دروس

الدرس الثامن: أعظم جريمة اقتُرفت في التاريخ البشري

القسم: وُلدت لتنتصر.

(الإنجيل بحسب البشير متى 37:27-66؛ مرقس 26:15-47؛ لوقا 38:23-56؛ يوحنا 19:19-42)

مسرح الجريمة كان خارج أسوار أورشليم. في ذلك المكان كانت تنفّذ عادة أحكام الإعدام. اليهود يدعونه تل الجلجثة، باللغة العربية الجمجمة، لأنه يشبه الجمجمة؟ وهذا المكان يقع على الشارع الرئيسي الذي يؤدّي إلى المدينة.

قبل سنوات عديدة في صباح أحد أيام الجمعة، احضر جنود الرومان إلى هناك شاباً لكي يصلبوه. وكان في بداية الثلاثينات من عمره. وكان يتبعه هو والجنود جمهور غاضب من الناس المشاغبين، حناجرهم صارخة بكلمات مليئة بالحقد القاتل. صرخوا، استهزءوا، شتموا، وقذفوه بكلمات التحقير، خرجوا لسفك الدم -دم ذلك الشاب.

من كان هذا المعدود مجرما؟ كان اسمه يسوع. ولد في بيت لحم، وتربّى في الناصرة. تعلم النجارة من يوسف زوج أمه. ولكن عندما اصبح ابن ثلاثين سنة، ترك أدواته وخرج في حملة، بكل تكريس ونار حقيقية. وهنا بدأت المشكلة. التعاليم التي علمها والأمور التي أعلنها عن نفسه ، وضعته في صدام مباشر مع القادة الدينيين. لقد قاموا بعدة محاولات فاشلة لقتله. وأخيراً بمساعدة يهوذا الخائن، أحد تلاميذ يسوع، القوا القبض عليه وسجنوه، وبعد محاكمة هزيلة، دفعوه إلى الرومان - لأنه لم يكن لليهود أي سلطة لتنفيذ أحكام الإعدام. وقد وجد الحاكم الروماني انه "غير مذنب،" ولكن الحاكم خضع لضغوط القادة اليهود، ودفعه إلى فرقة الإعدام. هذه اللّمحة تعطيك مختصر حياة يسوع.

من هو هذا الرجل، ولماذا مات؟

هناك المزيد مما يجب أن تعرفه. لم يكن يسوع إنساناً فقط. لقد كان اكثر بكثير، يقول الكتاب المقدس : انه كان ابن الله. كان اله الكون، يزور كوكبنا بجسد إنسان. لقد كان الشخص الذي خلق كل شيء، وهو الذي بكلمة قدرته حافظُها (يوحنا 10:1؛ كولوسي 17:1).

لقد أتى إلى هذا العالم ليخلصنا من خطايانا. أتى ليموت كبديل عنّا، ليدفع العقاب الذي كان علينا دَفعَهُ. أتى لتدبير طريق بواسطته نستطيع قضاء الأبدية معه في السماء. ولكن الآن هم مستعدون لقتله.

على من يقع اللوم لموته؟ حسناً، من المؤكد أننا نستطيع إلقاء اللوم على القادة اليهود وجميع الشعب؛ لقد قالوا، "دمه علينا وعلى أولادنا" (متى25:27). يقع اللوم على السلطة الرومانية أيضاً، لأنهم هم الذين نفذوا عملية الموت. ولكننا لا نستطيع رؤية الصورة بكاملها إلا عندما ندرك أننا جميعا مذنبون بقتله، لان خطايانا هي التي سمّرته على الصليب. مات من اجل خطايا جميع العالم (1بطرس18:3؛ 1يوحنا 2:2).

أما الصلب ذاته فكان بهذه الطريقة. حالما وصلوا إلى موقع الجلجثة، وبعد الانتهاء من رفعه على الصليب، قدم الجند ليسوع خلاً ليشرب. وهذا الشراب يعطى للمحكومين ليساعدهم على تحمل الأوجاع. لم يرد يسوع أن يشربه. لان لديه عمل ليقوم به، وسوف لا يعمله بحالة نصف متخدّر.

في الساعة التاسعة سمروه على الصليب، بيديه ورجليه، ثم رفعوا الصليب وثبتوه مسقطين إياه في حفرة في الأرض. انه أمر يطيّر العقل - الخالق يموت على أيدي مخلوقاته التي عملها بيديه! ولكن هذا ما حصل. وهذا كان اعظم جرم قد اقتُرف.

