عقائد

من جهة طريقة التعيين

القسم: كهنوت المسيح.

الباب الثالث: مقارنة بين كهنوت هرون وكهنوت المسيح

أولاً- الأعمال التمهيدية

1-تقريب هرون إلى خيمة الاجتماع:

بالرجوع إلى (خروج29، لاويين8)، يتضح لنا أن أول عمل قام به موسى النبي لتعيين هرون للخدمة الكهنوتية، هو تقريبه إلى خيمة الاجتماع (هـ) (التي كانت ترمز قديماً إلى موضع تقابل الناس مع الله أو الاجتماع به)، وذلك للدلالة على أن تعيين هرون لهذه الخدمة هو من قبل الله وبالارتباط به. أما المسيح، كإنسان، فهو الشخص الوحيد المعين للكهنوت من قبل الله وبالارتباط به، دون وساطة وسيط. فقد قال الرسول عنه "كذلك المسيح أيضاً لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة، بل الذي قال له: "أنت ابني. أنا اليوم ولدتك" (عبرانيين5: 5). ولذلك قال الله عنه منذ القديم من الناحية الإنسانية على لسان إشعياء النبي "هوذا عبدي[1]الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي... ا،ا الرب قد دعوتك بالبر..." (إشعياء42: 1و 6). وقال له المجد عن نفسه على لسان إشعياء النبي أيضاً "الرب من البطن دعاني. من أحشاء أمي ذكر اسمي (إشعياء49: 1).

2-غسل هرون بالماء:

وبعد ذلك غسل موسى أخاه بالماء، ليكون طاهراً حسب مقاييس الشريعة الطقسية.

أما المسيح فهو الشخص الوحيد الذي لم يكن في حاجة إلى غسل من أي نوع، لأنه كان في ذاته طاهراً في السيرة والسريرة، فعواطفه وأفكاره الباطنية، مثل تصرفاته وأعماله الخارجية، كانت بلا عيب على الإطلاق. فقد قال الوحي عنه إنه قدوس بلا شر ولا دنس. انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات (عبرانيين7: 26). وإنه لم يفعل خطية، ولا وجد في فمه مكر (1بطرس2: 22). وقال عن نفسه (كإنسان) لله على لسان داود النبي "جربت قلبي، تعهدته ليلاً، محصتني لا تجد فيَّ ذموماً. لا يتعدى فمي" (مزمور17: 3)، كما قال أيضاً "لأني بكمالي سلكت" (مزمور 26: 1).

3-وضع الملابس على هرون:

بعد غسل هرون، وضع موسى عليه الملابس الكهنوتية (المعروفة بثياب المجد والبهاء)، والتي كانت لا تستر جسده فقط، بل وتخلع أيضاً عليه جمالاً من الناحية الطقسية، وذلك لكي يظهر أمام الله في الحالة اللائقة من هذه الناحية.

أما المسيح فهو الشخص الوحيد الذي لم يكن به عيب أخلاقي يحتاج لأن يستر، وفي الوقت نفسه لم تكن الملابس- مهما كان شأنها- لتضيف إلى جماله الأدبي جمالاً. لأنه تبارك اسمه كان كاملاً كل الكمال، حتى في الأوقات التي كان يشعر فيها كإنسان بالجوع (متى4: 4)، والعطش والتعب (يوحنا4: 6- 9)، والألم أيضاً (لوقا22: 42). ولذلك كان حتى من الناحية الناسوتية "أبرع جمالاً من بني البشر" (مزمور45: 2).

4-مسح خيمة الاجتماع وآنيتها بدهن المسحة[2]:

كان دهن المسحة رمزاً إلى الروح القدس (أعمال10: 38، إشعياء 61: 1). ومسح خيمة الاجتماع وآنيتها به، كان رمزاً إلى تقديسها أو بالحري إلى عدم جواز استخدامها إلا في ما يخص الله، وذلك بواسطة المقدسين له دون غيرهم.

