إنكار المصلوب أثناء المحاكمة أمام بيلاطس

القسم: من هو المصلوب.

"في اليوم التالي –للقبض على المسيح- وأمام بيلاطس، يسأله الأخير، إن كان هو المسيح، فلا يجيبه بالإيجاب، وإنما كما ذكر المرة السابق –أمام رئيس الكهنة- بقوله له: أنت تقول. ثم لا يجيبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جداً، فإذا كنا قد رأينا المسيح عند وصول الأعداء إليه للقبض عليه لا يتردد في أن يجاهر بأنه من يريدون عندما يقولون أنهم يريدون يسوع الناصري. فإذا كان المسيح نفسه هو الماثل أمام قيافا ثم الوالي، ففيم عدم مجاهرته بأنه المسيح. ليس هناك من تفسير لذلك إلا أن يكون هذا الماثل هنا ليس المسيح، وإنما آخر نعرف أنه يهوذا الاسخريوطي"[1]

التعليق:

لنا على هذا القول عدة تعليقات:

1-إن بيلاطس لم يسأل المتهم إن كان هو المسيح. فبالرجوع إلى الكتاب المقدس نجد في مت 27: 11-14 "فوقف يسوع أمام الوالي، فسأله الوالي قائلاً: أأنت ملك اليهود؟ فقال له يسوع: أنت تقول، وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء. فقال له بيلاطس: أما تسمع كم يشهدون عليك، فلم يجبه بكلمة واحدة، حى تعجب الوالي جداً" (اقرأ أيضاً مر 15: 52، لو 23: 1-4).

ويذكر يوحنا تفاصيل الحوار:

"ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له: أأنت ملك اليهود؟ أجابه يسوع: أمن ذاتك تقول هذا أم أن آخرين قالوا لك عني. أجابه بيلاطس: ألعلي أنا يهودي. أمَّتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلي ماذا فعلت؟ أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا. فقال له بيلاطس: أفأنت إذاً ملك. أجاب يسوع: أنت تقول إني ملك. لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق" يو 18: 33-37.

فسؤال بيلاطس للمسيح هو: هل أنت ملك اليهود، وليس هل أنت هو المسيح؟

لقد أصدر السنهدريم اليهودي حكمه على المسيح بأنه مستوجب الموت، لأنه جدف (مت 26: 65-66) ولم يكن –كما أوضحنا سابقاً- من سلطة اليهود في ظل الاحتلال الروماني إصدار أو تنفيذ حكم الموت (يو 18: 31). ولذلك ذهبوا بيسوع إلى بيلاطس، وأمام بيلاطس تغيرت التهمة من دينية (مجدف) إلى سياسية "وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائلاً إنه هو مسيح ملك" لو 23: 3.

وفي أثناء المحاكمة سأل بيلاطس المسيح: "أأنت ملك اليهود" يو 18: 3.

وهنا أراد المسيح أن يبين لبيلاطس مراده بلفظة ملك، قبل أن يجيبه على سؤاله، وكأن المسيح يقول له: إن أردت بالملك ما يعنيه الرومانيون أي ملك أرضي كقيصر، قلت: لا. ولكن إن أردت به ما يعنيه اليهود على ما في نبواتهم فالجواب: نعم. واليهود عرفوا أن المسيح قال أنه ملك روحي لكنهم أرادوا أن يفهم بيلاطس أنه ادعى كونه ملكاً أرضياً.

وعند ذلك أجابه بيلاطس: ألعلي أنا يهودي. أي أن بيلاطس هنا ينكر أنه استعمل لفظة ملك بالمعنى اليهودي، بل بالمعنى الروماني فلا شك أن جواسيسه نقلوا له كثيراً من أقوال المسيح الذي لم يدع يوماً أنه ملك أرضي.

ثم أ جاب المسيح: مملكتي ليست من هذا العالم، هنا يعلن المسيح أنه ملك ولكن مملكته ليست أرضية مقاومة لمملكة قيصر، بل مملكة روحية تسود على قلوب الناس أي أن المسيح لم ينف أنه ملك. ولذلك عندما قال له بيلاطس: أفأنت إذاً ملك ؟ أجاب يسوع: أنت تقول أني ملك (يو 18: 38).فالمسيح هنا يقول له: نعم إني ملك كما قلت –وكما أوضحنا سابقاً فعبارة: "أنت قلت" في رد المسيح على رئيس الكهنة لا تعني النفي- فهكذا هنا أيضاً. والدليل على أنها رد إيجابي وليس سلبياً أن:

أ-المسيح قبل ذلك مباشرة أعلن أنه ملك ولكن مملكته ليست أرضية بل روحية.

ب-"أنت قلت" تعني كما تقول أنت.

جـ-بيلاطس فهم من هذا الرد انه رد إيجابي، لأنه قال لليهود بعد ذلك "أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود" يو 18: 39. وعندما صرخوا اصلبه، قال لهم بيلاطس: "أأصلب ملككم" يو 19: 5. وعندما أصدر بيلاطس حكمه بصلب المسيح، كتب عنواناً ووضعه على الصليب وكان مكتوباً "يسوع الناصري ملك اليهود" يو 19: 19. فالمسيح لا ينكر أنه مسيح ملك.

2-إن المسيح عندما لم يجبه ولا عن كلمة واحدة، فهو هنا لم ينكر كونه هو المسيح -كما يفهم من الادعاء السابق- ولكن المقصود بذلك أنه لم يجبه عن أي كلمة من الاتهامات الموجهة من رؤساء الكهنة والشيوخ. فبيلاطس يقول للمسيح "أما تسمع كم يشهدون عليك. فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة" مت 27: 13 من هذه الاتهامات. لأنها كلها مجرد افتراءات كاذبة واتهامات باطلة.

مما سبق لا نرى في هذا القول إن المصلوب ليس هو المسيح.

(88) دعوة الحق. ص 124.