الكتاب المقدس كتاريخ

القسم: أطلس الكتاب المقدس.

إستعمال الأطلس

تظهر بعد إسم المكان إشارة إلى موقعه في خارطة أو خرائط. فإن الرقم الأول يشير إلى رقم الخارطة. ثم يشير الحرف الذي يليه إلى موقعه في الخارطة نسبة إلى الأحرف المكتوبة إلى رأس الخارطة أو أسفلها ويشير الرقم الآخر إلى موقعه في الخارطة بالنسبة إلى الأرقام المكتوبة إلى جانب الخارطة. وهكذا يشير ( 5 د 4 ، 6 أ 2 ) إلى أن المكان المذكور يقع في الخارطة رقم 5 في خانة الدال طولاً وخانة الأربع عرضا، وأيضا في الخارطة رقم 6 في خانة الألف طولاً وخانة 2 عرضاً.

للمزيد راجع فهرس الخرائط

في الكتاب المقدس الكثير من التاريخ مع أنه ليس كتاب تاريخ. أنه كتاب ديني. أنه سجلّ لأعمال الله التي جرت في تاريخ بني إسرائيل وبواسطة ذلك التاريخ. فمثلاً، لو أن مؤخراً مصرياً كتب تاريخ بلاده في الزمن القديم لما اهتم بتسجيل حادث خروج موسى والشعب من مصر. لكن هذا الخروج كان عظيم الأهمية حتى أفرد له سفرٌ بكامله في الكتاب المقدس.

ولا عجب ففي حادث الخروج أنقذ الله شعباً من العبودية، وابتدأ بالتعامل معهم بوصفهم شعبه. وفي إخراج الله ذلك الشعب من مصر بقيادة موسى أعلن ذاته الإله المخلص والمحبّ والذي يستحق من بني إسرائيل العبادة والطاعة. ولو أن مؤخراً عادياً كتب تاريخ هيرودس ملك فلسطين في زمن مولد المسيح، لما اهتم بذكر قتل عدد من الأطفال في بيت لحم، وكيف أن طفلاً واحداً نجا إذ هربت به أمه إلى مصر. وأي مؤرخ كان يمكن أن يهتم بتسجيل قصة صلب نجّار جليلي؟ أما الذين كتبوا أسفار العهد الجديد فقد اعتبروا نجاة يسوع من القتل في طفولته، وموته فيما بعد مصلوباً، حادثين عظيمي الأهمية. إن هذا بالنسبة لهم تاريخ الخلاص. لقد كان الطفل الذي نجا من القتل الإعلان الإلهي عن ذاته، وكان موته مصلوباً وقيامته بعد موته وسيلتي الخلاص الإلهي الذي يخصَّ جميع البشر والذي يحملّ هؤلاء البشر واجب العبادة والطاعة.


أهمية تاريخ الكتاب المقدس

يظن البعض أن ما جاء في الكتاب المقدس كتاريخ ليس مهماً، بل المهم هو مغزاه الديني. ويقولون أن المثل ليس من الضروري أن يكون واقعياً ويكفي أنه يوضح حقيقة روحية. لكن الأمر ليس كذلك. إذ من المهم جداً أن تكون الحوادث التي أعلن الله للبشر من خلالها حوادث ووقائع حقيقية. ليس إيمان الكتاب المقدس من تأليف البشر، ولسنا نعتمد في إيماننا على القبول بإدّعاء أناس يقولون أنهم يتحملون رسالة الله. فإن موسى، مثلاً وعد بني إسرائيل بإنقاذهم بقوة الله، وعندما أنقذهم من العبودية كان ذلك بقوة لم تكن قوّته ولا ادَّعى بأنها قوته. قال لهم موسى إن إلههم هو الذي أنقذهم، ودعاهم للخضوع لهذا الإله. إن كون حادث الإنقاذ تاريخاً أم مهمٌ جداً. لم يرد هذا الحادث في السجلات التاريخية القديمة، ولم يُذكر في غير الكتاب المقدس، إلا أن لدينا براهين كافية من الكتاب نفسه لتصديقه والثقة به. لا يختلق أيُّ شعبٍ قصّة كاذبة تروي أنهم كانوا عبيداً إلا إذا كانوا عبيداً فعلاً. ولا يُخفى أي شعب حقيقة قوته أو ذكائه إذا كان قوياً ذكياً وأنقذ نفسه بتلك القوة وذلك الذكاء. هذا بالنسبة لما جاء في العهد القديم. ونرى الشيء ذاته في العهد الجديد. فإن من المهم جداً لإيماننا أن يسوع كان حقاً شخصاً تاريخياً، وأنه صلب ومات وقام حقاً بعد موته. إن هذه أحداث حقيقية جرت في العهد القديم وفي العهد الجديد وفيها جرى الإعلان والفداء الإلهيّان.