أما السماء التي يكهن فيها المسيح فمقدسة من تلقاء ذاتها، ولا يدخلها شيء دنس ولا ما يصنع رجساً أو كذباً (رؤيا21: 27). ونظراً لأنها ملك لله دون سواه، فلا يدخلها أحد من تلقاء ذاته مهما كان مقامه الديني في نظر الناس، بل يدخلها فقط المؤمنون الحقيقيون، الذين افتدوا بالدم الكريم، وعمل الروح القدس في نفوسهم للتوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية.

5-سكب الدهن على هرون ومسحه به:

وقبل تقديم الذبيحة الكفارية، سكب موسى الدهن على رأس هرون ومسحه به، إشارة إلى تقديسه بأكمله لله بالروح القدس[3].

أما المسيح فهو الشخص الوحيد الذي ولد من عذراء بقوة الروح القدس (لوقا1: 26- 35)، وهو أيضاً الشخص الوحيد الذي مسح بالروح بهيئة واضحة بواسطة الله نفسه، عندما أقبل له المجد على تبوء خدمته في العالم (متى3: 16)، أي قبل قيامه بعمل الفداء، وذلك بسبب قداسته الذاتية المطلقة. كما أنه هو الشخص الوحيد الذي لم يكن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل (يوحنا5: 19).

ثانياً-الذبائح الخاصة بتعيين هرون والإجراءات المتعلقة بها

وكان موسى يأتي بعد ذلك إلى خيمة الاجتماع بثور ليكون ذبيحة خطية (و) وكبش ليكون ذبيحة محرقة (ز)، وآخر ليكون ذبيحة الملء أو التكريس. وكانت الذبيحة الأولى ترمز إلى المسيح بوصفه الذي كان عتيداً أن يموت تحت دينونة الخطية المريعة عوضاً عنا، حتى ننال الصفح والغفران. والذبيحة الثانية كانت ترمز إلى المسيح الذي أطاع الله وأرضاه حتى الموت، موت الصليب (فيليبي2: 8)، الأمر الذي جعلنا موضوع رضا الله في شخصه المبارك. والذبيحة الثالثة ترمز إلى المسيح الذي يملأ قلوبنا ويشبعها بمحبة الله فنتكرس بالتمام له (يوحنا6: 51- 64). والإتيان بهذه الذبائح إلى خيمة الاجتماع كان يرمز إلى أن التمتع بالغفران ورضا الله والشبع بالمسيح، لا يكون إلا بالارتباط بالله وحده، والآن لنتحدث قليلاً عن الإجراءات الخاصة بكل ذبيحة من هذه الذبائح:

1-ثور الخطية:

(أ)-كان هرون يضع يديه[4]على هذا الثور، وبعد ذلك كان موسى يذبحه ويضع من دمه على قرون مذبح المحرقة (ح) مستديراً، ثم يصب الباقي منه إلى أسفل هذا المذبح- ووضع هرون يديه على الثور (كما يتضح من الملحق الخاص بذبيحة الخطية) كان يرمز إلى انتقال خطاياه إلى هذا الثور. وذبح الثور بعد ذلك كان يرمز إلى التكفير به عن هرون. والقرون كانت ترمز إلى القوة، ووضع الدم عليها كان يرمز إلى أن قوة التكفير تتركز في الدم. وصب باقي الدم إلى أسفل المذبح كان رمزاً إلى أن الدم كله ملك لله، لأنه هو وحده الذي يقدر مدلوله. ورش الدم مستديراً كان يرمز إلى تقديس المذبح لخدمة الله، ويرمز أيضاً إلى أن كفاية هذا الدم لا أول لها ولا آخر.

أما المسيح فلم يكن خاطئاً مثل هرون حتى تقدم عنه ذبيحة خطية، بل كان كلي القداسة. ومن ثم كان هو بذاته ذبيحة الخطية لأجل الآخرين (2كورنثوس5: 21)، وذلك ليس بالمعنى الرمزي الوقتي كذبائح العهد القديم، بل بالمعنى الحقيقي الأبدي. لأنه هو الذي وضع الله عليه فعلاً إثم جميعنا (إشعياء53: 6) وفي دمه تكمن فعلاً القوة الكافية لفداء جميع الذين يؤمنون به إيماناً حقيقياً، إلى الأبد الذي لا نهاية له (عبرانيين9: 12). والله وحده هو الذي يستطيع أن يقدر قيمة دم المسيح الكريم، لأنه وحده هو الذي يعرف شخصه المبارك (لوقا10: 22). وعلى أساس تقدير الله لدمه (لا تقديرنا نحن) يتعامل تعالى معنا من جهة الغفران والقبول الأبدي لديه.

(ب)-وبعد ذلك كان موسى يأخذ كل الشحم الذي على الأحشاء وزيادة[5]الكبد والكليتين وشحمهما، ويوقد الجميع على المذبح- والشحم دليل على مقدار ما يتمتع به الحيوان من صحة وعافية. وزيادة الكبد أو الحجاب الحاجز هو الذي يتحرك عند كل شهيق وزفير يصدر منا، والكليتان يعبر بهما عن الضمير الذي عندما يشعر بأي خطأ يسعى للتخلص منه، كما تفعل الكليتان بالمواد الضارة بالجسم (مزمور16: 7). وإيقاد هذه كلها على المذبح كان يرمز إلى تقديمها إلى الله، رائحة سرور.

وإذا نظرنا إلى المسيح، نرى أن كل قواه، وكل حركات الشهيق والزفير التي كانت تصدر منه، بل وكل الأفكار والعواطف التي كانت تجول في أعماق نفسه، كانت بأسرها لأجل مجد الله وسروره فحسب.

(ج)-وأخيراً كان موسى يأخذ لحم الثور وجلده وفرثه ويحرق الجميع خارج المحلة- وحرق الثور كان يرمز إلى تحمله القصاص الأبدي الذي كان يجب أن يحل بهرون بسبب خطاياه. وحرقه خارج المحلة (التي كانت تبعد عن خيمة الاجتماع بمقدار 4000 متر تقريباً) كان رمزاً إلى نجاسته بسبب ما وضع عليه من خطايا (بصفة رمزية)، الأمر الذي يدل على شدة كراهية الله لها. كما أن حرق الثور بكل ما فيه كان رمزاً إلى حلول قضاء الله، ليس فقط على ما في الإنسان من شر (المرموز إليه بالفرث)، بل وأيضاً على كل ما يعتبر خيراً فيه (والمرموز إليه باللحم والجلد)، لأن هذا الخير، لصدوره من الإنسان الذي يكمن فيه الفساد، لا يكون خيراً صافياً، بل يكون ملوثاً بهذا الفساد، ولو إلى حد ما.

وعندما قبل المسيح راضياً أن يكون كفارة عنا، حمل خطايانا في جسده كأنها خطاياه الشخصية (مزمور38: 4، 18)، وقبل في نفسه قصاص الله الذي كان يجب أن يحل بنا إلى الأبد. ومن ثم أخرج وقتئذ خارج أورشليم أو خارج المحلة، أو خارج الباب (عبرانيين13: 12)، كما لو كان بجملته- تبارك اسمه- شخصاً نجساً أو أثيماً )إشعياء53: 12).

2-كبش المحرقة:

(أ)-وكان هرون يضع يديه على هذا الكبش. وبعد ذبحه، كان موسى يرش دمه على المذبح من كل ناحية- ووضع هرون يديه على الكبش المذكور (كما يتضح من الملحق الخاص بذبيحة المحرقة) كان رمزاً إلى انتقال كماله (أو بالحري براءته) إلى هرون للرضا عنه أمام الله. ورش دم هذا الكبش في كل النواحي إشارة إلى أن كفايته للتكفير أو بالحري للحصول على رضا الله، لا أول لها ولا آخر من الناحية الرمزية.

والمسيح هو الذي قدم نفسه قرباناً أو ذبيحة لله رائحة طيبة (أفسس5: 2)، وفي شخصه الكريم أصبح المؤمنون الحقيقيون كاملين في نظر الله (عبرانيين10: 14) بل موضوع سروره ورضاه أيضاً (أفسس1: 5).

