Skip to main content

الفَصلُ الحادِي عَشَر أعداءُ الإيمان

عندما حدثَت الهزيمةُ في عاي، نَقرَأُ أنَّ يشوعَ سقطَ على وجهِه مُتَضَرِّعاً بالصَّلاةِ أمامَ الله. فتَجاوَبَ اللهُ معَ صَلاةِ يَشُوع بسُؤالِه، "لماذا تبكِي أمامِي؟ لقد أخطَأَ إسرائيل!" عندما نرى براهِين عنِ الحقيقَةِ المَجيدة أنَّ اللهَ معَنا، هذا البُرهانُ يُعطينا الشَّجاعَة بأن نستَمِرَّ بالمُثابَرة، وبينما نفعَلُ هذا ينمُو إيمانُنا. ولكن عندما يتَّضِحُ أنَّ اللهَ لَيسَ مَعَنا، يتوجَّبُ علينا عندها أن نسقُطَ على وُجُوهِنا إلى أن نكتَشِفَ سببَ عدَمِ كَونِ المسيحِ معَنا. فلِماذا يتجاوَبُ اللهُ معَ صَلاةِ يَشُوع بهكذا سُؤال؟

في سِفرِ الخُرُوج، نقرَأُ أنَّ بَني إسرائيل وجدُوا أنفُسَهُم في موقِعٍ حَرِج، عندما كانت جُيوشُ مصر مُنْقَضَّةً عليهم من خَلفهم، وأمامَهُم البحرُ الأَحمر. عندَها سقطَ موسى على وجهِهِ أمامَ الرب للصلاة. فطرَحَ الربُّ على موسى السُّؤالَ نفسَهُ الذي كانَ سيطرَحُهُ على يَشُوع لاحِقاً عندما سقطَ هُوَ بِدَورِهِ على وجهِهِ للصلاةِ أمامَ الرَّبّ. لقد سألَ اللهُ مُوسى لماذا كانَ يُصَلِّي، في وقتٍ كانَ منَ الواضِحِ فيهِ تماماً أنَّهُ كانَ يتوجَّبُ عليهِ أن يُخاطِبَ شعبَ اللهِ ويطلُبَ منهُم أن يمضُوا قُدُمَاً بإتِّجاهِ البَحرِ!

بما أن أريحا كانت المدينة الأولى التي إحتَلَّها الشَّعبُ في أرضِ كنعان، تَطَلَّبَ نامُوسُ تقديمِ العُشر أن تُقَدَّمَ كُلُّ الغنائم التي سيحصَلُ الشعبُ عليها من هذه المدينة للرب. وكانَ ينبَغي أن لا يَحتَفِظَ أيُّ جُندِيٍ بأيَّةِ غنيمَةٍ من هذه المدينة لِنفسِهِ. ويتَّضِحُ هُنا أنَّ واحِداً من جُنُودِ شَعبِ اللهِ أخذاً لِنفسِهِ شَيئاً من أريحا. فطلبَ الرَّبُّ من يشُوع أن يستَعرِضَ أسباطَ إسرائيلَ الإثنَي عَشَر. عندما أظهَرَ اللهُ لِيَشُوع السِّبطَ المُذنِبَ، أمرَهُ اللهُ بأن يستَعرِضَ عشائِر هذا السِّبط. وهكذا أظهَر الرَّبُّ ليَشُوع العشيرة المُذنِبَة. ومن ثَمَّ تمَّ إستِعراضُ كُلّ عائِلة في هذه العَشيرة، رَجُلاً بعدَ الآخر، إلى أن تمَّ إكتِشافُ رَجُلٍ يُدعَى "عَخَان" وعُلِمَ أنَّهُ هُوَ المُذنِبُ الذي خانَ وصِيَّةَ الرَّبّ. ولقد إعتَرَفَ عَخان بأنَّهُ أخذَ ذَهباً وفِضَّةً ورِداءً شِنعارِيَّاً، وطَمَرَها كُلَّها في أرضِ خيمَتِهِ. وبالإختِصار تمَّ أعدامُهُ.

في هذه الأسفارِ التَّاريخيَّة، نتعلَّمُ بأن ننظُرَ دائماً إلى الأمثِلة والتَّحذِيرات (1كُورنثُوس 10: 11). تماماً كما أنَّ إيمان يشُوع هُوَ نَمُوذَجٌ لنا لنَقتَدِيَ بهِ، فإنَّ عِصيانَ عخان هُوَ تحذِيرٌ واضِحٌ لنا لنتفاداهُ ونتحاشاهُ. فعندما يَضَعُ اللهُ إصبَعَهُ على خَطِيَّةٍ في حياتِنا، علينا أن نُمِيتَ تلكَ الخَطيَّة، لكي تَعُودَ بَركاتُ اللهِ إلى حياتِنا (كُولُوسي 3: 5، 6؛ رُومية 8: 13). نرى هذا التَّأدِيب الرُّوحي مُصَوَّراً لنا في تَحذيرِ حياةِ عخان.


العالم، الجَسَد، والشَّيطان

بِما أنَّنا تعلَّمنا أن لا نُحِبَّ العالم ولا الأشياءَ التي في العالم، رأتِ النُّفُوسُ التَّقِيَّةُ عبرَ القُرُونِ صُورَةً مجازِيَّةً عنِ العالم في إختِبارِ عَخَان في أريحا. فهزيمَةُ الشَّعبِ في عاي هِيَ صُورَةٌ مجازِيَّةٌ عنِ الجَسَد. علَّمَ يسُوعُ قائِلاً: "أمَّا الرُّوح فَنَشِيط وأمَّا الجَسَد فَضَعيف." (متَّى 26: 41). الجَسَدُ هُوَ الطَّبيعَةُ البَشَريَّةُ بدُونِ مُساعَدَةِ اللهِ. وبما أنَّ الجَسَدَ يُسَبِّبُ لنا هزيمَتنا الرُّوحيَّة، فإنَّ هذه الهزيمة في عاي يُمكِنُ النَّظَرُ إليها على أنَّها صُورَةٌ مَجازِيَّةٌ عنِ الجَسَد. الإختِبارُ التَّالي الذي إجتازَهُ شَعبُ إسرائيل والمُسَجَّلُ في سفرِ يشُوع، هُوَ صُورَةٌ مجازِيَّةٌ تُمَثِّلُ العدُوَّ الثَّالِثَ للإنسان، ألا وهُوَ الشَّيطان.

ومن ثَمَّ يَلتَقي شَعبُ إسرائيل القَديم معَ شعبٍ يُدعَى "الجبعونيُّون." مثل راحاب، لاحظَ الجبعونيون أن شعبَ إسرائيل كانوا يتحرَّكون عبر كنعان، وكانوا يقضون على كُلِّ من فيها، وهكذا عرفوا أن بني إسرائيل سوف يفنونهم أيضاً، فقَرَّرُوا خِداعَ بني إسرائيل. فأخذوا خُبزَهُم وجعلوه يتعفَّن، وأخذوا أحذيتهم وثيابَهم وجرَّحوها بالصخورِ حتى تتهرَّأ وتبدو وكأنَّها أكلَ الدهرُ عليها وشرِبَ. غيرَ أنهم في الحقيقة كانوا قد أتوا من التلَّةِ المُجاوِرَة، ولكنَّهم عندما اقتربوا من بني إسرائيل أعطوهم الإنطِبَاع أنَّهُم قد جاؤوا من أرضٍ بعيدة جداً.

فعقدَ بنُو إسرائيل مُعاهدةً ودخلوا في عهدٍ مع هذا الشعب بِدُونِ أن يسأَلوا الرَّبَّ أوَّلاً. ولقد توسَّلَ لهُم الجبعونيُّون قائِلين، "إقطَعوا لنا عهداً. فنحنُ لسنا من أرضِ كنعان. بل جئنا من مكانٍ بعيدٍ جداً." فإتَّخذوا القرار ودخلوا في عهدٍ مع الجبعُونِيِّين. بعدَ ذلكَ، إكتشفوا أن الجبعونيين لم يأتوا من أرضٍ بعيدَة، بل جاؤوا من أرضِ كنعان. وحافظَ شعبُ إسرائيل على عهدهم أو مُعاهدتِهم مع الجبعونيين، مُظهِرين بذلكَ درجةً عالية من التحضُّر. وبدلَ أن يَقضُوا على الجبعُونِيِّين الذين خَدَعُوهُم، جعلوا منهم خُدَّاماً لهم.

يُقدِّمُ الجبعونيون في سفرِ يشوع نموذجاً مجازِيَّاً يُوضِّح لنا أعداءَ الإيمان في سِفرِ يَشُوع. أوَّلُ عَدُوٍّ لإيمانِنا، العالَم، مثَّلتهُ أريحا. فقِصَّةُ عَخَان هِي صُورَةٌ مجازيَّةٌ تُصَوِّرُ رَغبَتَنا بأُمُورِ هذا العالم. فبِالطريقة نفسِها التي بِها إشتَهَى عَخانُ رِداءً شِنعارِيَّاً وذهباً وفِضَّةً، هكذا نشتَهي نحنُ أيضاً أُمَورَ هذا العالم التي تُبعِدُنا عنِ الله.

وهَزيمَةُ عاي عاي ترمزُ للجسد. قال يسوع، "أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف." (متَّى 26: 40- 42) فعندما استخفَّ بنو إسرائيل بِعَاي، هزمَهُم شعبُ عاي. ولكن عندما كوَّنَ بنوا إسرائيل نظرةً واقعيَّةً عن مُتطلِّبات إحتلال مدينة عاي وعن مقدارِ جَدِّيَّةِ خَطَرِها عليهم، عندها إنتصروا على عَدُوِّهم. هكذا نحنُ أيضاً غالِباً ما نستَخِفُّ بما يُسمِّيهِ الكتابُ المُقدَّس جَسَدَنا. وهكذا فالروح يستطيعُ الإنتصارَ على الجسد، عندما نُدرِكُ أنَّ طَبيعَتَنا البَشَريَّة غير المُسَاعَدَة من قِبَلِ اللهِ هي تَهديدٌ جَدِّيٌّ لإيمانِنا. إيَّاكَ أن تستخفَّ بتأثيرِ جسدِكَ على مَسيرَةِ إيمانِكَ.

حصلَ الجبعونيون على مُعاهدتِهم بواسِطَةِ خِداعِ بني إسرائيل. الشَّيطانُ يعملُ بهذه الطريقة نَفسِها. كتبَ مارتن لُوثر قائِلاً في تَرنيمَةٍ جَميلَةٍ، "إنَّ فُنُونَ الشيطان وسُلطَتَهُ خَطيرَةٌ جدَّاً." "فالشيطانُ يظهرُ كملاكِ نور." (2كُورنثُوس 11: 14) والشيطانُ لا يغوينا بتجربتنا بأن نفعلَ شيئاً شائِناً. بل عادةً يأتينا بشكل شيءٍ محبوبٍ وجميل جداً. فإذا كان اللهُ يدعوكَ مثلاً لتكونَ طبيباً مُرسَلاً، فلن يُجرِّبك الشيطانُ بأن تذهب وتسرق المصارف. بل سيُجرِّبُكَ بأن تكون طبيباً جيِّداً في بلدِك. وإن كان اللهُ يُريدُك أن تكون طبيباً مُرسَلاً في بلدٍ آخر، فهذا هو الأحسن. فخدعةُ الشيطان هي بأن يجعلنا نعملُ الحسن وليسَ الأحسن. لهذا يقولُ البعضُ أن أسوأَ عدوٍّ للأحسن هو الحسن. في يشوع 6، 7، 8، و9 لدينا صورةٌ عن العقبات الثلاث للإيمان: العالم، الجَسد، والشَّيطان.

في بقيّةِ سفر يشوع، نجدُ مَزيداً منَ الصُّوَرِ المَجازِيَّة التي ستُوضِحُ لنا الإيمان. تُعطينا حياةُ يشُوع، بالإضافَةِ إلى حياةِ شَخصٍ آخَر مذكُورٍ معَ يشُوع "نظرَةً إيجابِيَّةً عنِ الإيمان." أحد أعظم رجالات الإيمان في الكتاب المقدس هو كالب. كان كالب ذلك الجاسوس الآخر الذي أتى بتقريرٍ جيِّدٍ عن الأرض مع يشوع. لم يخسر كالب أبداً نظرتَهُ الإيجابيَّة. فطوال الوقت بينما كان الشعبُ يتيهُ في البريَّة ويتأمَّلُ بالنَّاسِ الذين كانُوا يتذمَّرُون ويموتون من العطش، كان كالب يُفكِّر بِتلك العناقيد من العنب التي رآها عندما كان هُوَ ويشُوع يتجسَّسانِ الأرضَ في حبرون، إلى جانِبِ باقي الجواسِيس.

كان الجواسيسُ العَشر الآخرون خُبراء في "علم العمالقة،" أي أنَّهُم كانُوا يُرَكِّزُونَ على الصُّعُوبات، أو العمالِقَة، كما سبقَ وقلنا عندما درسنا سفر العدد. لقد رأى كالب العمالقة. ولكنَّهُ عَرفَ أنَّ إلهَهُ كان أكبر من هذه العقبات. وعندما دخلَ الشعبُ كنعان، إحتلَّ كالب مدينة حبرون وامتلكها، كما وعدَهُ بها موسى.

ولكن هناكَ أيضاً وجهة نظر الإيمان السلبية في سفر يشوع. فبالإضافَةِ إلى أُولئكَ الجواسيس العَشر الذين إفتَقَرُوا فِعلاً إلى الإيمان، فإنَّ كَون بني إسرائيل قد فشلوا في طردِ شعوبِ أرضِ كنعان كما أمرَهُم اللهُ أن يعمَلُوا، يُقدِّمُ لنا مِثالاً سَلبِيَّاً عنِ الإيمان. فلو أطاعوا أمرَ اللهِ وخُطَّتَهُ، لما قَرأنا في السِّفرِ التَّالي منَ الكتابِ المُقدَّس أنَّهُم تعرَّضوا فيما بعد للذُّلِّ والإستعباد سبعَ مرَّاتٍ، مِن قِبَلِ الأُمَم التي فَشِلُوا في هزيمَتِها.

الصُّورَةُ الأخيرَةُ التي نَكتَشِفُها في سِفرِ يشُوع، يُمكِنُ تَسمِيَتُها "قَرارُ الإيمان." فلقد قامَ يشوع قائدُ الشعب، بتحدِّي شعبَ الله بأن يأخُذُوا عهداً أمامَ الله. ولِكَي يُقَدِّمَ لهُم مِثالاً، قالَ يشوع، " أما أنا وبيتي فنعبدُ الله." (يشُوع 24: 15) لقد ختَمَ يَشُوعُ إيمانَهُ بِعَهدٍ. ولقد إتَّخذَ موقِفاً عَلَنِيَّاً، بأنَّهُ هُوَ وبيتَهُ سوفَ يضَعُونَ اللهَ أوَّلاً وسيخدُمُونَهُ. عندما تحدَّى يَشُوعُ شعبَهُ بأن ينضَمُّوا إليهِِ، بعقدِ هكذا نَوع منَ العهد، إلتَزمُوا هُم بِدَورِهِم بهكذا عهدٍ قائِلين: "نختارُ أن نخدُمَ اللهَ وأن نضعَهُ أوَّلاً." فقامَ يشوعُ بتصريحٍ علني قائلاً، "اللهُ يشهدُ على هذا وأنتم تشهدُون أيضاً. لقد اتَّخذتُم موقِفاً أنكم ستضعُون اللهَ أوَّلاً وأنكم إخترتم أن تخدموا الله." (يشُوع 24: 14- 16)

يُختَتَمُ سِفرُ يشُوع إذ يَضعُ يشُوعُ أمامَ الشَّعبِ هذا التحدِّي، تماماً كما فعلَ موسى في نهايةِ سفر تثنية ولاويين. فمُوسَى ويشُوع كِلاهُما يَضَعانِ أمامَنا هذا التَّحَدِّي، بأن نَصِلَ بِقَضايا الإيمان إلى قرارٍ بأن نضعَ اللهَ أوَّلاً في حياتِنا.

فهل سبقَ ووَصَلتَ بِقضايا الإيمان إلى قَرارٍ، وإتَّخَذتَ إلتِزاماً جَدِّيَّاً بالإيمانِ بالله؟ وهل عقدتَ العزمَ في قَلبِكَ، أنكَ أنتَ وعائلتكَ سوفَ تَضَعُ اللهَ أوَّلاً، وسوفَ تخدم اللهَ الواحد، الحي والحقيقي؟ إجمَعْ نماذِجَ الإيمانِ المَوجُودَة في هذا السِّفرِ التَّاريخيّ المُوحَى بهِ في العهدِ القَديم. ثُمَّ دَعِ الرُّوحَ القُدُس يُحَرِّكُكَ لتتَّخِذَ إلتِزاماً وتعقُدَ عهداً بأن تَكُونَ على مُستَوىً رَفيعٍ منَ الإيمان، كذلكَ النَّوع منَ الإيمانِ الذي رأيتَهُ في سِفرِ يشُوع.

  • عدد الزيارات: 6056