عقائد

الباب الحادي عشر: في زيارة الأماكن المقدسة

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

هذه الزيارات هي أسفارٌ إلى أماكن أو ذخائر مقدسة يمارسها الإنسان على أمل أنهُ ينال بواسطتها نعمةً وبركة.

لا يوجد دليلٌ على زيارة أحد للأرض المقدسة في الثلاثة القرون الأولى. وذلك أنه كانت على المسيحيين في تلك الأعصار الاضطهادات الشديدة حتى لم يمكنهم أن يزوروا تلك الأطراف من دون خطر. ولكن لما حصلوا على الطمأنينة في أيام قسطنطين الكبير في القرن الرابع زال هذا المانع وحينئذٍ صار الناس يعتبرون هذه الزيارات ويظنون أن فيها ثواباً جزيلاً. وابتدأوا يفتكرون أنهم بواسطة زيارة فلسطين أي الأرض المقدسة وقبور الشهداء يحصلون على قداسة عظيمة وينالون الخلاص لا محالة. وعلى هذه الحال توجهت هيلانة أم قسطنطين لزيارة أورشليم لأجل إيجاد الصليب الحقيقي. وجموع كثيرة من أقاليم وبلدان مختلفة في المملكة اقتدوا بها فازدحموا على الأماكن التي تردد فيها الرب يسوع مع رسلهِ واجترح الآيات وتألَّم[261] وفي القرن الخامس كثرت هذه الزيارات حتى أن البعض من المسيحيين داخلتهم أوهامٌ مضحكة من هذا القبيل فلم يعودوا يكتفون بزيارة فلسطين بل كان البعض منهم يذهبون حتى إلى العربية لكي ينظروا المزبلة التي كان يجلس عليها أيوب الصدّيق ويقبّلوا الأرض التي ابتعلت دمهُ المكرَّم[262] ومن القرن الخامس فصاعداً صارت هذه الأسفار شائعة ولم تزل هكذا إلى هذه الأيام كما لا يخفى.

ولكن مع أن هذه العادة كانت شائعة إلى هذا الحد قاومها المشاهير من آباء الكنيسة في القرن الرابع والخامس لأنهم كانوا يحسبونها مضرة جداً. وكان من جملتهم غريغوريوس النيسي وفم الذهب وإيرونيموس وأوغسطينوس.

ولنذكر بعض عبارات من رسالةٍ كتبها غريغوريوس النيسي إلى صديقٍ لهُ[263] فيها بعد أن يعلم أنه يجب على كل مسيحي أن يقوّم كل سيرته بحسب قاعدة الإنجيل وأنهُ إذا لم يكن لهذه العادة برهان من العهد الجديد يجب رفضها يقول أنه عندما يدعو الرب المباركين إلى ميراث ملكوت السماوات لا يعدّ السفر إلى أورشليم بين الفضائل. وفي إعطائه التطويبات لا يحسب الغيرة في الزيارات من جملتها. فإذاً لماذا تظهر هذه الغيرة لأجل أمرٍ لا يجعل الإنسان سعيداً ولا يقتاد إلى ملكوت السماء. ولو كان مثل هذا العمل في ذاته نافعاً لا يستلزم ذلك فعلهُ من الكاملين. ولكن عند إمعان النظر يظهر أنه بالحقيقة يسبّب فساد النفس للذين هم مهتمّون في السيرة التقوية فيليق بكل واحد أن يحترز من أن يقع عليه ضررٌ بسببهِ. ثم أنه يبين الأخطار الحاصلة على النساء من هذه الزيارات وأن كثيراً من النساء يرجعن أردأ مما كنَّ قبلاً. ويقول أيضاً وعدا ذلك لو كان في الأماكن المقدسة نعمة أكثر (من باقي الأماكن) لكانت الخطية لا تتسلط على الساكنين هناك. والحال أنه قلما يوجد في العالم نوعٌ من الفساد إلا وهو موجود هناك كالحقد والزنا والسرقة وعبادة الأوثان والحسد والقتل. وبالحقيقة إن مثل هذه القبائح قد صارت مستوطنة هناك حتى أنه لا يوجد في مكان آخر ميلٌ إلى القتل بمقدار ما يوجد هناك حيث الناس كالوحوش الضارة يتعطشون إلى سفك دماء الغير لأجل الأرباح الدنيئة. فكيف يمكن إذاً التثبيت أنه في الأماكن التي يُرتَكب فيها مثل هذه المعاصي توجدُ نعمةٌ زائدةٌ.