ولأجلِهم قد احتَمَلَ اللعنِ

تأنَّسَ صانع الكون لأجلِ النّاسِِ

صار ذاك الغصن تاجاً على الجبين

من بيده صنع غصن الشوك

استخرجت من مناجم هو خطَّها

المسامير التي اخترقت يديه

الشجرة التي صنعوا منها صليبه

وهو منشئ الغابة التي انبتت

صانع التل التي رُفعَ فوقها ذاك الحبيب

إذ مات على عود الصليب، وهو

كان من المعتاد أن يقتسم الجنود بينهم ثياب المحكوم عليهم. وهكذا عملوا بثياب يسوع - عدا قميصه الذي بدون خياطة. وقد اقترعوا عليه. وهذا يتمم النبوة التي قالها داود قبلَ عدة قرون، "اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرع" (مزمور8:22).

على الصليب فوق رأس يسوع وضعوا لوحة مكتوب عليها تهمته(جرمه). كتب عليها ببساطة، "يسوع ملك اليهود." لم يرق هذا لكثير من الناس. وطلبوا من بيلاطس أن تغييرها ويكتب "هو قال، أنا ملك اليهود." لكن لم يرد بيلاطس تغيير ما كتبه.

عندما يموت إنسان يهتم أصدقاؤه وأقرباؤه عادة بالكلمات الأخيرة التي ينطق بها. نطق يسوع بسبع عبارات مهمة وهو معلق على الصليب: الأولى، "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 34:23). لقد كان هذا عرضاً رائعاً للنعمة أن يصلي لأجل قاتليه المذنبين. وصلاته تعني انه كان باستطاعتهم لو تابوا وآمنوا به أن يخلصوا.

حمل العقوبة من أجل الآخرين

لم يكن في نية الغوغاء الغاضبين أن تتوب بل كانوا يهيجون أنفسهم بهستيرية مسعورة. والذين تصادف مرورهم قريباً من المكان قالوا، "أنت-أنت قلت انك تستطيع أن تهدم هذا الهيكل وتبنيه في ثلاثة أيام- هيا ، خلص نفسك أن كنت ابن الله حقاً، وانزل عن الصليب." وكان رؤساء الدين يصرخون، "لقد ادّعى انه يخلص الآخرين فليخلص نفسه أن كان بالحقيقة هو ملك إسرائيل بان ينزل عن الصليب. عندها سنؤمن. قال انه ابن الله. فليخلصه الله أن كان ما قاله حقاً." الواقع الحقيقي طبعاً هو انه لو خلّص يسوع نفسه، لما قدر على إعداد الخلاص لك ولي. كان بإمكانه أن ينزل عن الصليب، ولكن هذا سيكون مناقضاً لسبب مجيئه إلى العالم ليعطي حياته فدية عنّا.

هناك من على الصليب أتى وعد المخلص للص المحتضر، "اليوم تكون معي في الفردوس ." تمعن في قصته في الدرس القادم.

مريم أم يسوع صاحبة القلب المكسور، كانت واقفةً مع الجموع بجانب الصليب. بينما نظر يسوع أليها بحنان، قال للرسول يوحنا أن يعتني بها. لم يكن يرثي لحاله، بل حنانه كان موجهاً نحو الآخرين.

من الظهر وحتى الثالثة بعد الظهر، غطت المشهد ظلمة كثيفة. كان الطبيعة أظهرت حزنها على ما كان يحدث فوق الصليب الأوسط. لسان حال الترنيمة:

عنما تختفي الشمسُ خلفَ الغمام

ويختفي مجدهُ بغطاء الظلام،

حين مات المسيحُ القديرُ الصانع الأكوان

مات لأجلِ خلاص بني الإنسان،

وخلال هذه الساعات الثلاث، حمل الرب يسوع غضب الله من جراء خطايانا. تحمّل العقاب الذي نستحقه نحن. فتحمّل الرعب الشديد من الجحيم، الذي كان يجب أن يكون نصيبنا عبر كل الأبدية. سوف لا يعرف أي كان مدى ما مرّ به. كانت آلامه الجسدية سيئة بما فيه الكفاية، لكنها ليست بشيء بالمقارنة مع الآلام الروحية، إذ تركه الله كلياً. "كل ما تألمه يسوع على أيدي الإنسان كان لا شيء سوى ملاطفة خفيفة لا تقاس بما تألمه على يدي الله ." وهذا كله كان من أجلك ومن اجلي!

ماذا يلزم لإتمام العمل؟

عند نهاية ساعات الظلام الثلاث، صرخ يسوع بصوت عظيم، "الهي الهي لماذا تركتني؟" نحن نعرف الجواب. أن خطايانا وضعت على يسوع. برّ وقداسة الله تطلَّبت أن تنال خطايانا عقابها. عندما رأى الله خطايانا على ابنه الحبيب، تركه. وهكذا دفع يسوع عقاب هذه الخطايا عنّا، لقد تُرك لكي لا نُترك نحن.

بعد ذلك صرخ يسوع، "أنا عطشان،" يمكننا أن نرى ذلك بطريقتين. أول شيء، فقد تحمل عطشاً جسمانياً شديداً بعد أن تعلّق على الصليب ست ساعات على الأقل. ومن المحتمل أيضاً انه كان يعبر عن عطشه الروحي لخلاص الإنسان، رجالاً ونساءً. وضع أحد الجنود اسفنجة مليئة بالخلّ على عصا، ورفعها إلى شفتي يسوع.

وحالما تذوّق الخلّ أعلن يسوع "قد اكمل!" فقد أنهى العمل الذي أرسله الله ليعمل. لقد دبّر طريقاً بها يستطيع الله أن يخلص مذنب مثلي، لقد وفّى كل مطالب الله للتكفير عن خطايانا. ولأنه اكمل العمل، فلا يمكننا أن نضيف أو نزيد عليه، ولا نحتاج أن نفعل ذلك. كل ما علينا عمله هو أن نثق بالذي أنهى العمل.

أخيراً، صرخ المخلّص، "يا أبتاه في يديك استودع روحي." وحالما قال هذا، اسلم الروح، أي انه مات. الشيء الجدير بالملاحظة هنا انه كان مسيطراً على زمن موته. أما نحن فلا. إننا نموت عندما يأتي الوقت. أما هو فكان لديه سلطان أن يضع حياته (يوحنا18:10).

كان أحد قواد جند الرومان لاحظ أن شيئاً غير عادياً يحدث، فقال معلقاً، "بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً، أكيد انه كان كذلك" (لوقا 47:23؛ مرقس39:15).

باللحظة التي مات بها يسوع حصل أمران غريبان. الحجاب (الستار) الذي يفصل بين قسمي الهيكل في أورشليم قد انشق من أعلى إلى اسفل (هذا درس يوضح أن الطريق إلى حضرة الله الآن اصبح مفتوحاً). حدثت أيضاً زلزلة عظيمة سببت فتح قبور كثيرة (وهذه إشارة أن المسيح قد كسر قوة الموت).

كما كانت العادة، فقد كسر الجنود ساقي اللصين ليعجلا موتهما، ولكن عندما أتيا إلى يسوع ورأيا انه قد مات، لم يكسرا ساقيه. ولكن أحدهم طعنه بحربة في جنبه، جاعلاً ماءً ودما يتدفقان منه.

تلميذاً سرياً ليسوع، يوسف الرامي، انزل جسده من على الصليب ووضعه في قبر كان قد نحته في الصخر لنفسه.

هذه ليست نهاية القصة. بعد ثلاثة أيام، قام يسوع من بين الأموات! وبعد أربعين يوما رجع صاعدا إلى السماء هو جالس عن يمين الله. ملك ومخلص. انه واقع تاريخي أن يسوع قام من بين الأموات. وبهذا نعرف أن المسيحية هي الإيمان (الدين) الحقيقي. كل مؤسسي الديانات ميّتون وأجسادهم في قبور. لكن المسيح حي في السماء. يكون أحمق من يسلم نفسه لشخص ميت. لكن الشخص الحكيم يسلم نفسه للمخلص الحي، الرب يسوع المسيح.

لقد كان اعظم جرم ارتكبه إنسان أن يصلب رب الحياة والمجد. ولكن الله غيّر ذلك لبركتنا الأبدية-إن كنت فقط تؤمن أن المسيح مات كبديل عنك وتقبله في حياتك.

لقد صرخ وهو على الصليب قائلاً:

يا أبتاه إغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون
(لوقا 34:23)

أضف تعليق


قرأت لك

الخدمة العربية للكرازة بالإنجيل

لكنكم ستنالون قوّة متى حلّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض (أعمال الرسل 8:1). الأصدقاء الأعزاء: ولأن الله في بداية الكنيسة الأولى أرسل تلاميذه لكي يكونوا قنوات طائعة وأمينة لتقديم كلمة الله وسط العالم الضائع لكي يعيدوا العلاقة المهدومة والمحطمة بينهم وبين الله الحي، ولأن هذه المهمة تواترت بجدية وعزم ومثابرة من كل المؤمنين إلى الجميع عبر كل العصور والحقبات،