علم الآثار وتاريخ الكتاب المقدس

كثيراً ما ادّعى البعض أن علم الآثار أثبت صحة الكتاب المقدس من الناحية التاريخية. هذا صحيح ولكن بشكل محدود. ولماذا نحتاج إلى علم الآثار لنبث أحداثاً تاريخية ثابتة؟ إن بعضاً من تاريخ الكتاب المقدس هو جزء من التاريخ العادي ويتَّفق معه اتفاقاً تاماً. ومن الجهة الأخرى- وهو أكثر أهمية- إن علم الآثار زاد ثقتنا بما جاء في الكتاب المقدس بسبب التطابق بينهما. ثم أن هذا العلم اغنى معرفتنا بخلفية تاريخ بني إسرائيل وقدّم لنا الأمثلة على ما ورد في ذلك التاريخ. لكنه، من بعض النواحي، صعّب الأمور على الطالب الذي يدرس الكتاب المقدس، ولا سيما ما يختص بحادث الخروج. بلغت مصر وبابل مرتبة عالية من التمدَّن قبل زمن إبراهيم وقد عثر المنقّبون عن الآثار على أشياء عديدة من كتابات تاريخية وغيرها هي بقايا ذلك التمدّن. كان إبراهيم يسكن في أور إحدى مدن مَملكة بابل. ثم أنتقل إلى حاران في شمال بلاد الرافدين قبل وصوله أخيراً إلى أرض كنعان. إن الشريعة الإسرائيلية لها ما يماثلها كخلفية قديمة في شرائع الشرق الأدنى والتي منها الشريعتان السومرية والبابلية المعروفتان لدينا الآن. وإن الكثير من العادات المذكورة في قصص سفر التكوين تتَّفق مع الحياة في أرض الرافدين حوالي سنة 1500 ق. م. كما بّينتها أعمال التنقيب في تلك المنطقة وعلى الأخص في موقع نوزو، مع أن هذه العادات لم تظهر في حياة بني إسرائيل في العصور التالية. إن هذا يثبت لنا أن القصص المتعلقة بأولئك الآباء المذكورين في سفر التكوين تنطبق تماماً على الزمن الذي عاشوا فيه. فإذا أحتفظ التقليد والتاريخ الديني بعادات الصور القديمة في شكل قصص فمن الممكن أن يحتفظ أيضاً بمحتوى تلك القصص. هذا وعلينا أن نتذكّر أن الناحية الروحية في قصة إبراهيم غير منقولة عن بابل. وإذا أزداد احترامنا للقيمة التاريخية لهذه القصص تزداد ثقتنا أيضاً بالحق الروحي الذي تتضمَّنه.