وإذ كان قد اقتضى أن المذكور يجتاز في فلسطين إلى العربية لأجل حاجة تخص الكنيسة يقول أننا إنما نتكلم في هذا الموضوع عما رأيناه بأعيننا. فإننا قبلما وصلنا إلى تلك الأماكن بمدة طويلة عرفنا أن المسيح منذ زمانٍ مديد ظهر كالإله الحقيقي فلم يزد إيماننا بهذه الواسطة ولم ينقص. لأننا كنا قد اطّلعنا على سرّ تجسّده من العذراء قبل أن وصلنا إلى بيت لحم. فالمنفعة التي اكتسبناها بواسطة هذا السفر إنما هي كوننا قد تعلّمنا بالمقايسة أن بلادنا أقدس من البلاد الغربية. انتهى.

ثم أن كلام فم الذهب[264] وإيرونيموس[265] وأوغسطينوس[266] الذي يشبه الكلام المتقدم ذكره تمكن مراجعته في تصانيفهم التي نشير إليها في الحاشية. وما ذكرناهُ بإسهاب من كلام غريغوريوس يغنينا عن إيراد شيءٍ من كلامهم.

والذي نريد أن نذكرهُ زيادةً على ما تقدم هو أنه ولو كان الناس الأتقياء يجدون لذة في زيارة الأماكن المقدسة لا يوجد في الكتاب المقدس ما يثبت الرأي أنه بمجرد هذه الزيارة يحصل الإنسان على شيءٍ من القداسة. وما دام الحق لا يؤثر في القلب فيقدسه لا يمكن أن مجرد نظر مثل هذه الأماكن يخلّص الإنسان البتة. ولو صرف حياته في نفس المكان الذي سفك المسيح فيه دمهُ ولم يتب عن خطاياه ولم يَسِر سيرة طاهرة لا بد أنه مع كل ذلك يهلك. وإذا كانت قراءة واستماع حقائق الإنجيل لا تؤثّر في قلبه لا يمكن تطهيره بواسطة زيارة فلسطين وأماكنها المقدسة.

[261] - مسهيم مجلد 1 وجه 311.

[262] - فم الذهب موعظة 5 عن التماثيل فصل 1 مجلد 2 وجه 95.

[263] - رسالات غريغوريوس في الزوار إلى أورشليم مجلد 1 وجه 661.

[264] - موعظة 1 في الرسالة إلى فليمون مجلد 6 وجه 676 وموعظة 3 على أ÷ل أنطاكية وجه 41.

[265] - إيرونيموس رسالة 49 إلى بولينوس في أعماله مجلد 4 فصل 2 وجه 263 إلخ.

[266] - أوغسطينوس خطاب 1 على كلام الرسل وخطاب على القديسين.

 

أضف تعليق


قرأت لك

من الذي قسّى قلوبهم الله أم التلاميذ؟

"لأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بِالأَرْغِفَةِ إِذْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً." (مرقس 6: 52). طبعا هنا في هذه القصة نفهم بأن التلاميذ قسّوا قلوبهم لأن الرب يسوع قبلها عمل معهم معجزات إما معهم أو مع غيرهم وهم رأوا هذه المعجزات تحدث أمامهم مثل المشي على الماء وشفاء الكثيرين من الأمراض وطرد الارواح الشريرة وإقامة موتى واطعام الخمسة آلاف و..و.. 

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة