إنكار المصلوب أثناء المحاكمة أمام رئيس الكهنة

القسم: من هو المصلوب.

"لقد جاء في كتبهم أن رئيس الكهنة سأل المصلوب قبل تنفيذ الحكم "وقال أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله. قال يسوع: أنت قلت" مت 26: 63-64. إن قول المصلوب، أنت قلت، إنكار لاشك فيه، ولو كان كما يزعمون هو المسيح، لما وسعه إلا الجواب الصريح، سيما ورئيس الكهنة يستحلف بالله. فهل لا يأبه المسيح بالله العظيم؟ إن إنكار المصلوب كونه المسيح بعد القسم عليه، لدليل لا شك في كونه غيره"[1] 

التعليق:

أولاً: إن رئيس الكهنة لم يسأل المصلوب قبل تنفيذ الحكم، ولكن السؤال كان أثناء المحاكمة لإيجاد دليل اتهام له.

ثانياً: لكي تكون الصورة واضحة سوف نذكر النص الكتابي –الذي اقتبس منه- كاملاً لكي نرى من خلاله هل أنكر المصلوب أنه هو المسيح؟

"والذين أمسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة، حيث اجتمع الكتبة والشيوخ .. وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه. فلم يجدوا. ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. وأخيراً تقدم شاهدا زور وقالا: هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه. فقام رئيس الكهنة وقال: أما تجيب بشيء، ماذا يشهد به هذان عليك؟ وأما يسوع فكان ساكتاً. فأجابه رئيس الكهنة وقال: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله؟ فقال له يسوع: أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء، فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلاً: قد جدف، ما حاجتنا بعد إلى شهود ها قد سمعتم  تجديفه. ماذا ترون؟ فأجابوا وقالوا: إنه مستوجب الموت" مت 26: 57-66. وانظر مر 14: 53-64. لو 22: 66-71. لقد قبضوا على المسيح واقتادوه إلى قيافا رئيس الكهنة وأمام الاتهامات الموجهة إليه كان يسوع ساكتاً (مت 26: 62-63). ولم يجب بشيء (مر 15: 61) فلماذا كان صامتاً وهل في هذا الصمت دليل على أنه ليس هو المسيح؟

"في أحايين كثيرة كان الصمت أبلغ من الكلام:

1-فهناك صمت القلب المندهش المعجب: وفي مرات كثيرة نصفق أو نهتف لمن يمثلون أو يخطبون إعجاباً بهم، ولكن متى زاد إعجابنا فإننا نصمت في حضرتهم، وقد يظهر إنسان بنظرة واحدة من عينيه شكراً أعمق وأعظم مما تقوله آلاف الكلمات المكتوبة في قواميسنا.

2-وهناك صمت الاحتقار: فقد تسمع كلام أحدهم أو سؤاله أو حجته، وبدلاً من أن ترد عليها كلمة بكلمة محتقراً إياها، ما عليك إلا أن تدير ظهرك له وتتركه بدون جواب، فيحس الاحتقار والخزي أضعاف المرات.

3-وهناك صمت الخوف: فهناك من يحبس الخوف الكلام في فمه، إن جبنه الروحي أو النفسي يؤثر على لسانه فلا يستطيع أن يتكلم أو يعمل سوى أن يصمت، صمت الخزي.

4-وهناك صمت القلب الحزين: في مرات كثيرة يجرح الإنسان فيحزن ولا يستطيع أن يجد كلاماً يعبر به عن حزنه أو اعتراضه أو غضبه فيسكت. والحزن الأعمق هو الحزن الصامت الذي يفوق الغضب والتوبيخ وأي صنف من الكلام.

5-وهناك صمت الكارثة أو المأساة: هذا صمت لأنه لا يوجد كلام، وهذا بعينه كان صمت يسوع. لأنه عرف أنه لا يوجد ارتباط أو تفاهم بينه وبين اليهود. لأن وسائل الاتصال قد انقطعت تماماً. فقد أسدلت الكراهية ستاراً حديدياً بينهم وبينه. إنه لموقف مرير أن يجد الإنسان نفسه غير مقتنع بالكلام لأنه لا فائدة منه"[2].

