

وفي كتاب آخر سوف نقدم دراسة كاملة حول هذه البدعة ولماذا أنكرت صلب المسيح.[10]       

 

(17) المسيح في مصادر العقيدة المسيحية. م أحمد عبد الوهاب. ص 166، 272، 274 وانظر أيضاً:

أ-المسيح قادم. د.علي عبد الجليل راضي. ط1 سنة 1960 ص 44- 55.

ب-خواطر مسلم. محمد جلال كشك. ص 161.

(18) ولهذا قال الكتاب "لذلك يسوع أيضاً لكي يقدس الشعب بدم نفسه تألم خارج الباب" عب 13: 12.

وهذا وفق شريعة موسى في أمر المحكوم عليهم بالموت (عدد 15: 35، 1مل 21: 13، أع 7: 58).

(19) يرى ر.ت.فرانس "أن هذا لم يكن أمراً غير عادي. تفسير إنجيل متى. ص 44.

(20) شرح بشارة لوقا. د.القس إبراهيم سعيد. ص 602.

(21) "مدينة سيرين (Cyrene)، أو قرينى "أنشأها اليونان عام 631 ق.م. بليبيا، وقد تسمت بعدة أسماء مترادفة، منها قيرين وسيرين وقرنة وقورين أو قورينا وقد وجدت عملات فضية يونانية (450- 400 ق.م.) مدون عليها اسم المدينة باليونانية (كيرانا) وقد دعيت المدينة بهذا الاسم نسبة إلى العذراء الأسطورية "الحورية قورينا Nymph Corena في الأدب الإغريقي القديم وقد جاءت في الكتاب المقدس "قيرواني. قيروانيون" في مر 15: 21، لو 23: 26، أع 2: 10، أع 6: 9، أع 11: 20، أع 13: 1.

وينبغي أن تستبدل بكلمة "القيرياني" أو "القوريني" تاريخ كنيسة بنتا بوليس د.ميخائيل مكس إسكندر. ط1. سنة 1987. ص 41- 43. وقد جاءت في الترجمة الكاثوليكية "سمعان القيريني" العهد الجديد. المطبعة الكاثوليكية. ط4. سنة 1974.

وأيضاً في الترجمة العربية الجديدة الصادرة عام 1993 "سمعان القيريني" مر 15: 21.

ويرى الدكتور القس إبراهيم سعيد أن "القيروان كلمة فارسية الأصل، معناها القافلة أو الكتيبة أو محط رجال الجيش" تفسير لوقا. ص603 وهي بالطبع ليست مدينة القيروان التي أسسها عقبة بن نافع في القرن الأول الهجري.

(22) كان أمراً طبيعياً أن تقوم المجموعات الوطنية بتشكيل مجامع خاصة بها للعبادة في أورشليم وكان يؤم هذه المجامع المهاجرون المقيمون في أورشليم والزوار الذين يأتون عرضاً وكان يلزم عشرة رجال فقط لتشكيل نواة مجمع تفسير أعمال الرسل. هوارد مارشال. ص 131.

(23) الكنز الجليل. وليم إدي. جـ1. ص 509.

(24) المرجع السابق. ص 510

(25) يسوع ابن الإنسان. جبران خليل جبران. تعريب د.ثروت عكاشة. دار المعارف. ص216.

(26) صلب المسيح وموقف البدع والهرطقات (في الإعداد)

أضف تعليق


قرأت لك

الإنتصار المدهش

"ولكننا في هذه جميعها يعظم إنتصارنا بالذي أحبنا" (رومية 37:8). نندهش جدا عندما نقرأ عن شعور الثقة المفرحة التي نبعت في حياة المسيحيين الأوائل. لقد تقابلوا مع معطي الحياة، وكانوا به أعظم من منتصرين في عالم قاس ومعاند. والمجتمع الذي نعيش فيه الأن لم يتغيّر أدبيا، فالعام الحاضر هو نفس العالم الذي صلب ابن الله على صليب الجلجثة، حيث هناك سفك الرب دمه من أجل خلاص العالم.