عقائد

إنكار أن بطرس معرفته بالشخص المصلوب

القسم: من هو المصلوب.

"إن بطرس رئيس الحواريين، كان يحلف أنه لا يعرف المصلوب، فقد سألته امرأة عن المقبوض عليه، فأنكر بقسم أني لست أعرف الرجل" مت 26: 72.. ولا يستطيع أن ينكر مسيحي أن بطرس رئيس الحواريين كان صادقاً حين أقسم أنه لا يعرف المصلوب، وأننا نتهم بطرس باطلاً بعدم الإيمان، إذا قلنا أن سيده يسوع يهان على الصليب وهو يتهرب ويخاف من الناس، مع ما له من السلطة العظيمة التي أعطاها إياه المسيح.. وبما أن بطرس لا يجوز مطلقاً أن يحلف كذباً، لأنه يعتبر أعظم مسيحي، أنجبته المسيحية، فهو إذن صادق، ويكون المصلوب لا يعرفه، ولزم أن يكون غير المسيح"[1].

التعليق:

مر 14: 66-73 "وبينما كان بطرس في الدار أسفل جاءت إحدى جواري رئيس الكهنة. فلما رأت بطرس يستدفئ نظرت إليه وقالت: وأنت كنت مع يسوع الناصري. فأنكر قائلاً: لست أدري ولا أفهم ما تقولين. وخرج خارجاً إلى الدهليز فصاح الديك. فرأته الجارية أيضاً وابتدأت تقول للحاضرين إن هذا منهم. فأنكر أيضاً. وبعد قليل أيضاً قال الحاضرون لبطرس: حقاً أنت منهم لأنك جليلي ولغتك تشبه لغتهم. فابتدأ يلعن ويحلف إني لا أعرف هذا الرجل الذي تقولون عنه. وصاح الديك ثانية فتذكر بطرس القول الذي قاله يسوع إنك قبل أن يصيح الديك مرتين تنكرني ثلاث مرات. فلما تفكر به بكى" (وانظر أيضاً مت 26: 69-75، لو 22: 55-63، يو 17: 15-18).

"ولا يستطيع أحد أن يقرأ هذه الآيات دون أن يؤخذ بالصراحة الساطعة والصدق الناصع للعهد الجديد، فلو كانت هناك حادثة تستحق أن توارى عن مسامع الناس، فإن هذه الحادثة أولى بالإخفاء، ولكن صدق الإنجيل يظهر من رواية هذه الحادثة في بشاعتها وخزيها"[2].

-إن الرسل وكتبة الإنجيل لم يلقوا أستاراً على عيوبهم، بل سجلوها على أنفسهم كما هي، ومن العجيب أن الكاتب الذي عني بتسجيل خطية بطرس بإفاضة هو مرقس، أقرب الكتاب إلى قلب بطرس. وهذا أكبر دليل على أنهم رواة صادقون، لا يعرفون حمل سيف الحق مواربة. ولو كان هذا السيف  يقطع رقابهم، ويودي بحياتهم"[3].

وبدراسة هذا الموضوع من خلال نصوص الإنجيل بعيداً عن التخيل والافتراء، نرى أن إنكار بطرس هنا لا يعني عدم المعرفة أو أن هذا الشخص المقبوض عليه ليس هو المسيح، بل إنه إنكار بسبب الخوف والأدلة على هذا:

1-إن المسيح قد سبق وأنبأ بأن بطرس سوف ينكره، ففي مت 26: 31-35 قال المسيح لبطرس "الحق أقول لك إنك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات".

(انظر أيضاً مر 14: 27-31، لو 22: 32-34، يو 18: 15-18).

فالمسيح قد تنبأ بهذا الإنكار، وقد تمت هذه النبوة حرفياً، لأن المسيح كان عارفاً بضعفات تلاميذه، وقد قال لبطرس: "الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة. ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك. وأنت متى رجعت -من حالة ضعف الإيمان والشك والإنكار- ثبت إخوتك" لو 22: 31-32. وعندما أخبر المسيح بطرس مسبقاً بهذا الأمر. قال بطرس "ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك" مر 14: 31. "كان على بطرس تصديق أن المسيح يعرف أكثر مما يعرف هو... إنه يسهل على الإنسان ذكر الموت بشجاعة والموت بعيد عنه، ولكن متى لاقى الموت وجهاً لوجه جبن وخاف أشد الخوف... ولعل بطرس قال في نفسه إقراري بالمسيح يضرني ولا ينفعه"[4].

2-إن بطرس كان متأكداً أن الشخص الذي قبض عليه هو المسيح، والدليل على ذلك دفاعه عنه، فقد "كان معه سيف فاستله وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه اليمنى وكان اسم العبد ملخس. فقال يسوع لبطرس: اجعل سيفك في الغمد. الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها." يو 18: 10-11. فلو لم يكن الشخص المقبوض عليه هو المسيح لما دافع بطرس عنه، والحوار واضح أنه كان بين المسيح وبطرس.

3-إن بطرس قد تبع المسيح بعد القبض عليه ودخل إلى دار الكهنة (لو 22: 15-17) أي لم يحدث تغيير للشخص المقبوض عليه.

