أقوال الرسول بولس

القسم: من هو المصلوب.

1-في غلاطية: أنتم الذين رسم يسوع بينكم مصلوباً.

2-في رومية: الله الذي أرسل ابنه في شبه جسد الخطية.. نحن بشبه موته.. قد صرنا متحدين معه بشبه موته.

يستفاد من مجموع الأقوال السابقة بأن الصلب والقتل ليسا بحقيقيين، وأن المسيح لم يصلب ولم يقتل، وإنما ذلك مجاز عن الشبه والمصلوب رسم هيكله لا ذات حقيقته"[1].

التعليق:

إذ نعرف المعنى والتفسير الصحيح لهذه النصوص الكتابية، نجد أنها لا تعني ما ذهب إليه الكاتب بالمرة.

1-غل 3: 1-2 "أيها الغلاطيون الأغبياء من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق و أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوباً".

إن الرسول بولس في هذا الإصحاح وما يليه يتحدث عن غفران الخطايا، هل هو بأعمال الناموس أم بموت المسيح الفدائي، ويذكر الغلاطيين بحقيقة موت المسيح، وأن الأمم غير ملزمين بالختان اليهودي أو حفظ الناموس، وأن خلاصهم هو بالإيمان بموت المسيح ويستعمل تعبيراً ينم عن سخطه المتسم بالدهشة، ويتهم الغلاطيين بالغباء، ويستعمل مرتين كلمة "حمقى" ويسألهم عمن "رقاهم" لأن تشويههم الحالي للإنجيل يتنافى تماماً مع ما سمعوه من بولس وبرنابا. لذلك ذكرهم بكرازته حين كان معهم، حيث قام جهاراً برسم يسوع المسيح قدام عيونهم باعتباره أنه صلب من أجلهم، فكيف استطاعوا أن يتصوروا بعد أن بدؤوا حياتهم المسيحية بالإيمان بالمسيح المصلوب، أنهم يحتاجون إلى متابعتها بإنجازهم الخاص؟ ويستخدم الرسول بولس فعل "بروغرافو" وهو يعني عادة كتب سابقاً، كما قد كتبت (أف 3: 3). لكن "غرافو" يمكن أن يعني أحياناً يرسم أو يصور. ويمكن أن تعني البادئة pro "قدام" في المكان. قدام عيونكم.. وهكذا فإن  بولس يشبه كرازته بلوحة زيتية ضخمة أو بلوحة إعلان تعرض إعلاناً على الملأ، أما موضوع لوحته الزيتية أو لوحة إعلانه، فكان يسوع المسيح على الصليب، بالطبع لم تكن لوحة زيتية بالمعنى الحرفي، فالصورة رسمت بالكلمات، لكنها كانت مرئية وحيوية في مخاطبتها للمخيلة حتى أن لوحة الإعلان عرضت قدام عيونكم"[2].

ويؤكد نفس هذا التفسير القس غبريال رزق الله:

"الكلمة "رسم" هي ترجمة لكلمة يونانية، مركبة من مقطعين، "برو"، و"اغرافي" المقطع الأول: "برو" يحمل معنى "زمن مضى". والمقطع الثاني: "اغرافي" يحمل معنى "بروز واضح بالكتاب أو الرسم أو النقش".

وقد وردت هذه الكلمة "بروغرافي" أيضاً في أقوال الرسول بولس مترجمة "سبق فكتب كتباً لأجل تعليمنا" (رو 15: 4). وحيث أن ما يكتب وما يرسم وما ينقش هو بالطبيعة شكل بارز واضح وجلي أمام العيون، لذلك تكون الكلمة:

رسم: بمعنى أن ما سبق أن أعلنه الرسول من التعليم، لا في صورة فوتوغرافية، ولا في شكل كاريكاتيري، ولا رسماً بآلة، ولا نقشاً فنياً في حجارة، بل هو تعلم شفوي ووعظ سماعي. عن طريق الكرازة "بإنجيل المسيح" بصورة بارزة تميزها العقول وتستوضحها الأفكار، فترسم في الأذهان وتعلق بها.

أما التعليم الذي رسم بالصورة التي وصفت سابقاً بين أولئك الغلاطيين فهو:

"يسوع المسيح.. مصلوباً" هذا هو التعليم الذي سبق الرسول فرسمه أمام عيون الغلاطيين بلا تحفظ، وهو الموضوع الذي اتخذه شعاراً له في كرازته وتعليمه.. وكانت كرازته تعليماً بارزاً واضحاً جلياً، يمكن أن يقال معه أن رسم في مخيلتهم ونقش في عقولهم أمام أبصارهم صورة بارزة للمسيح المصلوب"[3].

إن كاتب رسالة غلاطية هو الرسول بولس وهو يؤكد في رسائله حقيقة موت المسيح وقيامته ولا يمكن أن يناقض الرسول نفسه، بل في نفس الرسالة نجد الكثير من الآيات التي تؤكد حقيقة موت المسيح:

غل 1: 1 "بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من الأموات".

غل 1: 3-4 "نعمة لكم وسلام من الله الآب ومن ربنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير".

غل 2: 20-21 "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في. فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان. إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي.. لأنه إن كان بالناموس بر فالمسيح مات بلا سبب".

غل 6: 14 "أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح".

-أما النص الثاني الذي استخدمه الكاتب. فهو ما جاء في رو 6: 5 "لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير بقيامته".

رو 8: 3 "أرسل الله ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد".

أعتقد أن سبب سوء الفهم هنا –إذا افترضنا حسن النية- هو عدم وضوح الترجمة العربية (ترجمة فانديك). ولقد أوضحت الترجمة العربية الجديدة[4]المعنى المقصود.

رو 6: 5 "فإذا كنا قد اتحدنا به في موت يشبه موته، فكذلك نتحد به في قيامته".

رو 8: 3 "أرسل الله ابنه في جسد يشبه جسدنا الخاطئ كفارة للخطيئة، فحكم على الخطية في الجسد".

وبالرجوع إلى رسالة رومية نجد الكثير من النصوص التي توضح وتؤكد موت المسيح على الصليب ليس بشبه جسد وليس بشبيه آخر، منها:

رو 5: 8، 10 "الله بيَّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا .. صولحنا مع الله بموت ابنه".

رو 8: 34 "من الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات، بل بالحري قام أيضاً".

وأيضاً (رو 1: 4، 3: 24-25، 4: 25، 5: 6-10، 6: 4-10، 8: 32-34، 14: 15).

بهذا يتضح لنا أن النصوص السابقة لا علاقة لها البتة بعدم موت المسيح، بل أن النصين يؤكدان أن المسيح هو الذي مات وقام.

 

(27) الفارق بين المخلوق والخالق. ص 474.

(28) صليب المسيح. جون ستوت. ص 398-399.

(29) شرح الرسالة إلى غلاطية د.القس غبريال رزق الله. ص 224-225.

(30) الترجمة العربية الجديدة. ط1. سنة 1978. دار الكتاب المقدس. بيروت وأيضاً الترجمة الكاثوليكية للعهد الجديد. ط4. المطبعة الكاثوليكية. بيروت لبنان.