دروس

الدرس الرابع: المتمرد يعود الى البيت

القسم: وُلدت لتنتصر.

(الإنجيل بحسب البشير لوقا 11:15-32)

كانت لحظة مشحونة بالمشاعر، في البيت في ذلك اليوم. الابن الأصغر يقرر انه لم يعد يحتمل. كان سيترك البيت ـ للابد. مشكلة واحدة كانت تواجهه؛ لم يكن لديه أي مال. كان كل المال بيد الأب. أكيد انه سيحصل على ثلث المال عند وفاة الوالد، ولكن هذا لا يساعده ألان.

سأل أباه ببرودة، " ألا يمكنك أن تعطيني نصيبي من ميراث العائلة ـ ألان؟ "

فرمقه أبوه بنظرة كسيرة ـ وكأنه تلقّى طعنة ـ ولكنه رغم غرابة الطلب أعطاه كل ما طلب. وحالما حصل الابن على المال، رحل إلى المدينة وخطاياها.

يا للروعة! لا إلحاح بعد الآن. لا فارق بالجيل. الحرية أخيراً، من تسلّط الرجل الكبير. حفلات كثيرة، أكل وشرب، مخدرات وقمار. اصبح الكل أصدقاء له وخصوصاً الفتيات اللواتي رأين فيه ذلك الشاب السهل المنال. لقد صرف كل ذلك المال بسرعة وكان ماله نبع لا ينضب. ( ولهذا سمي الابن "المسرف". المسرف تعني مبذّر.) ليلة بعد أخرى كان يرتّب لأصدقائه حفلة ليليه مكلّفة. "كان أكبر من صرف بهذا الشكل الكبير" قالوا ضاحكين.

أخيراً انهار كل شيء على رأسه ـ حين نفد كل ماله الذي كان بحوزته، أتت البطالة والأسعار المرتفعة، النقص في الأغذية، وتراكم الديون.

من منغمس في الملذات إلى راعي خنازير

ياه، هذا المتأنق اصبح جائعاً، وأصدقاؤه تفرّقوا عنه عندما لم يعد لديه خبز. عندما عطش، لم يعطَ ليشرب. لم يعد قادراً على دفع اجرة البيت. فاصبح الشارع مصيره.

أخيرا كان عرضٌ لعمل ما، فرصة عظيمة، رعاية خنازير! جيدٌ أن الكاهن لا يراه هنا. إطعام خنازير وسخة! لكنه كان يحسد الخنازير. معدتها تمتلئ، بينما هو يجوع.

بينما كان يجلس بجانب جرن أكل الخنازير، كثيرا ما كان يتفكّر في البيت ـ العائلة جالسة حول المائدة المليئة ـ رائحة الخبز الخارج من الفرن الآن ـ والخدم ـ لماذا، حالهم افضل من حاله هو! انه يتضوّر جوعاً! ما كان أحمقه!

وأخيراً، ينهار. سوف يرجع إلى أبيه ، يعتذر لكونه رديء، ويطلب منه الغفران.

لا بد أن الآب كان ينتظره، لأنه رآه في الشارع من بعيد. قفز عن مقعده في الشرفة، ونزل لملاقاة ابنه. بدأ الابن الضال المسرف يهيئ اعترافه، ولكن ضمّ الآب له وتقبيله لم يعطه الفرصة. يا له من لقاء! لا تحقير ولا تذكير بالنصائح "ألم اقل لك". كان لقاء محبة فقط، ياه، فقط محبة!

حالما دخلا البيت، جعل الآب الخدم يركضون بكل اتجاه ـ احضروا الحلة، احضروا الخاتم والحذاء الجديد. وبعد ذلك بدءوا يهيئون للوليمة ـ عجل محمّر وكل اللوازم.

كان فرح الآب غامراً. قال: "انظروا، ابني هذا كان ميتا والآن هو حي. كان ضالاً فوُجِد‎." واستمر الاحتفال به إلى ساعة متأخرة.

عندما رجع الابن الأكبر من عمله وعرف سبب كل هذا الاحتفال، تذمّر وانزوى. سأله الآب لماذا لم يشترك معهم في الوليمة. فقال معترضاً: "لم اترك البيت أبداً. لم اذهب إلى مدينة الخطيئة. لم أبذر مالك على الزواني، لكنك لم تصنع لي وليمة مثل هذه؟ لم تعطني حتى جدياً محمراً ، ناهيك عن العجل. ابنك هذا لا يصلح لشيء، وقد عملت له وليمة عندما عاد. لقد كنت كل الوقت جيداً ومحترما، وعلى ماذا حصلت؟ على لا شيء!"

أجابه الآب بلطف الخلاص: يوجد اكبر سبب للفرح لأخبار الابن السيئ الذي يعترف بخطيئته ويرجع إلى البيت، أما أنت، فدائما كنت معي، وقال غامزاً، وأنت لا أخطاء لديك لتتوب عنها!

معنى القصة

روى يسوع هذه القصة لأناس يظنون انهم أبرار وينتقدونه لأنه صديق للخطاة (انظر عدد 2). الآب في القصة يرمز إلى الله. الابن الأصغر يرمز إلى الخاطئ المستعد أن يتوب ويطلب الغفران. الابن الأكبر خاطئ أيضاً، ولكنه غير مستعد أن يعترف. انه يقارن نفسه مع الآخرين ويظن انه على ما يرام. النقطة الرئيسية في القصة هي أن الله يفرح بالخاطئ التائب، ولكنه لا يفرح للخاطئ غير المنكسر وغير المعترف الذي دائما يفتخر بصلاح أعماله وبره الذاتي.

لكن هنالك دروس أخرى في القصة لا نريد إهمالها.

لا بد أن قلب الآب قد انكسر عندما أراد الابن الأصغر ترك البيت مطالباً بحصته من الميراث. وهكذا فان الخطيئة لا تكسر وصايا الله فقط، ولكنها تكسر قلبه أيضاً.

لقد ذهب الابن الأصغر إلى بلد بعيد وعاش بحسب هواه. معظمنا يفعل نفس الشيء. نريد أن نتذوّق مما يقدمه لنا العالم، وان نتمتع بملذات الخطيئة. علينا أن نتعلم أن ملذات الخطيئة لا تبقى طويلاً. وأنها لا تعطينا الاكتفاء الدائم.

ما دام ماله وافراً كان أصدقاؤه كثيرين. لكنهم تركوه وحيداً عندما احتاج إليهم. لم يجد من يعطيه شيئاً. "لا شيء يُعطَ في بلد الشيطان، عليك دفع ثمن باهظ لكل شيء."

الأوقات الصعبة والجوع، كانت بركات مستترة. كثيراً ما تحدث لنا المصائب، الحوادث الاليمه، الأمراض، الأحزان، وأزمات جدّيّه كهذه لتعيدنا إلى صوابنا.

العمل الوحيد الذي وجده هذا الشاب هو إطعام الخنازير. كان ذلك تحقيراً رديئاً جداً. وهكذا الخطيئة. إنها تحط في قدر الشخص كثيراً جداً.

أخيرا، وفي ضيقه رجع إلى نفسه. كانت هذه فرصة مهيأة لله. " ضائقة الإنسان فرصة الله." عندما توصد بوجهنا كل الأبواب، نستطيع النظر إلى أعلى.

بلا شك كان أبوه يصلي لأجله طيلة مدة غيابه. الصلاة تغيّر الأحوال. وتغيّر الناس ايضاً. كثيرون منا يستطيعون القول "إن صلاة أبي أو أمي كانت تتبعني."

عندما ترك الابن البيت كان يقول "اعطني حصتي". رجع وهو يقول "اجعلني كأحد أجراك". وبكلمات أخرى، ترك وهو يطلب ما ظن انه يستحقه. رجع وهو يطلب النعمة والرحمة. النعمة افضل من العدل.

إن ترحيب الآب يعطينا صورة عظيمة عن قلب الله. هذا المكان الوحيد في الكتاب المقدس الذي استعملت به كلمة مسرعاً بما يختص بالله من ناحية صلاحه ـ عندما يرحب بالخاطئ العائد.

الحلة الأولى تصوّر لنا حلّة البر التي يلبسها الله للخاطئ عندما يتوب ويضع إيمانه بالمسيح (انظر كورونتوس الثانية 21:5). الحذاء يرينا أن المؤمنين أُحضروا إلى الله ليس كعبيد بل كورثة. لان العبيد لم يلبسوا أحذية.

بوصفه وليمة الترحيب للبيت، يقول الكتاب المقدس انهم ابتدءوا يفرحون. لا يقول انهم توقفوا عن الفرح! عندما يعود الخاطئ إلى الأب، الفرح لا يتوقف.

الضّال العصري

قبل عدة سنوات ترك شاب بيته في أحد البلدان واتجه إلى بلد آخر ليعيش حياته. لقد عاش بالفحشاء. وجلب العار والخزي لوالديه مدة عشر سنوات. بعد ذلك مثل الابن الضال قرر أن يعود إلى البيت ويصلح الأمور. ولكن هل سيستقبله والداه؟ لم يكن متأكداً.

كتب رسالة إلى أهله يخبرهم فيها بخطته، وطلب من أمه أن تربط قطعة من القماش الأبيض على النبتة الليلكية في مدخل البيت أن كانت عودته مرغوب بها. فعندما تمر حافلة الركاب من أمام البيت سيعرف الجواب . أن لم يكن قطعة قماش ابيض فسيستمر بالسفر.

أخيراً عندما وصلت الحافلة إلى المدينة حيث البيت، توتر الشاب. وأخيراً، استطاع رؤية البيت من بعيد. كانت النبتة الليلكية مغطاة كلياً بمئات من قطع الشراشف البيض، ترفرف برقة مع النسيم. عندها نهض من مقعده وحث الخطى نحو مدخل البيت لأنه عرف انه مرحّب فيه.

وهكذا الحال أيضاً مع الله. لديه شجرة في المدخل ـ خشبة صليب الجلجثة. ذراعيه مفتوحتان للخطاة الشاردين في كل مكان، يرجوهم أن يتوبوا ويرجعوا عن خطاياهم ويقبلوا مخلص الخطاة.

أضف تعليق


قرأت لك

التبرير بالايمان

في عام ١٥١٠ وصل راهب من المانيا الى روما وكان جسده الناحل ووجهه الشاحب وعيناه الغائرتان، تنمّان عما في نفسه من عذاب . لقد زار الدير في احدى مدن المانيا وصلى وصام وأذلّ جسده طالباً السلام، يأمل ان يجده في روما بزحفة على ركبتيه على السلم البابوي. وفي هذا الوقت وضع الرب أمامه الاية التي تقول "البار بالايمان يحيا" فقاد ذلك مارثن لوثر ليؤمن ان التبرير بالايمان. وكل قلب متعب يستطيع ان يجد السلام في قول الكتاب "فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح".