|

طبيعتا
المسيح
-4
كان المسيح الله، هو الله، وسيظل هو الله إلى الأبد. ليس
هو الآب، ولا الروح، بل الابن الوحيد الحبيب عند الآب، ليس
هو الكائن الإلهي، بل هو أقنوم الابن. ولما صار في الهيئة
كإنسان، وجال على الأرض كإنسان، بل أيضا لما تألم في
جيثسيماني وعُلّق على صليب الجلجثة، ظل هو ابن الله الحبيب
الذي به سرّ الآب كل سرور. حقاً بالتأكيد ما يقوله الرسول،
أن المسيح أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس
(في 6:2، 7). إلا أنه من الخطأ أن يفهم من هذا، كما يحلو
لبعضهم، أن المسيح في تجسّده، أي في حالة اتضاعه، جرّد
نفسه من لاهوته كلياً أو جزئياً، فوضع جانباً سجاياه
الإلهية ثم عاد فاتخذ تدريجياً في حالة ارتفاعه أو تمجيده.
ولكن كيف يمكن أن يحصل ذلك ما دام الله لا يقدر أن ينكر
نفسه (2تي 13:2) وهو المنزه عن كل صيرورة وتحول بوصفه
الصّمد غير المتغير؟ كلا، فإنه لما صار ما عليه، ظل أيضاً
على ما كان عليه أي ابن الآب الوحيد. وهذا واقع ما يعنيه
الرسول بقوله إن المسيح أخلى نفسه : أنه وهو في صورة الله
اتخذ هيئة إنسان وصورة عبد. وفي وسعنا أن نعبر عن هذا
بكلام بشري بسيط على النحو التالي : إن المسيح كان قبل
التجسد مساوياً للآب لا في الجوهر والسجايا فقط بل كانت له
أيضاً صورة الله. كان يشبه الله تماماً، إذ هو بهاء مجده
ورسم جوهره. ولو استطاع أحد أن يراه، لكان رأى فيه الله
حلاً. ولكن هذا تغير عند تجسده. فهو اتخذ عندئذ هيئة إنسان
وصورة العبد. ومن كان ينظر إليه وقتئذ لا يقدر أن يرى فيه
الابن الوحيد عند الآب، إلا بعين الإيمان. فهو قد وضع
جانباً صورته الإلهية وبهائه، وحجب طبيعته الإلهية خلف
صورة العبد. وعلى الأرض كان كواحد منا وشبيهاً لنا.
لذلك يتضمن التجسيد أيضاً من الناحية الأخرى أن ذاك الذي
ظل على ما كان، في الجسد. وقد صار هكذا عند نقطة من الزمن،
في لحظة من التاريخ محددة، ساعة حل الروح القدس على مريم
وظلّلتها قوة العليّ (لو 35:1) علماً بأن التجسد أعد له
عبر الأجيال.
فإذا أردنا أن نفهم التجسد فهماً صحيحاً فإننا، نستطيع
القول إن وجود الابن الأزلّ وخلق العالم كانا إعداداً
لتجسيد الكلمة. وهذا لا يعني القول إطلاقا أن وجود الابن
الأزليّ والخلق يحويان التجسد. إذ أن الكلمة المقدسة تربط
دائماً تجسد الابن بالفداء من الخطية وإتمام الخلاص. ولكن
وجود الابن الأزليّ والخلق، ولاسيما الإنسان على صورة
الله، يبينان كلاهما أن مشاركة الله ممكنة، داخل الكينونة
الإلهية بمعنىً مطلق، وخارجها بمعنىً نسبي. ولو لم يكن ذلك
كذلك، لما كان ممكناً قط أن يتجسد الله. فكل من يعتقد أن
تجسد الله مستحيل من حيث المبدأ، يُنكر أيضاً خلق العالم
وتولّد الابن. وكل من يعترف بالخلق والتولد لا يمكن أن
يكون له اعتراضٌ مبدئي على تجسد الله في طبيعة بشرية.
وقد تمّ الإعداد – على نحو أكثر مباشرة – لتجسد الكلمة، في
الإعلان الذي تم بعد السقوط تواً، واستمر في تاريخ شعب
العهد القديم، وبلغ ذروته في بركة مريم. فالعهد القديم هو
تقارب مستمر من قبل الله نحو الإنسان، بالنظر إلى اتخاذ
إياه مسكناً دائماً يحلّ فيه عند ملء الزمان.
