وصَف مفصّل لجغرافية أراضي الكتاب المقدْس

إستعمال الأطلس

تظهر بعد إسم المكان إشارة إلى موقعه في خارطة أو خرائط. فإن الرقم الأول يشير إلى رقم الخارطة. ثم يشير الحرف الذي يليه إلى موقعه في الخارطة نسبة إلى الأحرف المكتوبة إلى رأس الخارطة أو أسفلها ويشير الرقم الآخر إلى موقعه في الخارطة بالنسبة إلى الأرقام المكتوبة إلى جانب الخارطة. وهكذا يشير ( 5 د 4 ، 6 أ 2 ) إلى أن المكان المذكور يقع في الخارطة رقم 5 في خانة الدال طولاً وخانة الأربع عرضا، وأيضا في الخارطة رقم 6 في خانة الألف طولاً وخانة 2 عرضاً.

 فلسطين الشمالية في زمن حوادث الكتاب المقدس

تتألف فلسطين الشمالية من الجليل وسهل يزرعيل. ولكي نفهم تاريخ هذه المنطقة يحتم علينا أن ندرس باختصار جغرافية المناطق المحيطة بها وتأثيرها على الجليل. نلتفت أولاً إلى المغرب فنلاحظ أن شاطئ فلسطين يخلو من المواني الامينة التي كان من شأنها أن تشجع سكان المنطقة على المشاريع البحرية. ومع أن جبل الكرمل يحفظ الجون إلى شماله فلم تبن فيه ميناء في هذا الزمن.

كانت الحالة على نقيض ذلك إلى الشمال في فينيقية حيث كانت الجبال قريبة من الشاطئ وجعل ضيق الساحل الارتزاق من الزراعة ورعاية المواشي صعباً فاتجه السكان إلى البحر. ومع أن بعض الطرق أدّت من الجليل إلى الموانئ الفينيقية لم تكن هي الطرق الرئيسية للقوافل الآتية من الشرق فلم يكن هناك ما يوطد العلاقات الاقتصادية بين فينيقية والجليل.

كان من المدن الرئيسية في فينيقية صيدون وصور. وامتازت صيدون على صور بالألف سنة قبل الميلاد لكن صور برزت في الألف سنة قبل المسيح. وكانت تقع حينئذ على جزيرة قرب الشاطئ وكانت قوية جداً فاخفق ملوك كثيرون في الاستيلاء عليها. لكن الاسكندر تغلب عليها بعد سبعة أشهر بواسطة بناء طريق من البر إليها.

¬¬أصبحت فينيقية عاصمة العالم القديم التجارية وقد وصفت بضائعها وتجارتها في حزقيال 27. وكان لفنونها وبنائها وحضارتها تأثير هام على حضارة فلسطين. فاستخدم داود وسليمان وعمري براعتها في البناء في تعمير القصور والمدن والهيكل وساعد البحارة الفينيقيون على بناء أسطول سليمان وقيادته بقصد كسب التجارة العربية والافريقية (1 مل 10: 22). ويرجح أن مصهر سليمان في عصيون جابر بني بموجب نموذج فينيقي.

على ضوء هذه العلاقات بين فلسطين وفينيقية لا نعجب إذ نقرأ أن النبي إيليا التجأ إلى صرفة في أيام المجاعة. لكن هذا لا يشير بمعنى من المعاني إلى أن فينيقية وفلسطين كانتا متحدتين في الحياة والمصلحة بل كانت فينيقية منفصلة. وعندما سيطر الرومان على كل سوريا اعتبروا فينيقية والشاطئ إلى جبل الكرمل جزءاً من سوريا.

إلى الشمال من الجليل نجد سفوح جبل لبنان وحرمون الوعرة والأودية العديدة التي جعلت السفر بين الجليل والشمال صعباً وخطراً. لذا كان التخم الشمالي التقليدي مدينة دان عند سفح جبل حرمون على مقربة من متابع نهر الأردن.

تقع إلى الشرق من جبل حرمون منطقة خصبة يرويها نهرا ابانة وفرفر اللذان ينبعان من حرمون ويجريان شرقاً ثم يتفرعان وأخيراً يتلاشيان في الصحراء. في وسط هذه البقعة الجميلة قامت مدينة دمشق القديمة وموقعها يضمن لها تجارة وتأثيراً دائمين. إلا أنها أُحيطت بحواجز الجبال إلى الغرب والشمال والصحراء إلى الشرق. فكانت ذات نفوذ على السهول إلى الجنوب منها غير أن فلسطين بعدت عن دائرة تأثيرها. لذا كان تاريخ دمشق ومنطقتها، أي آرام العهد القديم، منفصلاً نوعاً ما عن تاريخ فلسطين.

يقع إلى الجنوب من دمشق سهل يعلو عن سطح البحر ستمائة متر ودعي باشان في العهد القديم وحوران بعد ذلك. وكانت مصلحة هذه المنطقة تتعلق إلى درجة بعيدة بمصلحة دمشق. ورغم ذلك كانت تتأثر من سير الحوادث في الجليل وفي جلعاد إلى الجنوب منها عبر نهر اليرموك. سكن سبط منسى على ضفتي اليرموك (3: 13).

وفي أيام المكابيين ضمت هذه المنطقة إلى فلسطين وبعد ذلك ضمها هيرودس العظيم إلى مملكته. وفي أيام المسيح حكم فيلبس ابن هيرودس عليها كمنطقة مستقلة. وبنى عاصمته في بيت صيدا يولياس ويرجح أنها وقعت على شاطئ بحر الجليل مما يدل على علاقة المنطقة القوية بالجليل. أما سكانها فأمميون.

حينما استولى الرومان على فلسطين كان الأنباط يزعجونهم باستمرار من الشرق والجنوب وكان شرق الأردن معرضاً لغزواتهم. فاهتم الرومان بتقوية المنطقة وتحصينها فشجعوا على تأسيس المدن العشر لهذه الغاية.

أما إلى الجنوب من الجليل فوقع سهل يزرعيل الخصب ووادي الأردن الصالح للسكن والزراعة. وعليه كانت الجليل تتجه دائماً إلى الجنوب. وكان التخم الجنوبي للجليل يمتد من مرتفعات جبل الكرمل على سلسلة التلال التي تنتهي في الجنوب الشرقي في جبل جلبوع. ومع أن عدداً من الوهاد يقطع السلسلة كان تاريخ فلسطين المتوسطة، المعروفة بالسامرة، مميزاً عن تاريخ الجليل.

تحدد الجغرافية إلى حد بعيد التاريخ. والمعالم الطبيعية في الجليل تنبئ بصفات حياتها. كانت ملتقى للطرق المؤدية لجميع الجهات ولها علاقة بالبلدان المجاورة لها من كل جهة. لم تكن في حين من الأحيان منعزلة ولا مستقلة تمام الاستقلال. وكذلك لم تتحدد تماماً مع المناطق الواقعة إلى الغرب أو الشمال أو الشرق منها. كانت متجهة إلى الجنوب وحتى علاقاتها مع هذه المناطق لم تكن قوية جداً. وكانت حياتها تدور حول بحر الجليل.

للجليل تاريخ طويل وقد اكتشف علماء الآثار في الأودية إلى الجنوب من جبل الكرمل آثاراً هامة جداً للإنسان قبل التاريخ وبعد هذا العصر بقرون. لكن قبل مجيء العبرانيين سكن الكنعانيون هذه المنطقة وكانت مدينتهم الرئيسية حاصور في شمال الجليل. وإلى الشمال منها كانت قادش وينوعام. وسكن الكنعانيون أيضاً حول ساحل يزرعيل من كل جهة. فإلى الشرق منه قامت بيت شان وهي من أهم مدن المنطقة وكانت من القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن الثاني عشر ق. م. مركزاً مصرياً قوياً بالإضافة إلى كونها مركزاً لحياة الكنعانيين الدينية كما تشهد آثار الهياكل المتتالية فيها.

كانت رابطة المدن الكنعانية في الجليل تقاوم العبرانيين بقوة ولم تخضع كل المنطقة إلى أن استولى داود على الحصون. أما سليمان فجعل سهل يزرعيل منطقته الإدارية الخامسة وعاصمتها مجدو.

من حكم سليمان إلى أيام يسوع لم تلعب الجليل دوراً هاماً. كانت جزءاً من المملكة الشمالية فتعرضت معها للحروب والغزوات على ممر القرون وكانت تتحمل الجزء الكبير من الخراب والخسائر إذ وقعت على الحدود الشمالية من المملكة وكان الدفاع عنها صعباً. كان سكانها في القرن المسيحي الأول خليطاً من اليهود والأمميين. وكانت الديانة اليهودية تبرز فكثرت المجامع فيها. كانت صفورية وطبرية المركزين الرئيسيين للتأثر الأممي. كانت صفورية عاصمة ربع هيرودس انتيباس في السنين الأولى لحكمه. ثم بنى طبرية وجعلها عاصمته. تعلل لنا هذه المظاهر احتقار سكان أورشليم وفلسطين الجنوبية لديانة الجليل المشبوه بها. كانت المنطقة الشمالية موطناً لخليط من السكان وكثيراً ما قطعت علاقاتها مع المدينة المقدسة. فنظر القادة الدينيون في العاصمة إليها بشيء من الترفع. فلما أتى يسوع من الجليل وخاصة من الناصرة، وهي لم تذكر في أي كتابة يهودية قبل ذلك، وأخذ يعلم في أورشليم ويتدخل في إدارة الهيكل (مر 11: 15) لا عجب أن القادة المعترف بهم قاموا عليه بغضب. فإن الجليل كانت في نظرهم أحط قدراً ولا يمكن أن ينال معلم جليلي غير معترف به استحساناً رسمياً (انظر يو 1: 46 و 7: 52). في مثل هذه المنطقة تربى يسوع وقضى القسم الرئيسي من خدمته العامة. اتخذ كفرناحوم مركزاً له وعمل بصورة خاصة حول الجهة الشمالية من بحر الجليل. إلا أنه جال في أكثر جهات الجليل كما يظهر من ذكر قانا ونايين وتجواله بين القرى للكرازة والشفاء (مر 1: 39).

لم يبرز الجليل في تاريخ المسيحية إلى أن بدأ الحجاج يزورون الأماكن التي لها علاقة بحوادث حياة المسيح. وهذا على عكس أهميته للديانة اليهودية بعد خراب أورشليم (سنة 70 م) فتمركزت الديانة اليهودية في الجليل وأصبحت مدنه أمثال صفورية وطبرية مراكز العلم اليهودي وبقيت هكذا سنين طويلة.


فلسطين الوسطى في زمن حوادث الكتاب المقدس

باستثناء خدمة يسوع في الجليل يدور تاريخ الكتاب المقدس حول فلسطين الوسطى وتمتد من الطرف الجنوبي من وادي يزرعيل في الشمال إلى جنوبي حبرون عند حدود النقب على بعد مئة وخمسة وثلاثين كيلومتراً، ومن البحر المتوسط إلى نهر الأردن والبحر الميت. في القديم كانت هذه المنطقة مزدحمة السكان إذ كانت صالحة للزراعة وأهم غلاتها القمح والشعير والخضار والعنب والتين والزيتون. ورغم عدم الأمطار من نيسان إلى تشرين كانوا يزرعون بعض هذه المزروعات في الصيف معتمدين على الطلّ.

كثرت القرى والمدن في المنطقة وأُحيطت المدن الكبرى فقط بالأسوار وتحصنت. فكان الناس يعيشون في القرى بأمان أيام السلم أما في وقت الحرب فكانوا يحتمون في المدن. وأكثر المناطق ازدحاماً كان السهل الساحلي في الجنوب المعروف ببلاد فلسطين، والجبال إلى شمال أورشليم وجنوبها. وعندما وصلت المنطقة على أوج ازدهارها وتطورها قديماً في عصر الرومان يرجح أن عدد سكانها كان يتراوح بين مليون ونصف ومليوني نسمة. واحتوت المنطقة بين أورشليم وبيت إيل على أكبر عدد من القرى ومن بينها جبعة عاصمة شاول وعناثوث موطن ارميا ومخماس موقع المعركة بين شاول والفلسطينيين (1صم 13- 14) وجبعون حيث اختار سليمان الحكمة بدلاً من الغنى.

ومع أن فلسطين الوسطى هي وحدة جغرافية إلا أنها انقسمت إلى قسمين لأسباب قبلية وثقافية. فمن بداية الاحتلال العبراني دارت منافسة بين سبط يهوذا البارز في الجنوب وسبط افرايم البارز في الشمال وأيدتهما الأسباط المجاورة لهما. ومع أن القسمين وُحّدا قسراً تحت سيادة شاول وداود وسليمان انفصلا ثانية في حكم رحبعام ولم يعودا يتّحدان فيما بعد ما عدا فترة قصيرة في عصر المكابيين. وبعد السبي الآشوري عندما أخذ كثيرون من المنطقة الشمالية أسرى إلى بلدان بعيدة اتي باجانب من بلدان مغلوبة أخرى واختلطوا مع العبرانيين الباقين. وبعد السبي البابلي لم يقبل العائدون من سبط يهوذا أن يتعاونوا مع هؤلاء وزاد الانفصال بين الشعبين حتى إن اليهود في أيام يسوع لم يتعاملوا مع السامرية البتة. لذا سنعالج كل قسم من المنطقة على حدة.

1. الساحل الفلسطيني ويهوذا

إلى الجنوب من أورشليم أربعة أجزاء متميزة بين البحر المتوسط والبحر الميت. فالي الغرب الساحل الخصب وهو خاص بالفلسطينيين ومدنه الرئيسية غزة واشقلون واشدود وعقرون وجت. كان الفلسطينيون من جنس غير ساميّ ولم يسيطر عليهم العبرانيون إلا في فترات قصيرة متباينة. وللساحل أهمية لمجرى حوادث التاريخ لعدة أسباب. فإنه كان المركز العسكري الرئيسي لسوريا وفلسطين ضد مصر وكانت الطرق التجارية الرئيسية من الشمال والجنوب الشرقي تلتقي في الساحل وخاصة في غزة. فكان الساحل يؤثر على كل المنطقة تأثيراً هاماً لأسباب سياسية واقتصادية وكانت كل قوة رئيسية في الشرق الأوسط تسيطر عليه في حين أو آخر. وبعد خراب أورشليم سنة 70 م. أصبحت يَمْنِيَة مركزاً هاماً للدراسات التلمودية سيطر عليه الفرنسيون. وخلال القرون المسيحية الخمسة الأولى كان الساحل مسرحاً لعمل مسيحي نشيط.

وبين الساحل وجبال اليهودية وهاد وسفوح كونت منطقة خصبة وعُرفت في العهد القديم بالساحل أو السهل (انظر الفهرس) وكانت مسرحاً لكثير من القتال لأنها كانت الحاجز الطبيعي لحماية منطقة الجبال. تقطعها سلسلة من الأودية تنحدر من الجبال غرباً إلى الساحل. والوادي الأقصى إلى الشمال هو وادي ايَّلون الذي تحميه قريتان باسم بيت حورون حيث أمر يشوع الشمس بأن تقف (يش 10: 12). ثم يتبعه وادي سورق موضع مفاخر شمشون (قض 13- 16) ثم إلى الجنوب منه يأتي وادي البطم حيث واجه داود جليات الجبار الجّي (1 صم 17: 19 وما يليه) ويحميه حصنَا لبنة وعزيقة. ثم وادي صفاتة الذي جرت فيه معركة بين آسيا والأحبأش (2 اي 14: 10) وإلى الجنوب أودية غير مسماة في الكتاب المقدس تحميها مدن جت ولخيش وعجلون ودبير.

والجزء الثالث من جنوب فلسطين الوسطى هو الجبال التي سكنها عدد كبير من الناس وارتزقوا من العنب ورعاية الغنم والمعز. وإذ كان هذا الجزء محمياً كان منعزلاً أكثر من غيره ومن المدن الهامة فيه بيت ايل وأورشليم وبيت لحم وحبرون.

وإلى الشرق من هذا الجزء يقع جزء رابع يختلف كل الاختلاف عن غيره وهو البرية الجنوبية. وإذ يسقط معظم الأمطار إلى الغرب من رؤوس الجبال فقد أصبح هذا الجزء صحاري قاحلة ويكاد يخلو من القرى مع أنه يضم تقوع موطن عاموس، وهيروديوم وهيرانيا وهما حصنان بناهما هيرودس الكبير لتعزيز سيادته على فلسطين. وفي هذا الجزء قمران التي كانت في القرن المسيحي الأول مركزاً لجماعة متزهدة وهي طائفة يهودية وفيها اكتشفت مخطوطات البحر الميت.

2. السامرة

تنقسم السامرة إلى قسمين رئيسيين الأول سهل شارون محاذياً لشاطئ البحر. وكثرت فيه المستنقعات والغابات الكثيفة وعلى ما يظهر لم ينُم كثيراً. والقسم الآخر هو الجبال وكثرت فيه الأراضي الصالحة للزراعة فكان أكثر ازدهاراً من اليهودية. كانت الأودية الواسعة تؤدي من الجبال غرباً إلى سهل شارون وشمالاً إلى سهل يزرعيل وشرقاً إلى وادي الأردن. ولسهولة الدخول إليه من كل الجهات كان يتأثر من العوامل الخارجية أكثر من اليهودية. وازدهرت فيه عبادة البعل التي أدخلت إليه من فينيقية وكذلك ديانات أجنبية أخرى. فركزت خدمات إيليا وأليشع ثم عاموس وهوشع على هذه المنطقة. وهنا ربح يسوع إليه السامرية وآخرين من شعبها. وبشر فيلبس بنجاح بارز في السامرة في بداية انتشار الإنجيل (أعمال 8).

كان مركز السامرة السياسي قديماً جبلي عيبال وجرزيم لأن هنا التقت كل الطرق التي قطعت الجبال في مدينة شكيم التي كانت مدينة كنعانية قوية قبل مجيء العبرانيين. أما بعد انقسام المملكة بعد موت سليمان فكانت عاصمة المملكة الشمالية الأولى ترصة التي كانت منعزلة عن مجاري الحياة الرئيسية في السامرة. ولم تكن شكيم في موضع محمي يجعلها صالحة لأن تكون العاصمة ولذا أراد الملك عمري عاصمة تتجه إلى الشمال والغرب. فاختار موقع مدينة السامرة وعمَّر فيه مدينة عظيمة أصبحت قوية جداً لدرجة بها اضطرَّ الآشوريون إلى محاصرتها ثلاث سنوات قبل أن يتغلبوا عليها. وبعد هذا تضاءلت أهمية المدينة إلى أن أعاد هيرودس الكبير بناءها بصورة فخمة.

بنى هيرودس مدينة فخمة أخرى على الشاطئ في المكان المعروف قبلاً ببرج سترابو. قضى اثني عشر عاماً في إعادة بنائها فجعلها الميناء الرئيسي لفلسطين في عهد الرومان وكادت تكون العاصمة الحقيقية لكل المنطقة. وسماها قيصرية إكراماً لأصدقائه الرومان.

3- وادي الأردن

لم توازِ الجهة الغربية من وادي الأردن الجهة الشرقية منه من حيث عدد السكان والازدهار. ومع ذلك قامت مدينة مزدهرة هي بيت شان في الشمال على مقربة من بحر الجليل حيث وسعوا الأراضي الزراعية بواسطة الري. أما مدينة أريحا فلها تاريخ قديم، ثم وسَّعها هيرودس وحسنها كي يجعلها مشتى له.


فلسطين الجنوبية في زمن حوادث الكتاب المقدس

إن فلسطين الجنوبية هي تلك المنطقة التي تقع إلى الجنوب من حبرون بين البحر المتوسط ووادي العربة الممتد من البحر الميت إلى خليج عقبة.

تتصف هذه المنطقة بمناخ جاف لا يجعلها صالحة لا عالة عدد كبير من السكان مع أن المساعي قد بذلت في فترات متباينة من التاريخ للمحافظة على الأمطار لري المزروعات.

تنحدر السفوح من حبرون إلى بئر سبع بسرعة مؤدية إلى صحاري تغطيها الحجارة الكلسية والصوان وتتخللها قلة من الأودية المزروعة المروية من ينابيع. والقسم الشرقي منها جبلي واجرد من الغربي. ومن المعالم الجغرافية الهامة فيه عقبة عقربيم (عد 34: 4)- أي طلعة العقارب- التي تؤدي من العربة إلى سهل زيف وعروعير. وقد كشفت التنقيبات عن أنقاض كنائس وأديرة مسيحية عديدة في هذه المنطقة التي هيأت مكاناً هادئاً للانسحاب من العالم والتأملات التعبدية. وقد اكتشفت فيها أيضاً مجموعة كبيرة من المخطوطات باللغتين اليونانية والعربية التي يرجع تاريخ كتابتها إلى القرنين السادس والسابع م. وألقت ضوءً على حياة ذلك العصر.

لقد ذكر النقب في الكتاب المقدس أولاً في سجل سفرات إبراهيم واسحق. سكن فيه إبراهيم (تك 13: 1 و 20: 1) واجتازه خلال سفراته إلى مصر ورجوعه منها. واجتازه أيضاً الطريق الرئيسي على مقربة من شاطئ البحر وعرف بــ "طريق أرض فلسطين" (خر 13: 17).

ويوازيه طريق داخلي لا يزال البدو يستخدمونه وهو يتبع سلسلة من الأعين من بئر سبع إلى عصيون ثم غرباً إلى مصر. ويرجح أن إبراهيم اتبع هذا الطريق وكذلك يعقوب وعائلته.

يذكر أن كلاً من إبراهيم واسحق تخاصم وملك جرار وحفر كل منهما آباراً في وادي جرار وهو المعروف بوادي غزة حالياً. أما أشهر مدينة في المنطقة في عرف الكتاب المقدس فهي بئر سبع التي كانت تعين الحد الجنوبي لأراضي العبرانيين. واشتهرت بئر سبع، كشقيقتها دان في الشمال، ليس كعلامة جغرافية ومسكن الآباء وحسب بل أيضاً كمركز ديني (تك 21: 23 و1 صم 8: 2 و 1 مل 19: 3 و عا 5: 5 وما يليه و 8: 14). لم يرد ذكر هذه المدينة في العهد الجديد إلا أن كتاباً مسيحيين في القرون المسيحية الأولى إلى كونها قرية كبيرة ومعسكراً رومانياً ومركزاً أسقفياً مسيحياً.

ولعب النقب دوراً هاماَ في فترة التيهان في البرية ولا سيما قادش برنيع. فإلى هذه المنطقة أتى الشعب التائه طالباً أن يدخل كنعان من الجنوب. إلا أن تقرير الجواسيس أضعف عزمه فقضى مدة جيل في هذه المنطقة (عد 13 وما يليه وتث 1: 19 وما يليه). فهنا تمرد قورح (عد 16) وتوفيت مريم (عد 20: 1). وفي المنطقة إلى شمال قادش كان جبل هور حيث مات هرون (عد 20: 22 وما يليه). في القرب من موقع قادش ينبع ثلاثة ينابيع الآن وهي عين قُدَيس وعين قُدَيرات وعين قُسَيمة فيرجح أن الشعب نصب خيامه في كل المنطقة واعتمد على العيون الثلاث.

وكان بين القبائل الراحلة في النقب قبيلة عماليق التي أكثرت من إزعاج الشعب العبراني (عد 13: 29 ت ب، 13:30 ت ي وقضاة 6: 3 و 1 صم 15: 1 وما يليه و 30: 1 وما يليه). أما القينيون واليرحمئيليون فصادقوا الشعب وادخلوا إلى سبط يهوذا في ما بعد كما ادخل فيه سبط شمعون وقبيلة كالب.

قضى داود في أثناء أيام تشرده وتهربه من وجه شاول وقتاً طويلاً في شمال النقب فجاب البراري إلى الجنوب الشرقي من حبرون ومرَّ على عين جدي ومعون وبرية زيف ( 1 صم 24- 26).

أما المنطقة المقفرة الممتدة على طول الجبهة الغربية من البحر الميت فهي برية اليهودية وتهيئ ملجأ مناسباً للهاربين إذ تكثر فيها الأودية الضيقة المؤدية إلى البحر الميت. وكانت مسادة من أمكن الحصون الطبيعية الكثيرة في هذه المنطقة وهي مرتفع منعزل بين الصخور ورأسها مسطح. إليها هرب هيرودس مع عروسه سنة 42 ق. م. عندما استولى الفرس على أورشليم. وكذلك التجأ إليها جيش يهودي بعد أن خرّب الرومان أورشليم سنة 70 م.

في القرنين الخامس والسادس ق. م. احتل الأدوميون النقب لأن العرب قد أخرجوهم من أراضيهم. فدعيت المنطقة أدومية وهو الاسم اليوناني لأدوم.


شرق الأردن في زمن حوادث الكتاب المقدس

استقر سبط رأوبين بين حشبون ونهر ارنون في بلاد موآب وعلى ما يظهر اندمج مع السكان. أما منطقة جلعاد الواقعة على نهر اليبوق وإلى الشمال منه فاحتله سبط جاد ونصف سبط منسى وكانوا ما يظهر اندمج مع السكان. أما منطقة جلعاد الواقعة على نهر اليبوق وإلى الشمال منه فاحتله سبط جاد ونصف سبط منسى وكانوا معرضين للضغط المستمر من العمونيين إلى الجنوب والاراميين إلى الشمال.

وقعت أراضي العمونيين إلى الجنوب نهر اليبوق وإلى شرق وادي الأردن على مقربة من الصحراء وكانت مدينتهم الرئيسية ربة بني عمون ودعيت فلادلفيا في عصر العهد الجديد وهي اليوم عمان عاصمة الأردن.

حاولت كلتا المملكتين إلى الغرب من نهر الأردن قديماً أن تستوليا على هذه المنطقة. ونجحت المملكة الشمالية أكثر من الجنوبية في التأثير عليها لأن الدخول إليها أسهل جداً من الشمال حيث يسهل خوض الأردن وأرضها أقل وعراً من الجنوب. لكن وجود واجي الأردن مع اتحاد الشرق مع الغرب اتحاداً ثابتاً. ولتعرض هذه المنطقة إلى غزوات سكان البادية شجع الحكام منذ زمن اسكندر المكدوني على بناء مدن يونانية أو رومانية قوية في شرق الأردن. وفي القرن الأخير ق. م. تحالفت عشر مدن منها وألفت رابطة عرفت بالمدن العشر.

ومع أن شرق الأردن لم يكن في حين من الأحيان جزءاً من فلسطين إلا أنه لعب دوراً هاماً في تاريخ الكتاب المقدس. منه دخل العبرانيون فلسطين ومنه أشرف موسى على البلاد من جبل فسجة ومن قمة تدعى جبل نبو (تث 32: 49 و34: 1) ومن هنا أيضاً أطل بلعام على الشعب ورفض أن بلعنه. ومع أن سبطين ونصف سبط استقروا في المنطقة لم يرتبطوا بتاريخ المنطقة إلى غربي النهر إلا قليلاً. أما في زمن العهد الجديد فعرفت هذه المنطقة يبيرية ووقعت مع الجبل تحت إدارة هيرودس انتيباس. وكرز يوحنا المعمدان في بيت عبرة أو بيت عنيا عبر الأردن (يو 1: 28) فاعتقله هيرودس الذي لم تكن له سلطة على المنطقة إلى غربي النهر. وحسب قول يوسيفوس سجن يوحنا وقتل في ماخيروس وهو الحصن الروماني إلى أقصى جنوب بيرية في الجبال إلى الشرق من البحر الميت. ويرجح أن يسوع اجتاز بيرية عدة مرات في ذهابه وإيابه بين الجليل واليهودية. وفي القرون المسيحية الأولى انتشرت المسيحية بسرعة في شرق الأردن كما يظهر من كنائس عديدة قد اكتشفت هناك خاصة في جراسة أي جرش الحالية ومادبا. إلا أن هذا الانتشار توقف عند فتوحات الاسلام في القرن السابع م.

يناسب القسم الجنوبي من شرق الأردن رعاية المواشي أكثر مما يناسب زرع الأرض. فقد سُميَ كاتب 2 مل 3: 4 ميشع "صاحب مواش" كان يدفع جزية سنوية تتألف من مئة ألف خروف ومئة ألف كبشة بصوفها. والمنطقة سهل عال تقطعها أودية منحدرة من الشرق إلى الغرب تحمل مياه الأمطار إلى البحر الميت. وأهم هذه الأودية نهر ارنون ووادي زارد. أما إلى الجنوب من البحر الميت فتنزل الأودية شمالاً غرباً إلى العربة. وتقع كل القرى في المنطقة في قطعة ضيقة تمتد من الشمال إلى الجنوب ولا يزيد عرضها عن 40 ك. م. أما في الشرق فتصبح الأرض صحراء تندمج مع الصحراء العربية دون أي حدود واضحة بينهما.

ومن أهم ميزات المنطقة إلى الشرق من وادي العربة أنها تحوي في صخورها معادن هامة بينها النحاس والحديد الأمر الذي يعلل استعداد الملوك المخاطرة بجيوش كبيرة لكي يستولوا عليها. وقد اكتشفت بعض المناجم القديمة وانقاض القرى قربها وآثار التنانير البدائية المستعملة لصهر المعادن. وقد اثبتت التنقيبات أن سليمان كان يستخرج هذه المعادن. وقد تلقي هذه الحقيقة ضوءً على الاشارة في سفر تثنية إلى "أرض حجارتها حديد ومن جبالها تحفر نحاساً" (8: 9).

وقد كشفت التنقيبات أيضاً عما يدل على حضارة مزدهرة في هذه المنطقة في الفترة بين 2300- 1900 ق. م. وقد يكون لهذه الحضارة علاقة بهجوم الملوك الأربعة المذكور في تك 14 مع أن الأمر لا يزال غامضاً جداً. وبعد مرور قرون لم يزل الطريق الرئيسي في شرق الأردن يدعى طريق الملك أو الطريق السلطاني (عد 20: 17).

ليس هناك مجال للشك في أن مياه القسم الجنوبي من البحر الميت تغطي مواقع مدينة صوغر (تك 19: 22) وسدوم وعمورة. فإن عمق الماء في هذا القسم من البحر أقل من غيره ولا يزال عمق البحر كله يزداد باستمرار.

لقد دونت قصة حريق هائل في هذا العمق ليس في الكتاب المقدس وحسب بل أيضاً في كتابات يونانية ولاتينية. لا يزال في المنطقة تجمعات للنفط ويذكر الكتّاب القدماء وجود بعض الغازات. وتقع المنطقة على خط يمتد على طول وادي الأردن والبحر الميت والعربة قد كثرت الزلازل فيه على ممر التاريخ. وعليه يحتمل أن يكون هناك عامل طبيعي اشترك في خفض أرض العمق واحتراق النفط والزيت الذي رافق ذلك. ولا يزال هناك تلة مكوَّنة من ملح طولها ثمانية كم. في الجزء الجنوبي من البحر الميت.

ازدهرت مملكتا موآب وداوم في الفترة الثانية التي فيها كثر عدد سكان جنوب شرق الأردن وازدادت الزراعة فيه وهي من 1200- 700 ق. م. كان السكان قد عادوا بعد القرن العشرين ق. م. إلى حياة الترحال. أما في القرن الثالث عشر فأخذوا يستوطنون في الضيع ثانية. وتحصنت هاتان المملكتان بمدن مسورة وحصون على الحدود وفي الداخل. ثم بعد القرن الثامن ق. م. تضاءلت قوة المملكتين وتفككت وحدة الشعوب وقد يرجع السبب إلى إطالة حالة الحرب مع المملكتين إلى الغرب منها وتعدي جيوش اشور وبابل.

كانت قير حراسة مدينة موآب الرئيسية وحاصرها العبرانيون دون جدوى في أيام أليشع (2 مل 3: 25- 27).وكانت تيمان إحدى المدن الرئيسية في أدوم وهي إلى الجهة القصوى جنوباً منها وكانت بصرة إلى الجهة القصوى شمالاً. فقيل في إحدى النبوات ضد أدوم: "أرسل ناراً على تيمان فتأكل قصور بصرة". وعرفت البلاد بحكمائها العظماء وكان أحدهم أليفاز من تيمان (أي 2: 11).

وصلت حضارة الجنوب شرق الأردن إلى قمتها في الفترة الثالثة المهمة في تاريخ البلاد بين 120 ق. م. و 100 م. في عصر الأنباط. كان الأنباط من أنشط الشعوب القديمة وأذكاها. كانوا عرباً دخلوا أدوم عنوة بين القرنين السادس والرابع ق. م. وازدادوا تدريجياً غنى وقوة إلى أن سيطروا على الطرق التجارية الهامة بين بلاد العرب وسورية. وكانت مملكتهم كثيرة السكان جيدة النظام. فقد تبنوا أساليب الدفاع التي قد طورها الأدوميون والموآبيون قبلاً وحسنوها ووسعوها. فكانت المدن والحصوة منتشرة في كل المنطقة. وباستخدام وسائل ممتازة للمحافظة على الماء والري زادوا مساحة الأرض القابلة للزراعة أكثر مما كانت قبلاً أو منذ أيامهم. وعمروا أقنية للماء حيث اقتضت الحالة.

كانت عاصمة الأنباط بتراء وهو الاسم اليوناني للصخر المذكور في عو 3. كان قسم منها منحوتاً في الصخور ببراعة فائقة ولا تزال من أهم الآثار التاريخية اليوم. وقد ذكر أحد ملوكها في 2 كو 11: 32 وهو الحارث الذي كان سائداً على دمشق وقت اهتداء بولس.

تغلب الرومان على الأنباط سنة 106م. وما لبثت حضارتهم أن تلاشت ولم تعد هذه المنطقة تزدهر بقدر ما كانت مزدهرة في أيام يسوع.

  • عدد الزيارات: 17702
التعليقات   
#1 قيس ميخاييل بهنام 2013-03-22 19:53
انتم رائعون امنياتى بالتوفيق
أضف تعليق


إشترك في المراسلات

تابعونا



لا يسمح أن يعاد طبع أي من منشورات هذا الموقع لغاية البيع - أو نشر بأي شكل مواد هذا الموقع على شبكة الإنترنت دون موافقة مسبقة من الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل
الرجاء باسم المسيح التقيّد بهذه التعليمات والتقيد بها -- للمزيد من المعلومات
© Kalimat Alhayat a ministry of Arabic Bible Outreach Ministry - All rights reserved
تطبيق كلمة الحياة
Get it on Google Play
إلى فوق