(ب)-وكان موسى يقطع الكبش بعد ذلك إلى قطعه، ويغسل جوفه وأكارعه ورأسه، ثم يوقده على المذبح رائحة سرور للرب- والغرض من تقطيع هذا الكبش إلى قطعه أو بالحري إلى أجزائه الرئيسية (وليس تقطيعه كما اتفق)، إظهار سلامة كل جزء منه على حدة. والغرض من غسله بالماء، إبعاد كل قذارة يمكن أن تكون فيه، حتى يصبح نظيفاً تماماً.

والمسيح هو الشخص الوحيد الذي تطلع الله إلى كل ناحية منت نواحي حياته، فوجد كاملاً كل الكمال، سواء من جهة عواطفه (المرموز إليها بالجوف)، أو سلوكه (المرموز إليه بالأركاع)، أو تفكيره (المرموز إليه بالرأس) لأنها جميعاً كانت تتجه إلى إرضاء الله دون سواه، لاسيما من ناحية التكفير عن الخطاة تحقيقاً لمشيئته الأزلية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن كلمة "يوقد" المستعملة مع ذبيحة المحرقة، ليست هي الكلمة المستعملة لحرق ثور الخطية. فبينما الثانية تستعمل للدلالة على الالتهام بنار مستعرة، فإن الأولى تستعمل لإيقاد البخور العطر، الأمر الذي يدل على أن هذه الذبيحة (كما ذكرنا) كانت رمزاً إلى المسيح من ناحية كونه الذي مجد الله على الأرض، وإلى أن موته الكفاري كان مثل البخور العطر أمامه تعالى (أفسس5: 2). كما أن إيقاد الذبيحة المذكورة بأسرها على المذبح وليس خارج المحلة (مثل ثور الخطية)، إشارة إلى أن موت المسيح كذبيحة محرقة لم يكن خاصاً بالخطية وتحمل نتائجها نيابة عن البشر، بل خاصاً بتمجيد الله بغض النظر عن إفادة أحد من البشر من موته له المجد. ولا غرابة في ذلك، لأن تمجيد الله وإن كان مقترناً بفدائنا، لكن يجب ألا يغيب عنا أن الخطية كما أفسدت البشر، قد أساءت إلى الله أيضاً. وبما أن حق الله أهم بما لا يقاس من مصلحة البشر، لذلك كان من الواجب أن يتمجد الله أولاً، قبل أن يصفح عن المؤمنين منهم إيماناً حقيقياً[6]. كما أن تمجيد الله بموت المسيح الكفاري، هو في الواقع الأساس الراسخ الذي يبني عليه المؤمنون الحقيقيون قبولهم أمام الله إلى الأبد، إذ لولاه لخامرهم الشك في إمكانية تمتعهم بهذا القبول، إذا أخذوا في زلة ما.

3-كبش الملء[7] أو التكريس:

(أ)-كان هرون يضع يديه على رأس هذا الكبش، وبعد ذبحه كان موسى يضع دمه على شحمة أذن هرون اليمنى، وعلى إبهام يده اليمنى، وإبهام رجله اليمنى[8]، ثم يرش الدم على المذبح من كل ناحية- فوضع يدي هرون على راس الكبش، كانت إشارة إلى اتحاده معه، أو بالحري على نيابة الكبش عنه. وذبح الكبش كان إشارة إلى أنه كفارة عن هرون ووضع دم الكبش على أعضاء هرون المذكورة كان إشارة إلى تطهيرها وتكريسها لله، لكي تستخدم لأجل مجده وحده.

والمسيح هو نائبنا الذي نتحد به اتحاداً روحياً بالإيمان الحقيقي بشخصه أمام الله (رومية6: 5)، وهو وحده الفادي لكل من يؤمن به إيماناً حقيقياً. وإذا نظرنا إلى هرون كرمز إلى المسيح، فإن المسيح من الناحية الناسوتية هو الذي كانت حياته بأسرها مكرسة لله، فقد كان لا يصغي إلا لصوته (يوحنا8: 26، 28)، ولا يسير إلا في طريقه (لوقا4: 43)، ولا يعمل إلا مشيئته (يوحنا8: 29).