الخروج من مصر

ليس في المصادر المصرية التاريخية أي ذكر لوجود بني إسرائيل في مصر أو إخراجهم منها. لكن هناك انطباقاً كبيراً بين القصص المصرية والقصص الواردة في العهد القديم. كانت الإمبراطورية المصرية تمتد أحياناً في فلسطين وتصل نهر الفرات. الرسائل الأثرية المكتشفة في تل العمارنة كانت مرسلة من أمراء في فلسطين إلى سيدهم المصري قبل خروج الإسرائيليين من مصر. تُلاحَظ أشياء كثيرة في هذه الرسائل تتّفق ولا تتناقض مع قضية الخروج. لا يذكر سفر الخروج اسم الملك المصري الذي اضطهد بني إسرائيل، واسم فرعون ما هو إلا لقب لملوك عديدين، لكن جاء في السفر المذكور أن فرعون سخَّر بني إسرائيل فبنوا له مدينتين هما فيثوم ورعمسيس (خروج 1: 11). وجاء في سفر المزامير 78: 12، 43 أن المنطقة التي عأش فيها بنو إسرائيل في مصر هي بلاد صوعن، وصوعن اسم مدينة بناها رعمسيس الثاني ولفترة من الزمن كانت تدعى باي رمسيس نسبة إلى رعمسيس. إن هذا يساعدنا على تقدير تاريخ عبودية الإسرائيليين في مصر وزمن خروجهم منها.

فترة القضاء

عندما دخل بنو إسرائيل فلسطين من الجهة الشرقية كان الكنعانيون يحيطون بهم من كل جانب وقد عاشوا معاً زمناً طويلاً (قضاة 1: 21، 28 و 2: 23). ولم يحرز الإسرائيليون السيطرة على أرض كنعان إلا تدريجياً، وفي تلك الأثناء أخذوا عن جيرانهم الكنعانيين بعض العادات وأساليب العبادة. لقد حصلنا على معرفة واسعة لحضارة الكنعانيين وديانتهم من الكتابات التي اكتُشفت على ألواح رأس شمرة حيث كانت مدينة أوغاريت القديمة. فمع كون هذا الاكتشاف في شمال سوريا فهو يُمثّل الوضع في سوريا وفلسطين، ومنه اتّضح لنا لماذا قاوم المتديّنون في بني إسرائيل عبادة البعل التي عملت على إفساد ديانتهم التي جاؤوا بها إلى أرض كنعان من جبل حوريب في سيناء.

الملوك الأولون

كان الفلسطينيون القدماء، الذين باسمهم سميّت فلسطين، أمَّة بحرية غير ساميّة استوطنت أولاً جزيرة كريت، ثم انتقلت إلى مصر وسارت شمالاً إلى الساحل الفلسطيني. لقد بدأ هؤلاء الكريتيون (لتمييزهم عن الفلسطينيين العرب) بالانتشار شمالاً وشرقاً فضغطوا على بني إسرائيل حتى أن سبط دان اضطر للرحيل إلى شمال البلاد (قضاة 1: 34 وقضاة 18). ثم زحف هؤلاء الكريتيون إلى جبع في وسط المنطقة حتى اضطَّر بنو إسرائيل لمحاربتهم. ظهر صموئيل في هذا الوقت كنبي وقاض للشعب، وانتخب شاول الملك الأول لبني إسرائيل. قاد شاول الشعب فحاربوا العمونيين وغلبوهم فلم يعد لهؤلاء سيطرة على مدينة بابيش جلعاد (1 صموئيل 11). إن هذا الانتصار شجَّع شاول لبدء الحرب مع الكريتيين. أَحرز يوناثان ابن الملك شاول ومعه رجل واحد انتصاراً مفاجئاً على الكريتيين في مخماش. وكان هذا بداية تراجعهم من جميع المناطق الجبلية والأودية إلى السهل المحاذي لشاطئ البحر.

بعد هذا قوّى الكريتيون مراكزهم في الساحل وشمالاً وشرقاً حتى بيت شان فصاروا محيطين بالمنطقة الجبلية حيث كان بنو إسرائيل، ثم هاجموا الملك شاول من الشمال وألتقى الجيشان في جلبوع حيث قُتل شاول وابنه يوناثان، وانكسر جيشهما. بعد موت شاول انتقل ابنه الثاني ايشبوشت إلى محنايم في شرق الأردن، وتمركز داود في حبرون في الجنوب.

