عقائد

بشارة الملاك بأن المسيح ملك

القسم: من هو المصلوب.

لو 1: 30-33 "فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية."

كتب عبد الرحمن سليم البغدادي: "عندما بشر الملاك جبرائيل العذراء مريم بميلاد المسيح قال لها بأن الله يجلس ولدها على كرسي داود ويملك على بيت داود إلى الأبد، ولا شك أن قول جبرائيل حق ووعد الله صدق. فلو قلنا إن المهان المصلوب هو المسيح، للزم منه بطلان تلك البشارة الصادقة، وهو محال، فبالضرورة يثبت أن المهان المصلوب ليس هو ذات المسيح.. فالقول بأن المسيح هلك وما ملك يقضي السخرية والكذب من الرسل والبداء من المرسل والكل محال"[1].

التعليق:

1-يقول الكاتب: "القول بأن المسيح هلك وما ملك يقضي السخرية والكذب من الرسل والبداء من المرسل والكل محال". وأقول إن القول برفع المسيح حياً إلى السماء دون أن يملك يقضي بمثل هذا وهذا أيضاً محال.

2-يقول أيضاً "إن قول جبرائيل حق، ووعد الله صدق.. وأن تلك البشارة صادقة" وطبعاً هذا ينطبق على كل الوعد وليس على جزء منه. ومن هذا الوعد "أن المسيح يكون عظيماً وابن العلي يدعى" فهل يصدق المؤلف هذا؟ أما أنه لا يعرف ما المقصود بـ"ابن العلي"؟ أما أنه يأخذ من النص ما يفيد غرضه ويترك الباقي.

"ويليق بنا أن نوضح بكلمات موجزة المعنى المراد بابن العلي أو ابن الله، أنه:

-لم يقصد بها ولادة طبيعية ذاتية من الله، وإلا قيل فيها "ولد الله".

-ولم يقصد بها ما يقال عادة عن المؤمنين جميعاً أنهم "أبناء الله" لأن نسبة المسيح لله هي غير نسبة المؤمنين عامة.

-ولم يقصد بها تفرقة في المقام من حيث الكبر والصغر، ولا في الأزلية ولا في الجوهر لكنها:

1-تعبير يكشف عن عمق المحبة السرية التي بين المسيح والله.

2-ويراد بها إظهار المسيح لنا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا.

3-ويراد بها إظهار التشابه والتماثل في الذات وفي الصفات وفي الجوهر.. المسيح هو بهاء مجد الله ورسم جوهره. وقال هو عن نفسه "من رآني فقد رأى الآب" "وأنا والآب واحد"[2]. فهل يؤمن أن هذا قول حق، ووعد صدق، وبشارة صادقة.

*ومن النص نرى أن المسيح سوف يأتي:

أ-ويكون عظيماً.

ب-ابن العلي يدعى.

جـ-يملك على بيت يعقوب إلى الأبد.

وإذا كانت هذه هي محتويات النبوة، لصح هذا الاتهام، ولكن النبوة تقول "ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية".

فالملك هنا أبدي لا نهاية له. وهذا يدل على أن هذا الملك لا يمكن أن يكون أرضياً محددأً بل هو ملك روحي، أو بالأحرى هو ملكوت الله. "وتم هذا الوعد بيسوع المسيح إذ "رفعه الله بيمينه رئيساً ومخلصاً" (أع 5: 31). فهو يملك إلى الأبد سائداً على قلوب شعبه ومملكته هي المملكة الوحيدة التي لا تنقرض، لأن المسيح لا يضطر إلى ترك مملكته بالموت كملوك البشر".

ولقد أوضح يسوع هذا الأمر أثناء محاكمته أمام بيلاطس، فعندما "دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: أنت ملك اليهود. أجابه يسوع: أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني. أجاب بيلاطس: ألعلي أنا يهودي. أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلى ماذا فعلت؟ أجاب يسوع. مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا. فقال له بيلاطس: أفأنت إذاً ملك؟ أجاب يسوع: أنت تقول أني ملك" (يو 18: 33-37) فعندما سأل بيلاطس المسيح: أنت ملك اليهود، فإنه كان يعني: هل يمكن أن تكون ملكاً وأنت ضعيف وديع مهان مشكو عليك كجان. وعندما أجابه المسيح. أمن ذاتك تقول هذا أم أن آخرون قالوا لك عني؟ فإنه قصد أن يبين لبيلاطس مراده بلفظة "ملك" قبل أن يجاوبه على سؤاله. فكأن المسيح يريد أن يقول له: إن أردت بالملك ما يعنيه الرومانيون به، أي هل أنا ملك أرضي كقيصر؟ قلت لا. ولكن إن أردت بالملك ما يعنيه اليهود في نبواتهم. فالجواب: نعم، واليهود عرفوا أن المسيح ادعى أنه ملك روحي، وأرادوا أن يفهم بيلاطس أنه ادعى كونه ملكاً أرضياً.

ثم قال المسيح: مملكتي ليست من هذا العالم، ومعنى هذا نعم أني ملك، ولكن مملكتي ليست أرضية مستندة على جيوش وأسلحة مادية، وليست لغاية دنيوية، ولا مستندة على وسائط عالمية، ولا قائمة بقوة إجبارية، ولا مقاومة منها لمملكة قيصر، ولا غيرها من ممالك الأرض.. إن أصل مملكتي روحي من السماء، وهي تسود على ضمائر الناس وقلوبهم طوعاً واختياراً، وسلطتها سلطة روحية، ويقوم انتصارها بانتشار الحق. هذه المملكة أسست على موت المسيح، ويسودها روح المسيح، وشريعتها إرادة الله وغايتها مجد الله وخلاص الناس وسعادتهم الأبدية.

وقد ذكر المسيح أمراً واحداً إثباتاً لكون مملكته ليست من هذا العالم وهو أنه لم يأذن لأحد من الكثيرين الذين تبعوه أن يحامي عنه وسلم نفسه بلا معارضة إلى من قبضوا عليه.

أي أن مملكة المسيح ليست مملكة سياسية أرضية يسود فيها المسيح لفترة حتى يقال كيف أن المسيح هلك وما ملك؟ ولكنها مملكة روحية يسود فيها المسيح المقام إلى الأبد. وبالتالي فالاستناد إلى هذا النص لإثبات عدم صلب المسيح وصلب أي شخص آخر هو رمية من غير رام.

 

(9)الفارق بين المخلوق والخالق. عبد الرحمن سليم البغدادي. تحقيق د.أحمد حجازي. ط2. سنة 1987. ص 471 وانظر:

أ-المنتخب الجليل من تخجيل من حرف الإنجيل. ص 314-315.

ب-الرد على النصارى. لأبي البقاء صالح بن الحسن الجعفري. تحقيق د.محمد محمد حسانين. مكتبة وهبة. ط1. سنة 1988. ص 75.

(10) شرح بشارة لوقا. د.القس إبراهيم سعيد. ص 21-22.

أضف تعليق


قرأت لك

من تحت الركام

أحيانا كثيرة يظن المؤمن بأنه يحيا وحيدا وسط كل الضجيج الذي ينبعث من هذا العالم المادي المليء بالفساد والبعد عن الخالق وكأنه في بحر هائج لا من معين ولا من يسانده على حل مشاكله أو على التفكير معه، فيشعر كأن الأبواب مقفلة أمامه ويشاهد كل ما يدور من حوله كسواد الليل الدامس.