ونستطيع أن نضيف أسباباً أخرى لهذا الصمت:

1-لأنه لم يكن لرؤساء الكهنة الحق في الجلوس على كرسي القضاء بسبب مخالفتهم الشريعة في القبض عليه.

2-لأن محاكمتهم لم تكن قانونية:

أ-إذ أن التهمة التي وجهوها إليه، وهي التجديف كان من الواجب أن لا تناقش سراً في بيت، بل أمام الملأ علناً.

ب-لأنهم استدعوا شهوداً لم يلتقوا به عن قرب، ومن ثم لم يستطيعوا أن يذكروا الأقوال التي خرجت من فمه.

3-لأن أسئلتهم للمسيح كانت أسئلة تهكمية، وليست استفسارية والمسيح أرفع من أن يجيب على مثل هذه[3].

4-لأن المسيح لم يكن مضطراً للإجابة على أسئلتهم، فالهدف من الأسئلة، ليس هو المعرفة، بل ليجدوا ما يشتكوا به عليه، وعندما صرح لهم بأنه هو المسيح لم يؤمنوا، بل قالوا: لقد جدف.

5-لأن المسيح كان عارفاً، أنه قد أتت الساعة، وهو الآن في طريقه للصلب حسب إرادة الله المحتومة، وعلمه السابق.

6- لأنه لم يكن هناك فائدة من الكلام وأنه مهما قال، فإنه لن يغير من الأمر شيئاً مما قرروه، وقد أوضح ذلك بقوله: "إن قلت لكم لا تصدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني" لو 22: 67-68. أي أن الحوار أصبح غير مجد لأنهم سبقوا وقرروا "أنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب" يو 18: 14.

لهذه الأسباب صمت المسيح أمام الكهنة ولم يكن صمته إنكاراً منه أنه المسيح.

ولكن عندما وجه قيافا إلى يسوع القسم الأعظم في الدستور العبراني "أستحلفك بالله الحي" لم يكن هناك مفر أن يجيب يسوع وهو اليهودي التقي النقي المحافظ على الشريعة صوناً لحرمة هذا القسم العظيم، وقد جاء بكتاب المشنا اليهودي: "إذ قال قائل: أستحلفك بالله القادر على كل شيء أو بالصباؤوت، أو بالعظيم الرحيم، الطويل الأناة، الكثير الرحمة، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية، فإنه كان لزاماً على المسؤول أن يجيب"[4].

ورغم أن صيغة سؤال قيافا قد توحي بأنه لم يأت كاستفهام نزيه غير مغرض.

هل أنت المسيح؟ أنت السجين الضعيف الذي تخلى عنك الجميع .. إنه سؤال ينم عن السخرية اللاذعة أو الغضب الشديد، ولو أن رئيس الكهنة كان يتكلم ساخراً، إلا أن ما قاله تطابق مع ما كان يقول يسوع عن نفسه[5].

" والنص: أنت قلت" أو "أنتم تقولون أني أنا هو" الذي يقع على الأذن في العصر الحديث موقع المراوغة والتملص، لم يكن فيه شيء من هذا المعنى لدى الفكر اليهودي المعاصر للمسيح. فعبارة "أنت تقول" كانت الوضع التقليدي الذي يجيب به اليهودي المثقف على سؤال خطير أو حزين"[6].

"أنت قلت" رد إيجابي به خرج المسيح عن صمته وأجاب رئيس الكهنة بكل حزم عن حقيقة ذاته له المجد،  وهذا القول هو أسلوب الحكيم الذي قل ودل والذي لا يصدر إلا عن نفس راسخة مطمئنة، وفي الوقت نفسه هو تقريع لاذع لرئيس الكهنة يدعوه إلى التفكير والانتباه لأن حقيقة كون المسيح هو "ابن الله" كانت قد بلغت أذن هذا الرجل وآذان الكهنة معاً، وذلك بعد أن أيدها المسيح بالأدلة المعجزية، وأثبتها أيضاً من التوراة التي كانت بين أيديهم (تث 22: 41-46). ومن ثم لم يكن من الواجب أن تعاد هذه الحقيقة أمامهم مرة أخرى.

مما يثبت أن المسيح نفسه هو قائل هذه العبارة، أنه قد استعملها في أقواله كثيراً. فلما سأله يهوذا الإسخريوطي في الليلة السابقة للصلب: هل أنا هو –الذي سيسلمك- يا سيدي؟ أجابه المسيح: أنت قلت" مت 26: 25.

ولما سأله بيلاطس الوالي أثناء المحاكمة "أفأنت إذاً ملك؟ أجابه على الفور: أنت قلت" يو 18: 38[7].

-وكما أوضحنا سابقاً- إن المسيح لم يكن مضطراً للإجابة على سؤال رئيس الكهنة، لأن الهدف من السؤال ليس المعرفة، بل ليجدوا ما يشتكوا به عليه، ولكنه أجاب حتى لا يستنتجوا من سكوته أنه رجع عن دعواه، أنه هو المسيح ابن الله الحي.

ومن الأدلة على أن الشخص الذي يحاكم هو المسيح وليس أي شخص آخر ما يلي:

1-إن اليهود فهموا من قوله: "أنت قلت" أنه هو المسيح، والدليل على ذلك أنهم اتهموه بالتجديف. وقالوا: "إنه مستوجب الموت" والمسيح قد أيد صحة هذا ولم يقل لهم أبداً أنهم قد أخطأوا فهم أقواله.

2-لو كانت هذه الإجابة تعني الإنكار، لأطلق رؤساء الكهنة سراحه، لأنه بذلك يكون قد أنكر ما يدعيه بكونه هو المسيح، والجماهير التي تبعته على أساس أنه هو المسيح المنتصر كانت ستفارقه، وبذلك تنتهي القضية كلها.

3-إن بقية قول المصلوب "من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء" فيه يوضح لهم أنه هو المسيح المنتظر الذي تنبأ عنه العهد القديم في دا 7: 13-14. أي أن المصلوب يقتبس النبوات التي جاءت عن المسيح في العهد القديم، والتي يعرفها سامعوه جيداً، ومطبقاً إياها على نفسه. فكيف ينكر المتهم أنه هو المسيح، ثم يطبق –في نفس القول- نبوات العهد القديم عن المسيح على نفسه؟ هذا يؤكد أن هذا الشخص هو المسيح نفسه.

4-لو كان هذا الشخص هو يهوذا أو غيره، فلماذا لم يقل لهم صراحة أنه ليس هو المسيح، حتى يطلقوا سراحه، ولا يعطي لهم أي فرصة للالتباس أو التشكك.

5-ثم أن الأحداث التي تلت ذلك من خلال أقوال وأعمال هذا الشخص تؤكد لنا أنه هو المسيح.

إذاً استخدام هذه المقولة لإثبات أن المصلوب ليس هو المسيح، هي رامية من غير رامٍ، وادعاء كاذب ولا سند له من حقيقة.

 

(59) المسيح بين الحقائق والأوهام. ص 76.

وانظر أيضاً 1-المنتخب الجليل. ص 308, 311.

2-بين المسيحية والإسلام. ص 166.

3-الرد على النصارى. ص 74.

4-الأجوبة الفاخرة. ص 56.

5-الفارق بين المخلوق والخالق. ص 47.

6-دعوة الحق. ص 123.

7-المسيح قادم. ص 57.

(60) تفسير العهد الجديد. وليم باركلي. مجلد1. ص 654-655.

(61) قضية الصليب. عوض سمعان. ص 125-126.

(62) من دحرج الحجر. فرانك موريسون. ص 109.

(63) التفسير الحديث: إنجيل متى. ر.ت.فرانس. ص 424.

(64) من دحرج الحجر. ص 109.

(65) قضية الصليب. ص 127.