بعد هذا مات ايشبوشت، فلم يبقَ لداود منازع على الملك، فصار بالنتيجة ملكاً على كل إسرائيل. وإذ كان من قبل لاجئاً في جت، وهي إحدى مدن الكريتيين، وكان ذلك في الفترة الأخيرة من ملك شاول، لم يكن الكريتيون يشعرون بعداء له، فوطَّد ملكه دون أن يلقى منهم أيَّة مقاومة. تقوّى داود بعد ذلك فخضعت له الدويلات الصغيرة التي أحاطت بمملكته. وعندما تقاعد داود وتسلَّم الملك ابنه سليمان بلغ اتساع مملكته الحد الأقصى، لكنها ظلَّت تعتبر صغيرة بين القوّتين العالميتين في الشرق الأدنى اللتين هما مصر وآشور.

لم يحارب سليمان أحداً، نظَّم دولته تنظيماً رائعاً، وكان له قصر جميل يعج بالخدم والجواري. نجح سليمان كملك لكنه خسر قلوب شعبه بما أرهقهم به من الضرائب التي فرضها عليهم. تحالف مع حيرام ملك سور، واستعان به فحصل من لبنان على خشب الأرز والسرو لبناء الهيكل في أورشليم. وأنشأ بمساعدة حيرام سفناً على خليج العقبة، فكانت تحمل التجارة من عصيون جابر (ميناء العقبة الآن) وتمخّر عباب البحر الأحمر جنوباً إلى ساحل شرق إفريقيا.

انقسام المملكة

خسر سليمان قبل موته أجزاء عديدة من مملكته الواسعة. وما تبقى منها عاد فانقسم بعد موته إلى مملكتين، جنوبية وكان ملكاً عليها ابنه رجعام في أورشليم، بينما استقلَّ بالمملكة الشمالية قائد من الشعب وصارت عاصمتها فيما بعد مدينة السامرة. ونشبت حروب بين المملكتين فترة من الزمن.

تحالف أخاب ملك المملكة الشمالية مع بنهدد ملك الآراميين في دمشق وتعاون جيشا البلدين في مقاومة الغزو الآشوري للمنطقة. واكتشفت كتابة أثرية لملك آشور شلمناصَّر الثالث يقول فيها أن جيشه واجه الآراميين الذي كان يعاضده جيش مملكة إسرائيل. لقد حارب الآراميون والإسرائيليون جنباً إلى جنب في موقع قرقر وأوقفوا تقدُّم الآشوريين.

تزوَّج آخاب ملك السامرة الأميرة إيزابيل ابنة ملك صور (1ملوك 16: 31). فحاولت هذه الملكة الجديدة أن تنشر ديانة صور بين بني إسرائيل. لقد قاوم النبي إيليا جهود الملكة في صراعه مع أنبياء البعل على جبل كرمل (1 ملوك 18).

مدَّ الآشوريون سلطانهم من بين النهرين إلى الغرب، ونجحوا في عهد ملكهم تلغث فلا سرَّ فأخضعوا دمشق سنة 732 ق. م. وواصلوا زحفهم جنوباً فأخذوا السامرة سنة 721 وساقوا سكانها مسببين إلى نينوى عاصمتهم. لكنهم أخفقوا في حملتهم على أورشليم بعد أن حاصروها وهدَّدوها بقيادة سنحاريب في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد.

ثارت مدينة بابل على الآشوريين حوالي سنة 626 ق. م, واستولى الكلدانيون, سكان بابل, على نينوى نفسها سنة 626 ق. م. وهكذا تسلّم الكلدانيون أو البابليون زعامة المنطقة وبدورهم مدوُّا سلطانهم في اتجاه الغرب والجنوب الغربي.

حاولت مصر وقف الزحف البابلي. وكانت تنوي الاستيلاء على المملكة الأشورية المنهارة. وعلى الأخص المناطق غربي نهر الفرات. وحاول يوشيا ملك أورشليم اعتراض المصريين فالتقى جيشه بهم في مجدّو فقُتل (2 ملوك 23: 29). وصارت أورشليم تحت السيطرة المصرية. وجرت معركة بين المصريين والبابليين سنة 705 ق. م. في موقع كركميش فاندحر المصريون وانسحبوا، واستمر الزحف البابلي من شمال سوريا إلى الجنوب. واستمر الصراع على المنطقة زمناً طويىً.