(ب)-ثم يأخذ موسى شحم الإلية والشحم الذي يغشى الجوف وزيادة الكبد والكليتين والشحم الذي عليهما والساق اليمنى، ورغيفاً واحداً من الفطير (أو بالحري الخبز الخالي من الخمير (ط)، وقرصاً واحداً من الفطير المعجون بالزيت، ورقاقة واحدة من الفطير المدهون بالزيت، ويضع الجميع في يدي هرون، فيرددها هذا ترديداً أمام الرب. ثم يأخذها موسى من يده ويوقدها على المذبح فوق المحرقة رائحة سرور أمام الرب.

وقد تحدثنا فيما سلف عن المعنى المتضمن في حرق الشحم وزيادة الكبد والكليتين. ولذلك نكتفي بالقول إن الساق اليمنى رمز إلى قوة الاحتمال التي بدت في المسيح في كل مرحلة من مراحل حياته على الأرض، لاسيما في تقديم نفسه كفارة. ورغيف الفطير كان رمزاً إلى ناسوت المسيح الذي لم يكن فيه شر (2كورنثوس5: 21). والفطير المعجون بالزيت كان رمزاً إلى ولادة المسيح بالروح القدس (لوقا1: 35) والرقاقة المدهونة بالزيت كانت رمزاً إلى مسحه أيضاً بالروح القدس عند بدء قيامه بالخدمة (لوقا3: 22).

والنار التي اجتازت فيها هذه الثلاثة أنواع من الفطير حتى أصبحت مهيأة للأكل كانت رمزاً إلى الآلام المتنوعة التي اجتاز فيها له المجد قبل الصليب، سواء كانت هذه الآلام بسبب شعوره ببؤس الناس لانحرافهم عن حق الله وركضهم وراء العالم، أو بسبب الاضطهاد الذي كانوا يصوبونه نحوه على الرغم من إحساناته المتعددة إليهم[9].

وهذه الآلام أظهرت محبة المسيح وعطفه وحنانه، بل وأظهرت أيضاً كماله الذي يفوق كل كمال، ومن ثم وجدنا فيه طعاماً شهياً لحياتنا الروحية التي نلناها منه بالإيمان. وترديد الفطائر والساق اليمنى (أو بالحري رفعها إلى الله مع تحريكها يميناً ويساراً) كان إشارة إلى ما يأتي: (أولاً) الشهادة[10]بأن الله بحد ذاته كلها في حياة المسيح. (ثانياً) اعتزازنا بالمسيح وإظهار التقدير الكلي له. (ثالثاً) التمتع العملي بشخصه الكريم بعد تكفيره عن خطايانا. أما إيقاد الفطائر والساق اليمنى بعد ذلك على المذبح، فكانا إشارة إلى أن حياة المسيح كانت بأسرها لله، وإلى أنه تعالى هو وحده الذي يقدرها حق التقدير.

(ج)-أخيراً كان موسى يأخذ من الدم ودهن المسحة وينضح على هرون وثيابه، فيتقدس هو وثيابه ودهن المسحة كما ذكرنا، كان رمزاً إلى الروح القدس. والنضح منه مع الدم كانا رمزاً إلى أن التقديس بالروح القدس يكون على أساس الفداء الكريم. وتقديس هرون وثيابه معاً، كان رمزاً إلى تقديس ما ظهر منه وما بطن.

وإذا نظرنا إلى ربنا يسوع المسيح نرى أنه هو الشخص الذي كان في الباطن والظاهر مقدساً بالتمام لله، ليس من الناحية الرمزية، كما كانت الحال مع هرون، بل من الناحية العملية. وقد شهد بهذه الحقيقة ليس أصدقاؤه فقط، بل وأعداؤه أيضاً (يوحنا8: 46).


30-"عبد الرب" اصطلاح كتابي يراد به الكائن الذي يتمم مقاصد الله غير المحدودة على أكمل وجه. ونظراً لأنه لا يستطيع القيام بهذه المهمة سوى الله، لأن كل المخلوقات محدودة، والمخلوقات المحدودة ليست لها القدرة على تنفيذ مقاصد الله غير المحدودة. لذلك فإن الاصطلاح المذكور لا يطلق إلا على المسيح، لأنه من الناحية الجوهرية هو الله. ومن الناحية الظاهرية إنسان كامل، ومن ثم يمكن أن يطلق عليه بحق "عبد الرب" أو "عبد الرب الوحيد".

31-كان هذا الدهن يصنع من أربعة أصناف عطرية، مضاف إليها زيت الزيتون (خروج30: 22- 25). وهذه الأصناف هي المر والقرفة وقصب الذريرة والسليخة. والأول رمز إلى آلام المسيح، والثاني رمز إلى حياته المنعشة، والثالث رمز إلى استقامة سلوكه، والرابع رمز إلى أنه الدواء للعلل.

32-وكان ذلك رمزاً إلى أن المسيح (المرموز إليه بهرون)، كان مقدساً في ذاته، وليس بذبيحته الكفارية التي قامها نيابة عنا. أما أبناء هرون فقد مسحهم موسى بالدهن بعد الذبيحة الكفارية. وكان ذلك رمزاً إلى أن أساس تقديس المؤمنين الحقيقيين في العهد الجديد (المرموز إليهم بأبناء هرون)، هو ذبيحة المسيح الكفارية عنهم.

33-إن العبارة "يضع يديه" ترد في الأصل العبري بمعنى "يضع يديه بشدة"، الأمر الذي كان يرمز إلى وضع كل الخطايا بأثقالها على الذبيحة. ولعل موسى الذي كتب هذه العبارة كان يسمع بالوحي صراخ المسيح لله، أثناء تحمله قصاص خطايانا قائلاً له: "علي استقر غضبك. وبكل تياراتك ذللتني" (مزمور88: 7).

34-يراد بزيادة الكبد ما فوقه. وما يوجد فوقه هو الحجاب الحاجز. ولذلك وردت في ترجمة "Knox" بما تعريبه "غطاء الكبد".

35-هذا مع العلم بأن الله لا يتمجد فقط في خلاص المؤمنين الحقيقيين، بل يتمجد أيضاً في هلاك غير المؤمنين بالاسم. لأنه يقدم لهم الخلاص مجاناً كما يقدمه لغيرهم، ومع ذلك فإنهم يرفضونه ويتحولون عنه.

36-كلمة "الملء" ترد في الأصل في صيغة الجمع، للدلالة على الامتلاء من كل ناحية من النواحي، أو بالحري على الشبع الذي لا مزيد عليه.

37-مما تجدر الإشارة إليه أن الأباهم من الأعضاء التي يتميز بها البشر، إذ لا يوجد لها نظير لدى الحيوان، كما أن إبهام اليد هو الذي يعتمد عليه في الكتابة، وإبهام القدم هو أكثر أصابعها حركة. أما الناحية اليمنى في الإنسان فهي بصفة عامة رمز للعمل والمهارة.

38-من هذا يتضح لنا أن الفطائر لكونها رمزاً إلى المسيح في حياته الناسوتية، فإن النيران الخاصة بها كانت رمزاً إلى الآلام التي قاساها من البشر بسبب كماله أثناء سيره في العالم. أما الذبائح لكونها رمزاً إلى المسيح في كفارته عن الخطيئة، فإن النيران الخاصة بها كانت رمزاً إلى الآلام الجهنمية التي تلقاها من يد العدالة الإلهية، في ساعات الظلمة التي كان له المجد معلقاً فيها على الصليب نيابة عنا.

39-من هذا يتضح لنا أنه ليس هناك مجال للشهادة عن المسيح إلا بعد الامتلاء أو التكريس له. أما الشهادة عنه قبل ذلك فتكون شهادة سطحية لا أساس لها في القلب، ومن ثم لا تكون لها قيمة أمام الله أو فائدة للسامعين.

أضف تعليق


قرأت لك

إمكانية الحياة المنتصرة

عرفنا في الفصل السابق أن الحياة المنتصرة تتصل بكل دوائر ومستويات الحياة، فهي تتصل بالفكر أو العقل، وبالجسد، وبالعالم، وبالشيطان، وبضغوط العالم الشرير، وبحياة القداسة العملية، وبحياة

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة