الفصل الثالث في اسلاف المسيح
وديع : ان هذا لما يثير بي الاهتمام الشديد فهلا أوضحت لي ما تعرفه بهذا الشأن؟
سليم : جميعنا نعرف أسماءنا يا وديع وأسماء والدينا وأسماء جدودنا فكيف عرفنا ذلك ؟ من والدينا طبعا وكيف عرف والدونا ذلك ؟ من والديهم طبعا . لكن اسمي واسمك لم يكونا معروفين قبل ولادتنا وهكذا اسم والدنا واسم جدنا الخ . فكل اسماء الناس تسمى بها اصحابها بعد ولادتهم ما عدا بعض الاشخاص كيوحنا المعمدان الذي أمر الله بتسميته كذلك عندما وعد اياه زكريا به . لكن لم يذكر مقدما ان يوحنا سيكون ابنا لرجل اسمه ذكريا قبل ميلاده بمئات السنين.
وديع : هذا صحيح ، فهل يذكر الكتاب أسماء الأشخاص الذين كان سيأتي من نسلهم المسيح قبل مجيئه إلى الأرض ؟
سليم : نعم ، فإنه تعالى كان يخص أسلاف المسيح بعلامة أو بركة خاصة مذكورة في التوراة التي يحتفظ بها ويحترمها اليهود والمسيحيون والطائفتان متفقتان على أولئك الأسلاف جميعهم.
وديع : هلا تكرمت ، يا أخي ، بذكر أسمائهم.
سليم : بكل سرور، فبعد أن عرف جدانا آدم وحواء أن مخلصا سيأتي من نسل المرأة ليسحق رأس الحية القديمة أي الشيطان لا بد أنهما اهتما للامر وربما توقعا ان يكون احد ولديهما قايين وهابيل . لكن املهما خاب عندما طرد الله ولدهما قايين لقتله أخاه هابيل . ثم عزاهما تعالى عن فقد ولديهما الأولين باعطائهما ولدا ثالثا دعوة شيئا . وكان شيث ولدًا صالحًا قرت به عيونهما وألقيا عليه آمالا كبارا متوقعين إتمام وعد الله لهما بواسطته.
لكن الأيام أظهرت ان الوقت لم يكن قد حان إذ كثرت الشرور وتزايدت جدا حتى أنه تعالى فكر بإفناء الجنس البشري وما منعه عن ذلك سوى رحمته تعالى ووعده السابق لآدم بأن يرسل مخلصا من نسل المرأة يسحق رأس الحية أي الشيطان. واختار الله نوحا وخلصه من الموت مع أولاده الثلاثة سام وحام ويافث وعائلاتهم بواسطة فلك أمرهم بإعداده قبل الطوفان الذي أغرق فيه تعالى باقي سكان الأرض.
وديع : أتمم حديثك يا سليم أتمم .
سليم : والفلك يا وديع يرمز الى يسوع المسيح فكما خلص الفلك نوحا وأولاده الذين آمنوا بقول الرب هكذا سيخلص المسيح اولاد الله اي المؤمنون باسمه.
وديع : ومن من أولاد نوح تعين كي يجيء المسيح من نسله ؟
سليم : لقد أفرز الله من اولاد نوح ساما الذي أتى من نسله كل الأنبياء وقد جاء إعلان ذلك على لسان أبيه بقوله " مبارك الرب اله سام وليكن كنعان عبدا لهم"
تكوين ٩ : ٢٦ .
وديع : وهل أصبح نسل حام عبيدا لسام ؟
سليم : نعم ، فجميعنا نعرف كيف استعبد حام ونسله لاخويه ونسليهما . ولولا شريعة المحبة التي أمر بها يسوع المسيح الذي جاء من نسل سام لما كان المسيحيون قد حرموا الرق كما هو معلوم لدينا.
وديع :ومن من نسل سام حظي بشرف انتساب المسيح اليه ؟
سليم : إن ساما انجب اولاداً واولاد اولاد يسترعي انتباهنا منهم رجل اسمه أبرام . هذا اختاره الله وطلب منه ان يترك عشيرته ويذهب الى بلاد بعيدة عن بلاده يستوطن فيها . ثم إنه تعالى باركه واخذه خليلا له لما اتصف به من المحبة لربه والایمان به تعالی.
وتجري الحوادث تباعا فيغير الله اسم ابرام ويدعوه ابراهيم ويعده بأن يكثر نسله وبأن يبارك مباركيه ويلعن لاعنيه.
أن هذه البركات كافية لأن ندرك قصد الله في إبراهيم الذي كان من نسل سام. فهل يأتي المخلص من نسله ؟ نعم فها صوت الله يرن في آذاننا ثلاثا " ويتبارك في نسلك جميع قبائل الارض " المرة الأولى عندما ترك بيت أبيه طاعة لأمر الله تك ۱۲ : ٣ والثانية عند قبوله سنة الختان دلالة على اختصاصه بالرب تك ۱۸ : ۱۸ والثالثة عند تقديم ابنه للرب دلالة على تسليم كل شيء له تعالى .
تك ۲۲ : ۱۸
أن الله قد اكّد لابراهيم ثلاث مرات " ويتبارك في نسلك " بالمفرد وليس بالجمع وذلك يتفق مع قول بولس في غل ٣ : ١٦ " وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله لا يقول في الانسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو المسيح " وإننا نرى يا وديع كيف تباركت جميع قبائل الأرض بالمسيح الذي حول الإيمان به برابرة أوروبا إلى أعظم درجة من الرقي وصل اليها الانسان.
وديع : هذا صحيح فأعظم بركة نالها سكان الأرض جاءتهم من اتباعهم لتعاليم يسوع المسيح الذي هو نسل إبراهيم بالجسد.
سليم : ثم ان ابراهيم خلف اولادًا كثيرين فخصص الله اسحق بشرف ولادة المسيح من نسله . ففي تك ٢٦ : ٤ نراه تعالى يوجه نفس بركة إبراهيم لابنه اسحق ويقول " ويتبارك في نسلك جميع قبائل الأرض " وفي العدد الثالث يقول الله " وافي بالقسم الذي اقسمت لابرهيم ابيك "
وديع : ومن من أبناء اسحق نال شرف مجيء المسيح من نسله ؟
سليم : كان لاسحق ابنان توأمان عيسو البكر ويعقوب الثاني فاختار الله يعقوب وخصه ببركته تعالى بينما كان هاربا من وجه أخيه عيسو كما جاء في تك ۲۸ : ١٤ حيث يقول الله جل جلاله " ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الارض "
وديع : كم تشبه هذه البركة تلك التي وجهها تعالى لكلا ابراهيم واسحق.
سليم : نعم فلنتابع حديثنا لنرى كيف تنتقل البركة من يعقوب إلى أحد أولاده الاثني عشر . وتقع القرعة على رابعهم يهوذا وينزل الوحي على يعقوب فيتلفظ بالنبوة التالية كما هي مسجلة في تك ٤٩ : ۱۰ " لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون (أي المسيح) وله يكون خضوع شعوب" .
وديع : إن لهذه النبوة معان كثيرة .
سليم : نعم فإنه تعالى يشير فيها إلى ثلاثة أمور أولها أن سلسلة ملكية ستظهر في نسل يهوذا وثانيها أن هذه السلسلة الملكية ستبقى الى ما قبيل مجيء شيلون وثالثها أن هذه السلسلة الملكية ستزول وتختفي بظهور المسيح كما يختفي نور شمعة صغيرة بشروق نور الشمس اللامع وهذا ما حدث تماما فما كاد المسيح المنتظر يظهر حتى زالت الملكية اليهودية كما تنبأ يعقوب لابنه يهوذا تماما .
وديع : إذا شيلون هو المسيح ؟
سليم : نعم فاليهود عرفوه بهذا الاسم ولكلمة شيلون معنيان " الذي له " و "سلام" أي ملك السلام.
وديع : وما رأيك في دولة إسرائيل الحالية ، اليست هي ولادة جديدة لمملكة يهوذا؟
سليم : كلا ، فليست دولة إسرائيل القائمة في فلسطين اليوم ولادة جديدة لمملكة يهوذا . فقد مضى على اضمحلال مملكة يهوذا زهاء الفي سنة ولا يمكن القول أن دولة اسرائيل الحالية هي رجوع الملكية التي تنبأ بها يعقوب لابنه يهوذا إذ قد اختلط حابل اليهود بنابلهم وضاعت السلالة الملكية تماما وانقطعت الذبيحة الدائمة واستولت الأمم على الهيكل وهدمته . وقد حدث ذلك لأن شيلون المسيح الذي وعد الله به عبيده قد ظهر فاختفت بظهور شمسه شموع اليهود الخافتة وها هو قد أخذ الملك وسيملك على قلوب المؤمنين إلى الأبد ولن يكون لملكه نهاية . وان ما نراه من ضيق واقع على الأمة اليهودية فناتج عن عصيانهم ورفضهم لمسيحهم ومخلصهم الذي بذل نفسه لفدائهم ، بينما نراه تعالى قــد بارك الأمم الذين آمنوا بشيلون المسيح فشـادوا الممالك القوية في أوروبا شرقها وغربها وفي اميركا شمالها وجنوبها وفي افريقيا واستراليا والى جميع أقاصي الأرض حسبما أعلن الله لابراهيم واسحق ويعقوب أسلاف المسيح . وما أراه واضحًا تمامًا هو أن الله عز وجل قد وضع الامة اليهودية أمام الأمر الواقع ، فإما أن يؤمنوا بابنه الذي رفع على الصليب لأجل خلاصهم كما رفعت الحية النحاسية في البرية أو يفنون عن بكرة أبيهم وانني ارى السيف مصلت على رقابهم وليس لهم منقذ سوى الذي رفضوه . ولا يظنن احد ان قوة ارضية تقدر أن تغير مقاصد الله عز وجل.
وديع : أرى أنك ابتدأت بيهوذا ابن يعقوب ثم انتقلت الى الملكية اليهودية واضمحلالها ومصير الشعب اليهودي بلمحة بصر.
سليم : كل ذلك حدث حسب النبوة التي تلفظ بها يعقوب لابنه يهوذا " لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب "
لمن تخضع شعوب الأرض اليوم ، يا وديع ؟ أليس ليسوع المسيح ؟ فها ان نصف سكان الأرض ينحنون بخشوع ومحبة امام موطيء قدميه وها أن ملوك ورؤساء اوروبا والامريكيتين و أستراليا وقسم كبير من أفريقيا وآسيا يسجدون لذاك الذي علق على خشبة - شيلون المسيح.
وديع : إن ما تقوله صحيح يا اخي ، والآن لنرجع الى موضوعنا فمن جاء من نسل يهوذا أبا للمسيح ؟
سليم : قد تكون قد لاحظت كيف أنه تعالى قد سكت المسيح عن ذكر شخص معين بين آدم ونوح نال شرف مجيء من نسله ، ويعود السبب في ذلك إلى الشرور التي سبقت الطوفان فاغضبته تعالى حتى أنه ندم لعمله الإنسان وكاد أن يفنيه من الأرض لولا رحمته ووعده لآدم بأن يرسل من نسل المرأة مخلصا يسحق رأس الشيطان . وبعد الطوفان خص سامًا بالبركة كما عرفنا . لكن الناس عادوا الى شرورهم فسكت الوحي مدة من الزمن عاد الله بعدها فاختار بالتتابع ابراهيم فاسحق فيعقوب فيهوذا . هنا تستوقفنا شرور أبناء يعقوب الذين باعوا أخاهم البريء يوسف عبدا إلى مصر حيث ترقى إلى رتبة نائب ملك مصر . واضطر الجوع اخوة يوسف الى النزوح إلى مصر حيث سجدوا لأخيهم ، فتمت احلام يوسف السابقة ، فسامحهم اخوهم وأعالهم مدة حياته . لكن ملكا جديدا لم يكن يعرف يوسف استعبد بني اسرائيل مئات السنين واذلهم جدا حتى أنه طرح أطفالهم أحياء الى النهر . فصرخ بنو اسرائيل الى الله واعترفوا له تعالى بذنبهم فأرسل الله موسى فخلصهم من أرض مصر.
لكنهم عادوا فعصوا الله في البرية فحكم عليهم سبحانه أن يبقوا أربعين سنة في التيهان إلى أن مات جميع الذين ولدوا في مصر وأخيرا ادخل نسلهم إلى أرض الميعاد بعد أربعة قرون ونيف من نزوحهم عنها . وبعد رجوع بني إسرائيل إلى فلسطين انشغلوا بحروبهم تحت حكم عدد من القضاة خلفهم الملك شاول في قيادة الشعب .
وفي كل هذه السنين لم يسمي الله سلفا للمسيح . وقام بعد شاول الملك داود الذي احبه الله وقال فيه تعالى " وجدت داود بن يسى رجلا حسب قلبي " اع ۱۳ : ۲۲ وكان داود هذا الذي احبه الله من نسل يهوذا فابتدأت بملكه السلسلة الملكية التي تنبأ عنها يعقوب المدعو اسرائيل لابنه يهوذا.
وديع : ما ألذ هذا الحديث يا أخي.
سليم : أن داود هذا اختاره الله من نسل يهوذا ليأتي من صلبه المسيح وهاك قوله تعالى لداود في ٢ صم ۷ : ۱۲ - ١٤ " متی کملت ايامك واضطجعت مع ابائك اقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك وأثبت مملكته هو يبني لي بيتا وانا اثبت كرسيه إلى الأبد . انا اكون له ابا وهو يكون لي ابنا " . فهذا الذي وعد الله ان يثبت كرسيه إلى الأبد هو المسيح ابن الله الذي جاء بالجسد من نسل داود وفي اش ٣:٥٥ - ٤ يقول تعالى " واقطع لكم عهدا ابديا مراحم داود الصادقة هوذا قد جعلته شارعا للشعوب رئيسا وموصيًا للأمم " والمقصود هنا المسيح الذي سمى داود مجازا.
وديع : كيف تثبت ان النسل الذي وعد الله به عبده داود ليس سليمان ابنه ؟
سليم : - إن هذه النبوة تتم جزئيا في سليمان ابن داود الذي بنى الهيكل لكن سليمان يا وديع لم يملك إلى الأبد ولا كان شارعا للشعوب . أنه كان ملكا على اسرائيل وشارعا لهم فقط . اما يسوع المسيح الذي تتم فيه هذه النبوة فهو شارع الشعوب ومملكته ثابتة إلى الأبد.
وديع : نعم ، فإن شريعة المحبة التي سنها المسيح ثابتة إلى الأبد.
سليم : بعد سليمان أي في عهد ابنه رحبعام عادت الشرور إلى اسرائيل بعد ان انقسمت الدولة إلى مملكتين واحدة تحت حكم رحبعام ابن سليمان وكانت مؤلفة من سبطي يهوذا وبنيامين والأخرى تحت حكم يربعام بن ناباط وكانت مؤلفة من الأسباط العشرة الباقية . وازدادت شرور مملكة اسرائيل حتى انهم عبدوا الاصنام مدة طويلة . فتخلى عنهم الله وأخذهم ملك بابل اسرى الى بلاده حيث انقطعت أخبارهم ولم يعد يسمع عنهم شيئا الى هذا التاريخ . ثم إن مملكة يهوذا هزمت امام اعدائها واخذ رجالها أسرى مدة سبعين سنة صفح الله عنهم بعدها فعادوا إلى فلسطين ورمموا هيكلهم المهدم . لكن النبوات سكتت عن ذكر أي سلف آخر للمسيح الى حين ظهوره.
- عدد الزيارات: 23