4-أما القول بأن بطرس لا يجوز مطلقاً أن يحلف كذباً، لأنه يعتبر أعظم مسيحي أنجبته المسيحية، فهو كان صادقاً حين أقسم أنه لا يعرف المصلوب، فهو قول غير صحيح لأنه لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ والخطية –وكما أوضحت سابقاً- فالمسيح كان عارفاً بضعفه وحذره من ذلك. والكتاب المقدس عندما سجل أحداث هذه القصة سجلها كما حدثت وليس كما يجب أن تحدث في صورتها المثالية، ولا تبنى عقيدة على تصرف خاطئ من شخص، فبطرس عندما رأى في اعترافه بأنه تلميذ للمسيح _الشخص الذي يحاكم في ذلك الوقت- ما يعرضه للخطر، أنكر أنه يعرفه، أي أنه أنكر أنه تلميذ المسيح فقط "قالوا له ألست أنت أيضاً من تلاميذه فأنكر ذاك وقال لست أنا" يو 18: 25.

فلم يكن السؤال هل هذا هو المسيح أم لا؟ ولكن الاتهام كان موجهاً إلى بطرس أنه من أتباع المسيح. والإنكار كان بسبب الخوف، وليس فيه أي دليل بالمرة على أن هذا الشخص –الذي يحاكم- ليس هو المسيح.

5-لو فرضنا أن الشخص المقبوض عليه، ليس هو المسيح، بل يهوذا. فهل لا يعرف بطرس يهوذا ويقول "إني لست أعرف الرجل" متى 26: 73 وهما معاً لمدة سنوات.

6-الأحداث التي تلت تؤكد أن هذا الشخص هو المسيح، فبعد أن أنكر بطرس "صاح الديك فالتفت الرب ونظر إلى بطرس فتذكر بطرس كلام الرب. كيف قال له: إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. فخرج بطرس إلى خارج وبكى بكاء مراً" لو 22: 60-62. فعندما نظر المسيح إلى بطرس كان في نظرته تذكير له بنبوته السابقة، وتبكيت على هذا الإنكار، وربما أظهر المسيح في هذه النظرة شفقة وحزناً على بطرس، فخرج إلى خارج وبكى. فلو لم يكن هذا الشخص هو المسيح لما نظر إلى بطرس معاتباً، ولما تأثر بطرس بهذه النظرة، ولو كان هذا الشخص غير المسيح، ألم يتعرف بطرس عليه عندما تلاقت عيونهما وعند ذلك ما كان له أن يخرج ليبكي ندماً على إنكاره لسيده. وقد أعلن له من قبل "إن شك الجميع فأنا لا أشك.. ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك" مر 14: 28-32.

7-إن شهادة بطرس في كرازته عن موت المسيح وقيامته، هي خير برهان على أنه كان متأكداً من ذلك. فقد وعظ اليهود قائلاً:

"أيها الرجال الإسرائيليون، اسمعوا هذه الأقوال، يسوع الناصري .. أخذتموه مسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي آثمة صلبتموه وقتلتموه الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكناً أن يمسك منة" أع 2: 22-24.

"فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم  رباً ومسيحاً" أع 2: 36.

"إن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب وإله آبائنا مجد فتاه يسوع الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام وجه بيلاطس وهو حاكم بإطلاقه. ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهود على ذلك" أع 3: 13-15.

(اقرأ أيضاً أع 4: 2، 10. أع 5: 30-32. أع 10: 39-40)

وفي رسالتيه تحدث عن موت المسيح قائلاً: "عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب .. بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح معروف سابقاً قبل تأسيس العالم. ولكن قد أظهر في الأزمنة الأخيرة من أجلكم، أنتم الذين به تؤمنون بالله الذي أقامه من الأموات وأعطاه مجداً" 1بط 1: 18-20.

(اقرأ أيضاً 1بط 3: 18. 2: 21، 24. 5: 5)

فمتى تم صلب المسيح الذي يعلن عنه بطرس، ويشهد له، ويجعله أساس الإيمان المسيحي؟ ولو كان المصلوب شخصاً آخر، فمن يصدق أن بطرس يقدم حياته للموت وهو عالم أن المصلوب ليس هو المسيح؟

ما أسهل إلقاء القول على عواهنه بدون دليل أو برهان. وماذا نقول لأناس ينكرون الشمس في رابعة النهار.

 

(55) المسيح بين الحقائق والأوهام. ص 175.

وانظر أيضاً:

أ-الأديان في القرآن. د.محمود الشريف. ط4. دار المعارف. ص 109.

ب-المسيح قادم. ص 56-57.

جـ-المسيح في مصادر العقيدة المسيحية. ص 154، 158.

د-دعوة الحق. ص 123.

هـ- المسيح والمسيحية والإسلام. ص 190.

(56) تفسير العهد الجديد. وليم باركلي. مجلد 1. ص 439.

(57) شرح بشارة لوقا. د. القس إبراهيم سعيد. ص 557.

(58) الكنز الجليل. وليم إدي. جـ1. ص 469.

أضف تعليق


قرأت لك

بين الخلق والخليقة الجديدة

"في البدء خلق السموات والأرض" (تكوين 1:1)، "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2 كورنثوس17:5). عندما نتأمل في الخليقة من حولنا، لا يسعنا إلا أن نسبح الخالق مرددين مع المرنم هذه الكلمات "إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده" (مزمور 3:4).