من السبي إلى المسيح

وصل الكلدانيون، أي البابليون، مدينة أورشليم واستولوا عليها سنة 597 ق. م. (2 ملوك 24: 10)، وأخذوا يهوياكين ملكها أسيراً. ونصف الكتابات الأثرية المكتشفة في منطقة بابل أنواع الأطعمة التي قدّمت ليهوياكين وأولاده.

نصَّب البابليون على أورشليم الملك صدفيا. ولكن هذا عصا على نبوخذ نصّر ملك بابل. فعاد البابليون من جديد وحاصروا أورشليم وأخذوها ودمروا الهيكل وسبوا جميع السكان إلى بابل سنة 586 ق. م. (2 ملوك 25: 1).

استمر السبي حوالي 70 سنة حتى سقطت الدولة البابلية على يد كورش ملك الفرس سنة 537 ق. م. فسمح هذا لليهود بالعودة إلى أورشليم.

عاد كثيرون من السبي بتشجيع من الفرس وبنوا الهيكل سنة 520 ق. م. فوق أساسات هيكل سليمان، لكن البناء كان بسيطاً ولا شيء بالنسبة لهيكل سليمان الذي اشتهر بفخامته وجماله. عُرف الهيكل الجديد بهيكل زُرّبابل لأن هذا الرجل بالتعاون مع عدد مع الكهنة وباقي الشعب قاموا بعمل البناء. ورفض زربابل عرض السامريين المشاركة في بناء الهيكل، وكان هذا الرفض بداية الجفاء والعداء بين اليهود والسامريين على مرّ القرون. بعد هذا بنى السامريون هيكلاً خاصاً بهم في جبل جرزيم قرب مدينة نابلس.

وبنى نحميا وسكان أورشليم سور المدينة في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد، ولقوا صعوبات كثيرة ومقاومة ضاربة من الشعوب المحيطة، لكن ذلك لم يمنعهم من مواصلة العمل.

ليس في تاريخ اليهود في القرن الرابع قبل الميلاد ما يلفت. في هذا القرن سقطت مملكة الفرس عندما غزاها الاسكندر المكدوني (انظر الخارطة رقم 11). ليس في الكتاب المقدس الكثير عن هذه الفترة لكن المؤرخين كتبوا الكثير عنها. انتصر الاسكندر على الفرس في معركة أسوس سنة 333 ق. م. ولقيَ ترحيباً عن اليهود في أورشليم. ومرّ بمصر فأسس مدينة الاسكندرية، وصارت موطناً لعدد كبير من اليهود. بعدما مات الاسكندر سنة 323 ق. م. انقسمت مملكته إلى أربعة أقسام، وحكم كل قسم واحد من قادة جيشه. حكم البطالسة من خلفاء الاسكندر مصر، وحكم السلوقيين سوريا. وبقيت فلسطين بين الدولتين تحكمها هذه لتعود فتستولي عليها الأخرى. وبعد أن كانت في يد البطالسة مدة من الزمن عاد فأسترجعها انطيوخوس الثالث ملك سوريا سنة 198 ق. م. وهكذا عادت فلسطين تحت حكم السلوقيين.

في أثناء حكم الملك السلوقي انطيوخوس الرابع ثار اليهود بقيادة العائلة الهاشمونية، ونشبت الحروب المسماة بالحروب المكابية بين اليونان السلوقيين واليهود والتي استمرت مدة طويلة وانتهت باستقلال اليهود. لكن هذا الاستقلال لم يدُم، فقد احتل الرومان المنطقة وأصبحت فلسطين خاضعة لرومة. وتمكّن هيرودس الكبير من تسلّم زمام الحكم في فلسطين تحت إشراف الرومان وحصل منهم على لقب ملك. وكان على هيرودس أن يكسب رضى الرومان وموافقة رعاياه اليهود على حكمه إذ لم يكن يهودياً في الأصل بل أدومياً متهوّداً.

بعد الحروب المكابية ظهر في المجتمع اليهودي عدة طوائف دينية. أهم هذه طائفة الفريسيين الذين نشأوا في أيام الحروب المكابية ويمثلون المتديّنين المتزمّتين. وطائفة الصدوقيين ويزعمها رجال الدين أصحاب النفوذ والثروة والقوة الاجتماعية. إن أكثر أفراد الشعب لم ينتموا لأيّ من هاتين الطائفتين. وكانت هناك جماعات متديّنة خاصة تجمعّت لدينا معلومات عنها من مخطوطات البحر الميت. من هذه الجماعات الاسينيون الذين كتب يوسيفوس المؤرخ، والذين إليهم تنسب مخطوطات البحر الميت التي اكتشفت سنة 1947 في عدد من الكهوف قرب خربة قمران على شاطئ البحر الميت الشمال الغربي.

من الميلاد حتى خراب أورشليم

مات هيرودس الكبير بعد ولادة يسوع بحوالي سنتين. ومن أشهر أبنائِهِ الذين حكموا بعده هيرودس انتيباس، وكانت وظيفته "رئيس ربع" وكان على الجليل. هذا هو الذي سجن يوحنا المعمدان، وبضغط من زوجته هيروديا قطع رأس المعمدان أخيراً في قلعة ماخيروس (كما جاء في مرقس 6: 17). وكان هيرودس يطالب الإمبراطورية بإعطائه لقب ملك وتوسيع سلطانه فاستاء منه الإمبراطور واستدعاه إليه سنة 39م ونفاه إلى غاليا في فرنسا حتى آخر حياته. وجاء بعده أخوه هيرودس اغريباس الأول الذي عين على كل فلسطين. وهو الذي قطع رأس يعقوب أخي يوحنا، وسجن بطرس، ومات بعد ذلك بمرض عضال. وخلفه ابنه اغريباس الثاني وهو الذي قابل بولس في قيصرية (أعمال 26). تولى الواليان الرومانيان فيلكس وفستوس ولاية اليهود الواحد بعد الآخر (أعمال 24، 26)، وهما اللذان قابلهما بولس في قيصرية وهو سجين قبل أن تحال قضيته إلى قيصر فيرسل إليه.

ابتدأ ظهور شعور مُعادٍ لرومة بين اليهود من أول القرن الأول للميلاد، ثم تزايد هذا الشعور وكان يخالطه تشوّق لمجيء المسيح، وكان اليهود يعتقدون بأنه سينقذهم من الحكم الروماني. وفي سنة 66 م. في أثناء ولاية الوالي فلورس ابتدأت الثورة ضد الرومان والحرب التي انتهت سنة 70 ل. ويبدو أن الاسينيين شاركوا في هذه الحرب متحالفين مع الغيورين. فإن الرومان دمّروا بلدتهم قمران. أما بعض الغيورين فلجأوا إلى موقع مسادة قرب شاطئ البحر الميت الغربي على بعد حوالي 50 كيلومتراً جنوبي قمران. لقد قاوموا الرومان هناك حتى سنة 73 م.


معنى التاريخ

يلاحظ من يتأمل في تاريخ بني إسرائيل أنهم كانوا شعباً هزيلاً صعلوكاً. كان صعلوكاً بين صعاليك حيناً، وصعلوكاً بين ملوك حيناً أخر. وأكّد الأنبياء في نبوتهم أن بإمكان بني إسرائيل أن يحيوا حياة انتصارات ونجاح لو أنهم يسيرون في طُرُق الله ويعملون بحسب وصاياه. لقد استطاع الله أن ينقذهم من العبودية في مصر الفراعنة، ويعولهم أربعين سنة في صحراء سيناء، ويعطي الظفر لملوكهم عند تأسيس المملكة على يد شاول وداود، وينقذ أورشليم من تهديد سنحاريب الأشوري إذ أصيب جيشه بالوباء فجأة فرجع إلى بلاده يجرّ أذيال الخيبة. كان على بني إسرائيل أن يقدّروا مكان الله فيهم فيتواضعوا ويطيعوا لكنهم نسبوا عطايا الله ونعمته لأنفسهم، فكانت النتيجة الفشل والانكسار. إن نجاح الإنسان قد يؤدي إلى دماره إذ تخلى هذا الإنسان عن مبدأ التواضع والتسليم لله. هكذا حدث في أواخر حكم الملك سليمان. نتعلمّ من التاريخ أن الله يقف مع أتقيائه، مع أن هذا لا يجنّبهم احتمال الصعوبات بسماح منه تعالى، إذ أنه يعرف كيف يحوّل الأشياء كلها لخير أولئك الأنقياء. لقد كان مع يوسف في السجن (تكوين 39: 21) مثلما كان معه فيما بعد عندما تسلّم أعلى رتبة في مصر بعد الملك.

الانتشار الأول للكنيسة

كنا نبحث حتى الآن في التاريخ المتعلّق بفلسطين قديماً، لكن عندما نفكّر بالعهد الجديد فلا بدّ لنا من الخروج إلى العالم الواسع. لقد انتشر الإيمان المسيحي من أورشليم إلى السامرة وقيصرية. ثم إلى دمشق وانطاكية. ومن هذه خرج بولس في رحلاته التبشيرية إلى آسيا الصغرى وأوروبا. كان بولس في كل تلك الرحلات يسير ضمن نطاق الإمبراطورية الرومانية (انظر الخارطة رقم 12) وعلى الطرق التي عبّدتها رومة، وكان يتمتّع بالنظام والسلام اللذين أمّنتهما رومة لرعاياها على الرغم مما لاقاه هذا الرسول من صعوبات واضطهادات. ومنذ تأسيس الاسكندر لإمبراطورتيه (انظر خارطة رقم 11). وقبل مجيء الرومان بقرون، انتشرت اللغة اليونانية، وكان الناس في كل بلدان شرق البحر المتوسط يفهمونها. وبعدما استولت رومة على بلدان الإمبراطورية اليونانية لم تغير اللغة أو تستبدل بها اللغة اللاتينية، بل ظلّت اليونانية مستعملة حتى في رومة نفسها. إن هذا سهّل عمل بولس التبشيري، فكان في كل رحلاته يكلّم الأمم من غير اليهود باليونانية وكانوا يفهمون أقواله. لكنه كان أيضاً يدخل المجامع وأماكن العبادة في كل البلدان. إن اليهود كانوا منتشرين في بلدان البحر المتوسط، وكان معهم أفراد كثيرون من الوثنيين الذين قبلوا العقائد الإسرائيلية كلها أو الذين كانوا يميلون إلى العبادة اليهودية دون أي التزام أو ارتباط. كان بولس يذهب أول ما يذهب إلى مجامع اليهود. كان يلقى مقاومة شديدة أحياناً. لكنه كان ينجح في أغلب الأحيان، ومن المؤمنين الجدد تتألف الكنيسة الأولى في ذلك المكان (انظر الخارطات رقم 15- 17).

ألقى علم الآثار ضوءً على حياة بولس، فأيَّد ما جاء عنه في العهد الجديد. من ذلك ما جاء في أعمال 18: 12 عن بولس أنه أوقف أمام الوالي غاليون في مدينة كورنثوس. فقد تبين من الحفريات في موقع دلفي في اليونان أن تولي غاليون ولاية أخائية، والتي كان مركزها مدينة كورنثوس، كان في السنة 51- 52 أو 52- 53 م، وأن التاريخ الأول هو الأرجح. أن هذا يساعدنا لتحديد زمن أحداث خدمة بولس، كما يعطينا فكرة عن سرعة انتشار المسيحية. فإن المسيحية التي ابتدأت بعد صلب المسيح وقيامته وصلت في خلال عشرين سنة وانتشرت في سوريا آسيا الصغرى واليونان. وأننا نندهش كلما تذكرنا أن التلاميذ كانوا قليلين جداً عندما صلب يسوع، فلم يكن بينهم أغنياء أو رجال ذوو نفوذ، ومع ذلك فقد انتشرت بشارتهم إلى مناطق بعيدة بسرعة على الرغم من المقاومة والاضطهاد (انظر خارطة رقم 18). لو أن كل مجموعة صغيرة من مسيحي اليوم اندفعت كالتلاميذ الأولين بالرغبة في خلاص العالم لرأينا نتائج عظيمة مباركة.