ولما كان ابن الله الذي اتخذ طبيعة بشرية في مريم موجوداً
قبل ذلك الزمان ومنذ الأزل باعتباره أقنوم الابن، فإن
الحبل به في أحشاء مريم لم يحدث بمشيئة جسد ولا بمشيئة
رجل، بل بتظليل الروح القدس لها. صحيح أن التجسد مرتبط
بالإعلان الذي سبقه ومتمم له، غير أنه ليس بحد ذاته حصيلة
للطبيعة أو البشرية. إنه عمل من أعمال الله وإعلانٌ منه،
بل الإعلان الأسمى. وكما أن الآب أرسل الابن إلى العالم،
والروح القدس ظلّل مريم، كذلك تماماً اشترك الابن نفسه
معنا في اللحم والدم (عب 14:2). فقد كان التجسد عمل الابن
الخاص، إذ أنه لم يكن غير عاملٍ فيه. فهو صار جسداً بملء
إرادته وبعمله الخاص. ومن هنا يستبعد مشيئة الرجل، ويعد
لنفسه طبيعة بشرية في أحشاء مريم بتظليل الروح القدس.
تلك الطبيعة البشرية لم يكن لها وجود سابق. فهي لم يؤتَ
بها مع المسيح من السماء لتحبل بها مريم من الخارج – إذا
جاز التعبير –وتنقلها من خلال جسدها. ويعلم معيدو العماد
بهذا تشديداً منهم على تنزه طبيعة المسيح البشرية عن
الخطيئة. غير أنهم إذ يقفون هذا الموقف يسيرون على خطى
الغنوصية أو الأدرية القديمة، وينطلقون من الاعتقاد أن
الجسد والمادة هما شرٌ في ذاتهما. إلا أن الكلمة المقدسة،
في التجسد، تؤكد أيضاً جودة الخلق ومصدر المادة الإلهي.
إن المسيح اتخذ طبيعته البشرية من مريم. وبحسب الجسد، هو
من نسل داود ومن الآباء. ولذلك فهذه الطبيعة فيه هي طبيعة
بشرية كاملة، مثلنا في كل شيء ما خلا الخطيئة. فما من شيء
بشري كان غريباً على المسيح. ونكران مجيء المسيح في الجسد
هو منطلق ضد المسيح (1يو 22:2).
وكما أن طبيعة المسيح البشرية لم تكن موجودة قبل الحبل في
مريم، فهي كذلك لم تكن موجودة قبل ذلك بزمن، ولا بعده في
زمن، في حالة انفصال عن المسيح. فالجنين الذي حبل به في
مريم، ثم الطفل الذي ولد منها، لم ينمُ أولاً على نحو
مستقل ليصبح إنساناً أو ذاتاً كي يتخذ المسيح من ثم ويتحد
به. هذه البدعة أيضاً كان لها مناصروها في الأزمنة المبكرة
والمتأخرة؛ غير أن الكتاب المقدس لا يقرأ شيئاً منها. فذلك
القدوس الذي حُبل به في أحشاء مريم كان من البداية ابن
الله، وقد أطلق عليه هذا الاسم منذ البداية (لو 35:1). إذ
إنّ الكلمة لم يتحد فيما بعد بكائن بشري صار هو إيّاه،بل
إنه صار جسداً (يو 14:1). ولذلك لم تقل الكنيسة المسيحية
في اعترافها إنّ أقنوم الابن قد اتخذ شخصية بشرية بل
بالأحرى طبيعة بشرية. فبهذه الطريقة وحدها يمكن الإبقاء
على ثنائية الطبيعة ووحدة الشخص.
وآخر نقطة تستدعي انتباهنا في هذه المسألة، هي أن الكتاب
المقدس يقد لنا دائماً شخصاً واحداً في المسيح، وإن كان
ينص بأوضح ما يمكن على أن المسيح كان هو الكلمة وأنه صار
جسداً، وأنه بحسب الجسد جاء من الآباء ولكنه من حيث الجوهر
هو الله الكائن على الكل مباركاً إلى الأبد. فالولد الذي
ولد يدعى الله القدير والآب الأبدي (إش 6:9). وابن داود هو
في الوقت عينه رب داود. والذي نزل هو الذي صعد أيضاً فوق
جميع السماوات (أف 10:4). ومن هو من الآباء حسب الجسد، هو
من حيث الجوهر الله الكائن على الكل مباركاً إلى الأبد (رو
5:9). وبينما هو يجول على الأرض، كان مع ذلك في السماء،
وظل فيها، في حضن الآب (يو 18:1 ؛ 13:3). ومع أنه ولد في
الزمان، وعاش في الزمان، فهو رغم ذلك كائن قبل إبراهيم (يو
58:8). وفيه يحل ملء اللاهوت جسدياً(كو 9:2).
و بالاختصار، تعزى إلى الشخص الواحد بعينه سجايا وأعمال
إلهية وإنسانية، كما ينسب إليه الأزل والزمن، والحضور في
كل مكان والمحدودية، والقدرة الخالقة لكل شيء والضعف الذي
تتميز به المخلوقات. ولما كان هذا هو الواقع، فإن اتحاد
الطبيعتين في المسيح لا يمكن أن يكون اتحاد شخصين. صحيح أن
شخصين ما قد يتحدان أحدهما بالآخر عن طريق المحبة، ولكن لا
يمكن البتة أن يصيرا شخصاً واحداً أو ذاتاً واحدة.
وبالحقيقة أن المحبة تقتضي مشاركة شخصين وينتج منها وحدة
أدبية معنوية وحسب. ولو كان اتحاد ابن الله بالطبيعة
البشرية من هذا النوع، لكان يمكن في أفضل الحالات تمييزه –
في الدرجة لكن ليس في النوعية- من تلك العلاقة التي تجمع
بين الله وخليقته، ولاسيما أولاده. غير أن المسيح يحتل
مكانة فريدة. فهو لم يتحد بالإنسان بطريقة معنوية، ولا
اتخذ كائناً بشرياً موجوداً كشريك له، بل أعدّ لنفسه طبيعة
بشرية في أحشاء مريم، وصار كائناً بشرياً وعبداً. فكما
يقدر الكائن البشري أن ينمو من إحدى مراحل الحياة إلى
سواها، ويستطيع أن يعيش ضمن دائرتين من دوائر الحياة في
الوقت نفسه أو على التوالي، فكذلك تماماً – وبالمشابهة –
جال المسيح على الأرض في صورة عبد وهو الكائن في صورة
الله. ولم يكن الاتحاد الذي نتج من تجسده اتحاداً معنوياً
بين شخصين، بل اتحاد طبيعتين في الشخص الواحد بعينه.
فالرجل والمرأة، مهما كانا متحدين بالمحبة، يظلان شخصين
اثنين. والله والإنسان، وإن اتحد بأوثق عرى المحبة، يبقيان
مختلفين في الجوهر. ولكن المسيح الإنسان هو بعينه الكلمة
الذي كان في البدء عند الله وكان هو الله. فاتحاد الله هذا
بالإنسان هو أمر فريد لا مثيل له ولا يُسبر غوره. وبداية
كل حكمة ونهايتها أن الكلمة صار جسداً، وحل بيننا، ورأينا
مجده مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً (يو
14:1).
وهكذا تعزى إلى المسيح، في وحدة شخصه مع اتحاد الطبيعتين
فيه. جميع الصفات والقدرات ذات الصلة بهما. وقد حاول بعضهم
أن يطلعوا باتحاد للطبيعتين أقوى وأوثق إذ قالوا بأن هاتين
الطبيعتين، عند التجسد مباشرةً، انصهرتا في طبيعة واحدة
إلهية إنسانية، أو أن الطبيعة الإلهية جردت نفسها من
خصائصها وتنازلت إلى حدود الطبيعة البشرية، أو بأن الطبيعة
البشرية فقدت ميزاتها وتلقت مميزات الطبيعة الإلهية (سواءٌ
كان كلها، أو بعضها – مثل الحضور في كل مكان والقدرة على
كل شيء والعلم بكل شيء وقوة الأحياء). إلا أن إقرار
الإيمان لدى الكنيسة المصلحة طالما رفض وقاوم فكرة انصهار
الطبيعتين في طبيعة واحدة، شأنها شأن القول بانتقال خصائص
الطبيعة الواحدة إلى الأخرى. وإن هذا الرأي في الطبيعتين
قد أفضى إلى مزجهما وخلطهما، وبالتالي إنكار الفرق في
الجوهر بين الله والإنسان، والخالق والمخلوق، وذلك على نحو
يوافق القول بوحدة الوجود.
صحيح أنّ بين الطبيعتين وخصائصهما وقدرتهما علاقة وثيقة.
غير أنها علاقة تبرز إلى الوجود في وحدة الشخص. ولا يمكن
تصور اتحاد أقوى وأوثق. كما أن النفس والجسد-على سبيل
المقارنة لا المساواة بينهما – متحدان في شخص واحد ومع ذلك
يظلان متميزين أحدهما عن الآخر من حيث الجوهر والخصائص،
فكذلك حال المسيح حيث الشخص الواحد هو موضوع كلتا
الطبيعتين. وتمايز النفس والجسد افتراض وشرط للاتحاد
الداخلي بين الاثنين في الكائن البشري الواحد بعينه. كذلك
أيضاً تمايز الطبيعتين الإلهية والإنسانية شرط وأساس
لاتحادهما في المسيح. أما انصهار الطبيعتين في طبيعة
واحدة، وانتقال الخصائص من طبيعة إلى أخرى، فلا يوطدان
علاقة أوثق بل يؤديان إلى امتزاج أو اندماج، ويضعفان
بالحقيقة الملء الذي في المسيح. فهما ينقصان إما من
الطبيعة الإلهية وإما من الطبيعة البشرية أو كلتيهما معاً،
ويضعفان كلمة الوحي القائلة أنه فيه-أي في المسيح-يحل ملء
اللاهوت جسدياً(كو 9:2 ؛ 19:1). ولا يحافظ على ذلك الملء
إلا إذا كانت الطبيعتان متميزتين إحداهما عن الأخرى، وغير
ناقلتين خصائصهما ومزاياهما بعضهما إلى بعض، بل بالأحرى
واضعتين إياها في خدمة الشخص الواحد.و هكذا هو المسيح
الواحد الغني دائماً؛ من يستقطب في اتضاعه وارتفاعه
الخصائص والقدرات العائدة لكلتا الطبيعتين وهو الذي يستطيع
بهذه الوسيلة على وجه التحديد أن يجري تلك الأعمال التي
تتميز- بوصفها أعمال الوسيط- عن أعمال الله من جهة، وعن
أعمال الإنسان من جهة، تلك الأعمال التي تحتل مكاناً
فريداً في تاريخ العلم.
بعقيدة الطبيعتين هذه يتسنى لنا أن نرى كل م ما تقوله كلمة
الله المقدسة عن شخص المسيح وكل ما تعزو إليه إنما هو في
مكانه الصحيح. فمن جهة يتبين أن المسيح كان ويبقى ابن الله
الوحيد والأزلي الذي – مع الآب والروح – قد صنع كل الأشياء
وهو حامل لها ومسيطر عليها، والذي له أن يظل بالتالي غرض
سجودنا. وقد كان هو غرض السجود أيضاً في أيام الرسل، كما
كان آنذاك ومازال الآن غرض الإيمان وموضع الثقة لجميع
أتباعه. ولكن لا يمكن أن يكون هكذا ما لم يكن هو الله
حقاً، لأنه مكتوب : للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد (مت
10:4). فلا يعقل أن يكون أساس التعبد للمسيح شيئاًُ آخر
سوى طبيعته الإلهية، حتى إن من ينكر هذه ويبقى على عبادة
المسيح يأثم بتأليه المخلوق وبالوثنية. فليس لاهوت المسيح
عقيدة مجردة بل هو أمر مهم للغاية بالنسبة إلى حياة
الكنيسة.
ومن جهة أخرى نرى أن المسيح صار إنساناً حقاً وإنساناً
متكاملاً، مثلنا في كل شيء ما خلا الخطية. فقد صار طفلاً
فولد فشاباً فرجلاً، وقد نما في الحكمة والنعمة عند الله
والناس (لو 40:2، 52). وهذا كله ليس مجرد مظهر ووهم – كما
يُضطر أن يقول ألئك الذين يزعمون أن الخصائص الإلهية تنتمي
إلى الطبيعة البشرية – بل هو الحق كل الحق. فقد خبر المسيح
تقدماً تدريجياً أو نمواً مطرداً، في الجسد وفي قوى النفس
وفي النعمة عند الله والناس. وهو لم يعطي مواهب الروح دفعة
واحدة، بل على التوالي وبمقدارٍ متزايدٍ دائماً فكان ثمة
أشياء ينبغي أن يتعلمها ولم يكن يعرفها بادئ بدء (مر 32:13
؛ أع 7:1). ومع أنه كان يمتلك كياناً لا يمكن أن يخطئ، فقد
كان عنده – بسبب طبيعته الإنسانية الضعيفة – احتمال بأن
يجرب ويتألم ويموت. وطوال إقامته على الأرض لم يكن بطبيعته
الإنسانية في السماء، ومن هنا فهو أيضاً لم يحي بالعيان بل
بالإيمان. وقد جاهد وتألم، وفي ذلك كله تمسك بكلمة الله
ووعده بكل ثبات. وهكذا تعلّم الطاعة مما تألم به، مقيماً
دائماً على الطاعة، وبذلك قدّس ذاته. وفي هذا ترك لنا
مثالاً، وفي الوقت عينه صار مصدر خلاص أبدي لجميع الذين
يطيعونه (عب 9:5).
 |