عقائد

الباب السابع عشر: في الرهبنة

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إن الرهبنة قد نشأت من التوهم بأن الانفراد عن معاشرة الناس واستعمال التقشفات والتأملات الدينية هي ذات استحقاق عظيم. ولكن لا يوجد سندٌ لهذا الوهم في الكتب المقدسة لأن مثال المسيح ومثال رسلهِ يضادَّانه باستقامةٍ. فإنهم لم يعتزلوا عن الاختلاط بالناس لكي يعيشوا بالانفراد. بل إنما كانوا دائماً مختلطين بالعالم يعلّمون الجميع ويجتهدون في ترجيعهم من خطاياهم إلى القداسة. والرهبنة تغلط بالكلية في ما يخص كيفية القداسة فإنها لا تقوم بالتأمل في حقائق الديانة في خلوةٍ. لكن بالامتناع عن كل خطية وتتميم واجباتنا في جميع أحوال هذه الحياة بأمانةٍ وغيرةٍ. ونحن نقول بكل جراءةٍ أنه لا يوجد في جميع الكتاب المقدس مثالٌ للرهبنة ولا يوجد أمرٌ من أوامره يلزم بها. بل بالعكس فإن روح الكتاب وفحواهُ يضاد كل دعوى بالقداسة مبنية على العيشة المنفردة المقرونة بالتقشفات. انظر إلى التوبيخات الصارمة التي وبخ بها مخلصنا الفريسيين الذين كانوا يميلون طبعاً إلى الافتخار بقداسةٍ سامية بواسطة تقشفاتهم.

ولكن مع أن الكتاب المقدس لا يمدح العيشة الانفرادية قد ظهر الميل الشديد إليها في الكنيسة في آخر القرن الثاني وفي أول القرن الثالث. غير أنه حصلت مقاومة لذلك من بعض أناس كالمؤلف الملقب راعي هرمس وإكليمنضس الإسكندري الذي توفي سنة 220 وهو يقول في مقاومته لهذه التقشفات أنه كان يوجد أناس متقشفون بصرامةٍ بين الهنود أي السمانيين. ومن هنا أخذ دليلاً على أن العوائد التي توجد أيضاً في الأديان الأُخر وتكون مقرونة بالخرافات لا يمكن أن تكون من خاصيات الديانة المسيحية. فإن أنواعاً كثيرة من عبادات الوثنيين تأمر كهنتها بالبتولية والامتناع عن أكل اللحم. وهو يقول أيضاً أن بولس الرسول يقول أن ملكوت الله لا يقوم بالأكل والشرب. فلا يقوم إذاً بالامتناع عن الخمر واللحم ولكن بالبر والسلامة والفرح بالروح القدس. وكما أن التواضع يظهر لا بمقاصة الجسد بل بلطافة الأخلاق كذلك القناعة هي فضيلة في النفس تقوم لا بما هو خارج الإنسان بل بما هو داخلهُ. والقناعة لا تتجه إلى شيءٍ واحد فقط كاللذة بل من خصائص القناعة أيضاً أن نحتقر المال ونضبط اللسان ونقهر الخطية ونتسلط عليها بواسطة العقل[339] وقد كتب أيضاً رسالة مخصوصة لأجل تقويم رأي الذين كانوا يحسبون رفض جميع الخيرات الدنيوية كمالاً مسيحياً حقيقياً ولقبها ماذا يجب أن تكون أوصاف الإنسان الغني لكي يقدر أن يخلص. وفي الفصل الحادي عشر منها يقول أن المخلص لا يأمر كما يزعم كثيرون أن نطرح خيراتنا الدنيوية بل أن ننفي عنا محبة المال والانشغاف به الذي هو مرض النفس وأن نلقي عنا الاهتمامات وأشواك الحياة العالمية التي تخنق زرع الحياة الروحية. ثم يقول أيضاً أن خاصة تعاليم المسيح التي نميزها عن سائر التعاليم لا تقوم بكونه يأمر بأعمال خارجية بل بأمور أفضل وأكمل وأكثر مطابقة للأمور الإلهية. تقطع الأصل والغصن جميعاً وتخرج من الأنفس كل ما هو أجنبي. ويقول أيضاً أن الذين طرحوا خيراتهم الدنيوية عنهم كانوا مملوئين عجباً وتكبّراً واحتقاراً للآخرين. فإن الإنسان قد يطرح أملاكه الدنيوية ومع ذلك يبقى في قلبه اشتهاؤها. فأي شيءٍ يبقى لكي يعطي الواحد الآخر إذا طرح كل شيء. فلو كان هذا هو تعليم ربنا كيف يمكن أن لا يختلف عن تعاليم أُخر مجيدة قد علَّم بها.

ولكن مع أن الرهبنة حصل عليها مقاومة من أناسٍ معتبرين في الكنيسة قد امتدَّت وانتشرت في المسكونة. وكان ابتداؤها في مصر في القرن الرابع إلا أن التقشفات والأصوام والتوحد قد حُسِبت من كثيرين فضيلة عظيمة قبل ذلك العصر كما تقدم بيانه. فإن في القرن الثالث رجلاً يقال له بولس من ثيبايس بسبب الاضطهاد الذي كان في أيام ديسيوس الملك اضطرّهُ الحال أن يطوف في البراري لكي ينجو من أيادي مضطهديه. فالوحدة التي أوصل إليها الاضطرار في أول الأمر اختارها بعد ذلك لنفسه ومارس تقشفات عظيمة[340] وبعض مسيحيين غيره أيضاً هربوا إلى البرية بسبب هذا الاضطهاد ولكن لم يشتهر أحدٌ منهم بالوحدة نظير بولس. ومن ثمَّ يحسبه البعض كأنه الشخص الأول الذي ظهر فيه روح الرهبنة ظهوراً كاملاً. غير أن أنطونيوس الذي ظهر في أول القرن الرابع يُلقَّب غالباً أبا الرهبان بما أنه هو الذي جمع أولاً رهباناً تحت نظامٍ واحدٍ وذلك في مصر ورسم لهم طريقة مخصوصة من العيشة تحت قوانين[341] وإذ حصل هذا الاتحاد بين جماعة من المتوحدين أقام باخاميوس أحد تلاميذ أنطونيوس وأسس ديراً في تابنيسيس من أعمال مصر وذلك سنة 340 وهذا أول ديرٍ بُنِي بين المسيحيين. وكان لهذا الدير قوانين منتظمة لأجل سياسة رهبانهِ وكان أعظم تلك القوانين الطاعة لرئيسهم[342] ثم أن طريقة الرهبنة امتدَّت من مصر إلى فلسطين وسورية بواسطة إيلاريون أحد تلاميذ أنطونيوس وذلك في القرن الرابع. وفي زمانٍ يسير كثرت الرهبان في تلك البلدان بمقدار ما كثرت في البلاد التي خرجت منها الرهبنة[343] وأما أرمينيا وآسيا الصغرى فكان أوستاثيوس الذي صار فيما بعد أسقف سبصطيا أول من أدخل الرهبنة إليها وذلك في القرن الرابع[344].

ثم الكنائس الغربية كانت الرهبنة في أول الأمر محتقرة فيها ولكن بواسطة مساعي واجتهادات أثاناسيوس أولاً[345] وأمبروسيوس وإيرونيموس بعد ذلك حصلت على القبول عندهم أيضاً حتى أنه في القرن الرابع وُجد أديرة كثيرة فيما بينهم. والأديرة التي بُنِيت أولاً في الغرب كانت على جزيرتين صغيرتين وهما جزيرة هونوري والقديسة مرغريتا وعلى جزائر هياري. وبُنيَ أيضاً بعضٌ منها في أماكن مختلفة من إيطاليا. ومرتين أسقف تور في فرنسا أقام ديراً كبيراً بالقرب من تلك المدينة. وذلك نحو آخر القرن الرابع[346] ويوحنا كاسيانوس أقام ديرين في مرسيليا بعد هذا الوقت بمدة غير طويلة.

ولا حاجة إلى تتبع تاريخ الرهبنة إلى آخرها غير أننا نقول أنها من آخر القرن الرابع فصاعداً امتدَّت بسرعةٍ عظيمة في أكثر الجهات. لأن توهُّم عظمة فضيلة العيشة الرهبانية والظن بأن رسم الديانة المسيحية الكاملة يوجد في العيشة الضيقة القشفة دعا كثيرين إلى ترك العيشة العمومية والاعتزال إلى الأديرة مع أن ذلك الوهم باطل ومضاد للكتب المقدسة. والبعض قد بالغوا بهذا المقدار حتى كانوا يدعون العيشة الرهبانية رسولية[347] مع أنها كانت تضاد عادة الرسل مضادة مستقيمة. وكانوا يدعونها أيضاً ملائكية وسماوية. ثم أن عدد الرهبان في تلك الأزمنة كان لا يكاد يُصدَّق. فإن باخاميوس كان عنده في ديره أكثر من ألف وثلاث مئة راهب. وكان تحت نظارته أكثر من سبعة آلاف راهب[348] وفي دير واحد في ثيبايس قيل أنه كان يوجد خمسة آلاف راهب[349] وفي نيتريا وهي بلاد مقفرة في مصر كان يوجد خمسون ديراً[350].

والنتيجة أن عدد الرهبان كثر بهذا المقدار وحدث أضرار باهظة من جملة أوجه بسبب ترك جماهير غفيرة للعالم وانفرادهم في الصوامع والأديرة حتى التزم الملك فالنس أن يخرج أوامر خصوصية في منع هذه العادة[351] إلا أنه لم ينجح كثيراً في ذلك.

[339] - خطب إكليمنضس كتاب 3 وجه 466.

[340] - إيرونيموس في حياة بولس.

[341] - أعمال القديسين لليوم السابع عشر من كانون 2 مجلد 2 وجه 107.

[342] - إيرونيموس رسالة 18 إلى أوستاكيوس.

[343] - إيرونيموس في حياة إيلاريون.

[344] - تاريخ كنسي لسقراط كتاب 4 وجه 23 و24.

[345] - إيرونيموس رسالة 16 في مدائح مرسللا.

[346] - رسالة 3 في حياة مرتين لسلبيتيوس سويرس.

[347] - أبيفانيوس هرطقة 61 فصل 4.

[348] - تاريخ كنسي لسوزومينوس كتاب 3 وجه 14.

[349] - كاسيانوس كتاب 14 وجه 1.

[350] - سوزومينوس كتاب 6 وجه 31.

[351] - قوانين ثاودوسيوس كتاب 12 فصل 1 وجه 63.

أضف تعليق


قرأت لك

المراجع

1 - الكتاب المقدس ( ترجة فاندايك )
2 - الدكتور لويس شيخو عن كتابه (النصرانية وأدابها بين عرب الجاهلية) -بيروت
3- الاستاذ فيليب حتي عن كتابه (تاريخ سوريا ) دار الثقافة - بيروت
4- الدكتور صديق وردة (أهمية أوغاريت في الأثار السورية ) أورلاندو - فلوريد

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة